الرئيسية » مقالات » عبد الكريم قاسم …بطولة في الحياة والاستشهاد

عبد الكريم قاسم …بطولة في الحياة والاستشهاد

كل عام في هذه المناسبة الاليمة نعيش ذكرى هؤلاء الرجال العظام الذين كتبوا تاريخ العراق الحديث بمداد دمائهم الزكية، ولنا ان نعد يوم الرابع عشر من تموز عام 1958 بداية كتابة تاريخ العراق الحديث ، لان هذا اليوم الذي قاد فيه عبد الكريم قاسم ثورته ضد التخلف والنظام البائد كان بحق يوما جديدا تشرق فيه شمس الحرية على العراق من شماله الى جنوبه ، من جبال كردستان الشماء الى اهوار الجنوب الابية ، ولم يكن عبثا ان خرجت الجماهير عن بكرة ابيها تحيي الثورة المباركة .
نتذكر عبد الكريم قاسم ورفاقه الابطال الذين شاركوا في الثورة ووقفوا بشجاعة حتى آخر رمق في حياتهم وبذلوا ارواحهم الغالية فداء للوطن والشعب بكل نكران ذات ودون مقابل، فخلدهم التاريخ في صفحاته الزاهرة .
في هذه الظروف العصيبة التي يعيشها شعبنا الذي اباح دمائه المجرمون الوافدون من اطراف البوادي والكهوف المظلمة، وامست ثرواته نهبا للمتخلفين المتسربلين بعباءات الدين والخرافة والدجل ، نتذكر رجال ثورة الرابع عشر من تموز هؤلاء الرجال المخلصين لوطنهم الذين شيدوا في اقل من خمس سنوات عمرانا ومشاريع ووضعوا أسسا وأطرا قانونية للمجتمع واقاموا صناعات وصروحا جعلتهم مثار فخر كبير ومثالا على صدق الدوافع الوطنية التي دفعتهم الى القيام بثورتهم ليخدموا شعبهم ووطنهم لا لينهبوه مثلما نرى اليوم من انتخبهم الشعب ليحكموا بالعدل فاخذوا يحرقون البنوك وسجلات النفط ليخفوا جرائمهم التي اقترفوها بحق شعبهم دونما حياء وخجل .
كان الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم يمتلك نظرة بعيدة المدى ، فاراد ان يضع نفسه فوق الميول والاتجاهات كما كان يقول كي يستطيع ادارة دفة الحكم دون انحياز لطائفة او قومية ولكن الجهل الذي كان يضرب اطنابه بين القوى السياسية العراقية والمحاولات الليئمة التي قام بها الشوفينيون من القوميين ضد الزعيم الراحل كانت تستهزء بهذا الشعار كما اسستهزأت معظم القوى بشعاره الرحمة فوق القانون ، وشعاره عفا الله عما سلف ، وانما اراد من تلك الشعارات معالجة المشاكل الشائكة في المجتمع العراقي والتي لايمكن حلها بواسطة قانون او قاعدة فقهية جامدة ، فكان يبحث عن وسائل غير مألوفة لوضع المجتمع الذي يعاني من تراكم تاريخي كبير من التخلف والتخندق خلف المفاهيم البالية والعشائرية من ثأر وانتقام وقسوة على مسار الرحمة والتسامح والعفو ليتفرغ للبناء والاعمار والتقدم.
لم يكن عبد الكريم قاسم طامعا بمغانم شخصية ولا بامتيازات دنيوية ، لقد جسد خلال حكمه للعراق مبادئ الامام علي بن ابي طالب عليه السلام فكان مثالا في النزاهة والزهد والعفة ، فاصبح منارا يهتدى بنزاهته نتمنى ان ياتي في قابل الايام من يحذو حذوه في النزاهة والحكم.
نتذكر بحزن واسى يوم مصرعه مضرجا بدمائه الزكية في دار الاذاعة العراقية التي احتلتها عصابة قذرة لم تقدم للعراق سوى الكوارث والويلات فيما بعد حين تسلمت دفة الحكم فقادت العراق الى الموت والخراب .