الرئيسية » التاريخ » يهود كردستان كما يراهم سمير نقاش

يهود كردستان كما يراهم سمير نقاش

“خاتمة مطافي هنا في رامات غان” (ص 10) هكذا يكتب سمير نقاش على لسان شلومو كتاني, اليهودي الكردي الذي يروي نقاش سيرة حياته في آخر رواياته “شلومو الكردي وأنا والزمن” الصادرة عن دار الجمل في كولونيا (ألمانيا), وكأنه يتنبأ بموته هو, والذي حدث حقاً في تلك المدينة الإسرائيلية في شهر حزيران (يونيو) 2004.
في هذه الرواية التي صدرت قبل وفاة نقاش بقليل يبدو الموت هو البطل الحقيقي للرواية التي تختلف عن روايات نقاش الأخرى بقدر ما تكملها وتنتظم في إطارها العام. فهي مثل روايات سمير نقاش الأخرى جولة في الذاكرة التي تنقل شلومو من صبلاخ في إيران إلى بغداد وبومبي في الهند فرامات غان في إسرائيل حيث ينفتح سيل الذكريات التي يتعاون في سردها هو مع الزمن والراوي العليم بكل شيء: “لنتذكر معاً. الزمن وأنت وأنا”. (ص 11), محولاً الزمن إلى شخصية تشارك في السرد وتختلف مع الراوي ومع شلومو نفسه حول تفصيلة ما, أو تدخل معهما في نقاشات لا تخلو من فظاظة قبل أن يعود الثلاثة إلى التعاون في سرد أحداث الرواية مجدداً.
ومثل روايات نقاش الأخرى ترسم الرواية صورة لم تعد موجودة إلا في الذاكرة لليهودي الشرقي الذي يعيش في مجتمع يغلب عليه طابع التخلف الذي يشترك فيه اليهود مع الطوائف الأخرى, ولكن فيه أيضاً كثيراً من أوجه التعاون والتكافل الذي تفسده ظروف قاهرة تأتي غالباً من خارج المجتمع: من السلطة الحاكمة أو من عامل خارجي لا قبل لذلك المجتمع به.
ومثل روايات نقاش أيضاً تتشكل “شلومو الكردي وأنا والزمن” من ذكريات أحداث تعود طازجة وملحة إلى حاضره بقدر ما تغور عميقاً في الزمن, لذلك ربما, يحضر نقاش الزمن لكي يسهم في سرد تلك الذكريات التي لا تتوقف عن الانهمار: “يحلو لي أن أعيد حكايتي ألف مرة قبل أن يطويها معي الموت والنسيان” (ص25) ولا يغير كثيراً أن نقاش الذي مات عن سبعة وستين عاماً, لم يعمر مثل شلومو الكردي الذي ناهز المئة, فالذكرى مثلت لكليهما حياة ثانية إلى جانب حياتهما الحقيقية التي زاولها الموت حتى بدت “لحظات أطياف! هذه خلاصة أعمار الناس! أطياف تسترجعها بحنين وتترحم عليها حتى يطويك الموت فيترحمون عليك وتلتحق أنت ببارئك مخلفاً جسدك الفاني مع هذه الأطياف المندثرة” ص (63).
ولكنّ الذكريات في “شلومو الكردي…” تختلف عما هي عليه في روايات نقاش الأخرى, فهي هنا تأملات كئيبة قاتمة يشوبها السواد ويظللها شبح الموت, وهو الأكثر حضوراً في الرواية التي تأخذ شكل تأملات واهنة لشخص في انتظار الموت الذي لازمه طوال حياته “وأنا أرقد هنا, هرماً في فراشي وأنتظر بقناعة ورضوخ خصمي اللدود, من راوغته من قبل ألف مرة فأفلت من براثنه” (ص34). من الواضح أن تأملات شلومو هذه التي يسيطر عليها هاجس الموت من مطلع الرواية إلى نهايتها هي في صورة أو أخرى تأملات سمير نقاش نفسه قبل موته في منفاه الإسرائيلي.
كما تختلف آخر روايات نقاش في أنها لا تدور حول يهودي بغدادي يغادر إلى إسرائيل حاملاً معه بغداد التي ترفض أن يتركها أو تتركه, بل تدور حول يهودي كردي من قرية صبلاخ الكردية الإيرانية التي يغادرها إلى بغداد مضطراً في عهد الشاهنشاه القاجاري, وذلك قبل أن يعود إلى طهران مبعداً مع كثير من يهود إيران الذين يعيشون في العراق في زمن عبدالكريم قاسم, ولكنه لا يلبث كثيراً هناك فيغادر إلى رامات غان في إسرائيل يجتر ذكريات الاقتلاع والموت.
وعلى رغم أن بغداد لا تغيب عن الرواية بشوارعها وأحيائها وسكانها, فإن الشطر الأكبر من أحداث الرواية يقع في صبلاخ, البلدة الكردية الإيرانية القريبة من حدود روسيا وتركيا, حيث يعيش أكراد يهود ومسلمون ومسيحيون: شلومو وزوجتاه أسمر وإستر وأولادهما الأربعة, وشريكه المسلم مير علي وزوجته فاطمة التي تثير شهوة شقيقه رضا علي, ومرتضى حاجي زادة وهو زعيم مجموعة من القتلة يدخل في منافسة مريرة على النفوذ مع شقيقه ولي حاجي زادة.
