الرئيسية » مقالات » الفيلي والبصري ..كلاهما مهمشان في العراق ..!

الفيلي والبصري ..كلاهما مهمشان في العراق ..!

لا يستطيع أحد اليوم في العراق التنكر لطيبة ووفاء الاكراد الفيليين والبصريين حيث يشتركا معا في مدى أخلاصهم وتمسكهم بعراقيتهم ، مثلما لا يستطيع أحد نكران أنتمائهم الاصيل لهذا البلد العريق الممتده جذوره منذ القدم ، مهما عصفت به رياح الغدر ومهما فتكت به ونالت منه أيدي الطغاة الجبناء وأذنابهم .

كلاهما كان يقطن المناطق المجاورة لايران التي كانت تدعى في سالف الازمان بلاد فارس أو بلاد الري ، فالكردي الفيلي من جهة الشمال والوسط والبصري من جهة الجنوب بالنسبة لحدود العراق مع جارته ايران ، وهما ورغم علاقتهما الطيبة والمتوازنة مع تلك الجارة وارتباطهما الوثيق معها بصلات متعددة كعلاقة الجيرة والعقيدة الواحدة ولربما التبادل التجاري ، الا أن ذلك لم يطغي الى درجة معينة ليخلق من تلك العلاقات المختلفة نوع من التبعيّة لأيران من قبل الفيلي أو البصري ، وبقى ولائهم المطلق لبلدهم العراق الذي يستشعرون الانتماء اليه بقوة ويتسمون بطابعه فخرا منهم به حتى مع أقسى ظروف الجور عليهم وهم فيه أو خارجه .

لم يحفل أي منهما بنوع من الاهتمام أو التقدير على الصعيد العملي طيلة عقود من الزمن من قبل الحاكم في العراق ، رغم أهتمامهم المباشر بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، بكل صغيرة وكبيرة من قضايا وطنهم ومشاركتهم الآخرين هموم الفقر والجوع والحرب والرعب والارهاب والخوف والحيف والاضطهاد والتهميش . حتى وصل الحال الى درجة التشرد والتنكر لهم ولوطنيتهم كوسيلة للتنكيل بهم فطرد معظمهم وأجبروا على الخروج من حدود العراق بدون أن يحملوا معهم حتى مؤنهم أو شيئا من أموالهم فتركوا بيوتهم وبساتينهم ومحلاتهم ومصانعهم ، بل أنهم قدموا خيرة صفوة شبابهم قرابين في سبيل ولائهم لبلدهم وهم كانوا قادرين على مسايرة ومجاملة الطغاة من الظلمة والسير في فلكهم كغيرهم ممن اختار طريق الباطل ليكون له مظلة تحميهم من قسوته وسطوة بطشه ، لكنهم كانوا من الاباء أن رفضوا أي مساومة على الحق حتى وان سلب منهم أهم الحقوق الا وهي المواطنة .

ففي العهد الملكي لم يكن يعرف العراقيون أن ثمة شخصية عراقية تم تعيينها بمنصب كبير ومن تسنمه كان كردي فيلي أو أحد من اهل البصرة ، هذا على الرغم من أن العديد منهم قد تأهل لشغل الوظائف الادارية المهمة لخبرته الطويله في الحياة المدنية أو الخدمة العسكرية وحمل أعلى الشهادات الجامعية من أرقى جامعات العالم المعترف بها في أوروبا وامريكا . وكانت تسند الوظائف الكبيرة ومناصب الوزارة لابناء الطبقات البرجوازية أو تلك التي لها مصالح تجارية مع الحاكم او الوصي على العرش ، بل أن رئيس الوزراء كان لا يستشير الا المقربين من العوائل التي لهم صلة به أو أولئك الذين يمثلون توجهاته ويعبرون عن نفس تطلعاته الشخصية في مسألة أختيار الوزير أو حتى المحافظ (المتصرف) على هذه الولاية أو تلك .

وفي العهد الجمهوري وبعد أعتماد الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم على الاحزاب العراقية في تشكيل وزاراته المتلاحقة منتهجا التوازن كمبدأ في اتاحة الفرص أمام تلك الاحزاب بمختلف أيديلوجياتها وتوجهاتها الفكرية لتشكيل الوزارة تلو الوزارة بعدما تمنح الثقة وتفشل بأداءها فتحل أخرى محل الاولى وهكذا جاءت الفرصة في أختيار القيادي في حزب البعث آنذاك عام 1960 علي صالح السعدي ليكون وزيرا في حكومة الزعيم الثانية بعد فشل الوزارة الاولى والتي كانت تظم العديد من الشيوعين ، حيث أن السعدي الفيلي لم تمهله الممارسات التمييزية والعنصرية التي أتبعها تيارعبد السلام عارف المعروف بتحامله الطائفي على الشيعة والتي لم يسلم منها حتى شخص الزعيم عبد الكريم قاسم رغم أنه لم يكن شيعيا بل ينحدر من أب سني وأم شيعيه (كرديه فيليه) ، على الاستمرار في الحكومة أثر الانقلاب عام 1963 ومجيء عبد السلام عارف للحكم ونهاية عبد الكريم قاسم .وكذلك الحال بالنسبة الى الوزير الوحيد من أهل البصرة في فترة حكم الزعيم وهو الدكتور فيصل جري السامر وكان يتبع التيار الشيوعي ولذلك سلمت اليه مهام وزارة الثقافة والارشاد في أول وزارة شكلت بعد الثورة مباشرة وجمعته مع الزعيم علاقة قوية حتى فترة تركه العمل كوزير آنذاك حيث أنشغاله بالتأليف والتدريس الجامعي صرفه ايضا عن العمل السياسي .

