الرئيسية » مقالات » أدب الحوار.. نظرة إلى القران

أدب الحوار.. نظرة إلى القران

لعلنا حينما نقف عند خطاب الله تعالى وهو يحاور ملائكته ، وهم خلقه ، حول خلق بني آدم كما جاء في بدايات سورة البقرة حين قال تعالى{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 ومن خلال هذه الآية العظيمة يتبين لنا أهمية الحوار مع الآخر وان كان ذلك الآخر مطيعا ومحبا لك كما الملائكة مع رب العزة والجلال .
وهناك نمط آخر من الحوار لابد من الوقوف عليه حتى يتبين لنا أهمية الحوار في البناء والتنمية فهذا إبليس عليه اللعنة يحاوره رب العزة والجلال فيقول {قَالَ يَا إِبْلِيسُ…. أي قال الله لإبليس ….. مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ … أي من آدم ( عليه السلام ) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }ص75 ،76 . فأي عظمة هذه أن يستمع الله سبحانه وتعالى لخصمه وعدوه ويفسح له المجال أن يضع المعاذير ويأتي بالأدلة التي يقتنع بها هو(خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) وفي هذا إشارة لنا انه لا ينبغي أن نحجب أنفسنا عن حوار أي طرف من الأطراف سيما التي تحقق نفعا لنا ولديننا ودنيانا .
ولهذا فالقران يعلمنا نظرية تربوية عظيمة في الحوار وأدبه مع من يخالفنا بالرأي فيقول مثلا {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125 وقوله {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ …… }البقرة256 وقوله {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ …..}العنكبوت46 وكذلك { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ }آل عمران159 {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }الشورى38 فهذه القواعد الإيمانية التربوية كفيلة أن توصل صوتك للأخر وحينها لا تكون نكرة بنظرهم وبالوقت نفسه تخلق جوا من الحوار الهادف .
ولكننا اليوم نواجه مشكلة حقيقية في قضية الحوار وطبيعته وخاصة في مجتمعاتنا الإسلامية فهي لا تتمثل فقط في ندرة الحوار وعدم وجوده في الأوساط الثقافية وإنما تتمثل غالبا في سوء الإدارة له وهذا في الأعم الأغلب أن لا نعرف كيف يدير البعض هذه الحوارات مما يعكس مشكلة أخرى وهي زيادة الخلاف فيما بيننا وبالنتيجة يؤدي إلى رفع مستوى التنافر و الفرقة والخصام والابتعاد .
ولقد عرض القران الكريم صورة عظيمة من صور الحوار الهادف الحوار الذي يحمل في طياته عظمة الإسلام وتعاليمه وأخلاقه وأخلاق الأنبياء التي أصبحنا اليوم بأمس الحاجة إلى تفعيلها في حياتنا ( الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ) ونحن نواجه أشكالا من الفتن والصعاب .
وهنا نقف عند خطاب سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء وإمام الموحدين حينما خاطب أبيه وكان مشركا فالأسلوب الذي تحدث فيه مع أبيه وصيغة السؤال له تتمثل في المشهد الحواري الآتي {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً }مريم42ولك أن تتأمل في هذه الكلمات العظيمة وما تحمله من معاني أدب الحوار والاستماع له حيث أن إبراهيم (عليه السلام) استخدم كلمة ترتبط فيها العاطفة والأبوة فقال يا أبت وهي كلمة الاحترام والإجلال والتقرب
والتي تحرك عواطف الآباء واستخدم نظرية التعليل الواقعية فقال لم تعبد ما لا يسمع ندائك ولا يرى حالك ولا يقدم لك شيئا من حطام الدنيا الفانية وبالتالي عليك أن تعبد الله الذي يسمعك ويراك ويعطيك .
ولكن جواب الأب المشرك كان يختلف تماما عن جواب الابن الموحد فقال له أبوه {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً }مريم46ولم يقل له يابني وإنما سماه باسمه ( إبراهيم ) فجرده عن صفة البنوة !!! وهذا خلاف أسلوب الابن لأبيه ومع هذا كله فقد قال له{ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ…….. سلام تقريب وملاطفة ولذا وعده بالاستغفار فقال سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً }مريم47أي رحيما ومُكرِما .
وإبراهيم (عليه السلام ) نفسُهُ يُجري حوارا هادفا مع قومه وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ{69} إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ{70} قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ{71} ولربما هذه صورة جلية وواضحة لبناء المجتمعات وفي كل نواحيها فكم نحن بحاجة اليوم الى خطاب هادف وهادئ نوجهه الى نفوسنا بعدما عشعش الشيطان في بعضها ونحن نسمع عن فساد اداري ومالي في بلادنا في وقت هناك الملايين من ابناء شعبنا يعانون الفقر والحاجة وخاصة في جنوب العراق وهذه دعوة لكل الأطراف أن تجلس مع بعضها وان تتحاور لأنه بالحوار نتغلب على كثير من مشاكلنا التي نواجهها .

الشيخ خالد عبد الوهاب الملا
رئيس جماعة علماء العراق
فرع الجنوب
كتبت بتاريخ ‏‏الجمعة‏، 08‏ شباط‏، 2008 ،‏الجمعة‏، 01‏ صفر‏، 1429