وحسن جاقماق الشيوعي الذي ينتظر قيام ثورة اشتراكية في روسيا. وحسن بوزورك الفتى الوسيم ساحر النساء, وألماس الفتاة اليهودية بارعة الجمال وآخرون.
>في ذلك الزمن السحيق الذي يعود إلى العقد الأول من القرن العشرين, لم تكن صبلاخ قد تحولت بعد إلى مهاباد التي أعلنت جمهورية كردية مستقلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية, كانت تحتاج إلى حربين عالميتين ما لبثت إحداهما أن اندلعت محولة كل شيء في البلدة إلى هدف لهجمات الروس والأتراك الذين يتناوبون على احتلالها ومباشرة عملية تقتيل طائفي بين أهلها, فيقتل الأتراك المسيحيين ويقتل الروس المسلمين ويأمرون اليهود بدفنهم مسممين العلاقة الراسخة في ما بين أهلها.
وتستمر عمليات القتل بالجملة التي تتكرر طوال أمد الحرب العالمية الأولى في البلدة الكردية البعيدة عن طهران والقريبة من كل من تركيا وأذربيجان المستعمرة الروسية آنذاك. وفيها يفقد عدداً كبيراً من أصدقائه وجيرانه من مختلف الأديان والملل, كما يفقد زوجته الصغيرة الرعناء إستر التي تزوجها على زوجته أسمر وبموافقتها, ويفقد ولديه منها, ويصل الأمر حدود العبث مع مجاعة مروعة تجتاح البلدة فيأكل فيها الأحياء جثث موتاهم, ويبدأ يهود صبلاخ في مغادرة بلدتهم ولكن شلومو يقرر البقاء على رغم تناقص اليهود حتى لا يبقى منهم من يكفي لإقامة صلاة الجماعة. ولكن التاجر الناجح الذي يصل في تجارته إلى موسكو عاصمة بلاد المسقوف يرفض المغادرة متمسكاً بصبلاخ: “الكل يمضي, يهرب من صبلاخ. عانوا وعانيت أكثر منهم. أفحقاً أن من يترك وطنه جبان؟ أفحقاً من يترك مسقط رأسه خائن؟” (ص 346) يقول في مونولوغ يشير إلى الصراع النفسي الضاري في داخله الشبيه بذاك الذي كتب عنه نقاش سابقاً في رواية “نزولة وخيط الشيطان” التي تتحدث عن مغادرة يهود بغداد حوشاً عريقاً عاشوا فيه طويلاً, بعد صدور “قانون إسقاط الجنسية” عام 1951.
>ولكنه يضطر أخيراً إلى مغادرة صبلاخ بعد أن يأتيه رسول من طهران محذراً من أن الشاه “يتهمك ويهود صبلاخ بالتعاون مع الغرباء, وقد حكم عليكم بالإعدام. وهو يعد مجموعة تصفية ستصل قريباً إلى هنا لتنفيذ الحكم فيكم, وأنت وأهلك على رأس القائمة” (ص350). هنا يقرر شلومو مغادرة صبلاخ: “راحلون رغماً عنا يا مير ويا فاطمة ويا أولاد شريكي ويا أمه وأباه. راحلون رغماً عنا يا صبلاخ وأهلها. راحلون يا كل إيران (ص353), ولا يأخذ شلومو معه سوى صندوق ثياب زوجته أسمر وحليها ويعطي شريكه بستانه في صبلاخ, ومن هناك يتجه نحو بغداد التي يبدأ فيها من الصفر ويغتني من تجارته مع الهند. وفي بغداد يفقد شلومو عدداً من أصدقائه اليهود, كما يفقد زوجته ورفيقة دربه الدامي أسمر في أحداث الفرهود في بغداد التي حدثت في العام 1941.
وفي عهد عبدالكريم قاسم يطرد من العراق أيضاً, ومن هناك يتوجه إلى طهران في عهد الشاه بهلوي. ولكنه ما يلبث أن يغادرها إلى إسرائيل حيث يعيش في رامات غان مجتراً كل تلك الذكريات الأليمة منتظراً الموت الذي خطف العديد من أحبائه عبر رحلة مضنية على مدى حياة مديدة بائسة.
في “شلومو الكردي وأنا والزمن” خرج سمير نقاش من دائرة اليهودي العراقي المندمج في مجتمعه قبل أن يقتلع منه ويلقى به في إسرائيل وهي موضوعة ظل يدور فيها طوال ما يقرب من أربعين عاماً من الكتابة, واختار الكتابة عن يهود كردستان ربما في محاولة لتعميم تجربة اليهودي العراقي على يهود الشرق عموماً, وهي في صورة أو أخرى تنويع عليها. وربما لهذا السبب لم تحمل روايته هذه تلك الكلمات التي كان يحرص على وضعها على أغلفة رواياته التي تتحدث عن بغداده التي ظلت تخايله في حياته فيصوغها قصصاً أو روايات يصر على وصف كل منها بأنها: “رواية عراقية”.

http://www.alparty.org/modules.php?name=News&file=article&sid=327