أما في الفترة السوداء التي مرت بالعراق مع تسلل البعثيين للسلطة أبتداءا من العام 1963 ومرورا بتسلم زمرة البعث المجرم الذي قاد العراق الى هاوية الانحطاط من العام 1968 الى 2003 حيث سقوط الصنم صدام فقد تم توجيه أقسى وأعنف هجمه شرسة على أهالي البصرة وأخوانهم من الكرد الفيليين لم يسمع العالم لها مثيل في التأريخ على الاطلاق . فكان الحقد الاعمى على هؤلاء يصب بمنتهى الخساسة والنذالة ،متمثلا بأبشع أنواع الجرائم ضد الانسانية . فمن حملات الابادة والقتل الجماعي التي كان يشنها أتباع المجرم صدام وأعوانه ضد الكرد الفيليين والشيعة في البصرة خصوصا الى حملات الاعتقال والزج بهم جماعيا في السجون والمعتقلات وبدون المرور بأي محاكمات عادلة ، فحرمانهم من ممتلكاتهم ومصادر عيشهم عبر مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة مرورا بهدم بيوتهم وتهجير عوائلهم الى بلدان الجواروأنتهاك حرماتهم وحقوقهم في بلدهم الذي ولدوا فيه وأجدادهم وترعرعوا بين نهريه وعلى تربته الابيّة المعطاء.

ذات يوم سألت نفسي هل يوجد أقسى من ظلم المجرم صدام وأنا أقارنه بطغاة العرب والعجم ! فلقد أستأجرت في الغربة بيت القائم بأعمال أحد السفارات العربية في أحد الدول وكان هذا الرجل يتبع لأقلية تنتشر في مناطق محدودة في أحدى الدول العربية ،بل أن عشيرته التي تعيش في منطقة تعد محافظة من محافظات ذلك البلد لا تبدي ولائها وتجاهر علنا بمعارضتها لحاكم ذلك البلد غير الديمقراطي ، ورغم كل هذا فالرجل يعمل موظفا كبيرا في السلك الدبلوماسي ويمثل بلده في الخارج .لقد قلت له ألا تعلم ياسيدي بأن صداما أعتبر أهل البصرة أعدائه وبهذا فهو يكافيء ويعاقب على أساس الولاء لسلطانه ،فلم يعيّن ولو سفيرا واحدا منهم .!

ورحل المجرم صدام وأنتهى حكمه وبقوا أهل البصرة والأخوة الاكراد الفيليين في عراقهم ولكن السؤال هل أنهم قد منحوا حقهم وأستعادت السلطة في الحكومات العراقية المتتالية جميع حقوقهم ؟! أم أنهم لازالوا يعانون التهميش والضياع وانتهاك الاعراف في بلادهم ؟ لازلت أتذكر جيدا زيارة الاستاذ برهم صالح الى مناطق مندلي وخانقين مباشرة بعد سقوط صدام وكلاهما أي المنطقتين تعتبران من المناطق التي يشكل الاخوة الاكراد الفيليين فيهما أكثرية بالنسبة لبقية السكان الآخرين ! ماذا كان يريد برهم صالح منهم ؟ كان يريد تذكيرهم بأنهم أكراد ليس الا وهم ليسوا عربا ! هل كان ذلك كل ما أراد؟ بالطبع لا ! بل كان يريد أصواتهم ! أما الاحزاب الدينية فلقد دعتهم للتصويت لصالحها في الانتخابات البرلمانية لتقول لهم ولأهل البصرة ايضا انكم شيعة ! وماذا بعد؟ كانت النتيجة منذ تمخض المحتل بتأسيسه لمجلس الحكم والى توالي ثلاث وزارات على حكم العراق الجديد والديمقراطي أن كان للاكراد الفيليين وكيلا لوزارة خدميّة عجزت عن تقدم أي خدمة لهم في بداية التحرير والآن وزيرا واحدا لم أتأكد بعد من كونه كردي فيلي أم لا في آخر حكومة حالية ، أما عن أهل البصرة فهم يكتفون بمقولة أحد وزراء الأئتلاف العراقي الموحد : (أنهم أحبابنا) ليكونوا غير مهمشين مرة أخرى !