الرئيسية » مقالات » خصخصة الصهيونية

خصخصة الصهيونية

15 ديسمبر كانون الأول 2007
ز نت

ترجمة : مازن كم الماز

مقابل أقل من أربع دولارات في الساعة ينقل مراهقون يهود الأثاث و الملابس و أدوات المطبخ و الألعاب من البيوت و يضعوها في الشاحنات . فيم كانوا يعملون باجتهاد بجانب العديد من رجال الشرطة الذين جاؤوا ليؤمنوا تدمير 30 منزلا في قريتين بدويتين غير مصرح بهما كان المراهقون البدو يقفون و هم يراقبون منازلهم فيما يتم إخلاءها .
عندما جرى نقل كل الممتلكات قامت البلدوزورات بتدمير المنازل بسرعة . كل الحاضرين , يهودا و بدو , هم مواطنون إسرائيليون , تعلموا سوية درسا مهما في التمييز الذي يطبع الحياة المدنية في الدولة العبرية .
هذا التدمير الحالي هو جزء من إستراتيجية بدأت مع تأسيس دولة إسرائيل . هدفها الأبعد هو تهويد الأرض . في هذه الحالة نفذت أعمال التهديم لبناء قريتين إسرائيليتين . إن بناؤهما يشكل جزءا من خطة أكبر بكثير تتضمن بناء حوالي 30 مستوطنة يهودية جديدة في النقب الإسرائيلي , عبر الاستيلاء على أرض البدو لأغراض عسكرية و بناء عدة دزينات من المزارع وحيدة الأسرة على الأرض التي كان البدو يسكنوها منذ أن تمت إعادة توطينهم من قبل الدولة في أوائل الخمسينيات .
سأل ناشط بدوي , بعد أن شاهد تدمير المنازل , مراهقا إسرائيليا لماذا وافق على المشاركة في عملية الإجلاء . رد المراهق من دون أي تردد : “أنا صهيوني و ما نفعله هنا هو الصهيونية ” .
لم يكن المراهق على خطأ . و حتى ربما كان أصغر من اللازم ليدرك أنه حتى إذا لم تتغير الأهداف الكبرى للصهيونية فإن الأساليب التي تستخدم لتحقيقها هي عرضة لتغير جذري . فيما تقوم الدولة تقليديا بأداء مهام تهويد الأرض فإنها قد بدأت عبر السنين بنقل كثير من مسؤولياتها أكثر و أكثر إلى شركات خاصة . هذا المراهق نفسه تم استئجاره من قبل مؤسسة خاصة , جرى استخدامها من قبل الدولة لتقوم بطرد البدو من منازلهم .
كان تقدم عملية خصخصة الصهيونية بطيئا . طوال خمسة عقود كانت الدولة هي الوكيل الوحيد المسؤول عن كل أعمال التخطيط للقرى و البلدات و المدن الجديدة و كان البناء فقط يجري بيد مقاولين خاصين . أما الآن فإن الأراضي التي طرد منها البدو قد بيعت بأسعار منخفضة جدا إلى واحدة من أبرز شركات العقارات , المسؤولة في هذه الحالة ليست فقط عن بناء القرى و البلدات اليهودية بل أيضا عن التخطيط لها . يتدبر المتعاقدون الخاصون جني أرباح أكبر من ذي قبل , لأن الفرق في السعر بين الأرض “غير المخططة” و الأرض التي يجري “تخطيطها” هائل .
ليس الوكالات و المتعاقدون من القطاع الخاص على أي حال وحدهم أبطال الحملة لخصخصة الصهيونية . تفصل خمسة دقائق بالسيارة القريتين البدويتين غير المصرح بهما عن مجموعة من المزارع اليهودية وحيدة العائلة التي أقيمت في السنوات الأخيرة القليلة . تعطي الدولة هؤلاء المزارعين اليهود قطعا كبيرة من الأرض و تربطهم بالبنية التحتية كالماء و الكهرباء , و بالمقابل تتوقع منهم أن يكونوا جزءا من جهاز وظيفته تقليص و تحديد حركة و تطور البدو و ليساعدوا القوى الأمنية في مراقبة سكان النقب الأصليين .
إذا ما قاد المرء سيارته بضعة كيلومترات فقط أبعد و اجتاز الخط الأخضر إلى المناطق الفلسطينية المحتلة فسيمكنه أن يلاحظ أن نقاط التفتيش العسكرية قد جرى خصخصتها . في السنة الأخيرة تم تسليم خمسة نقاط تفتيش إلى مقاولين فرعيين و يجري إدارتها اليوم من قبل مقاتلي الشركات . الاختلاف بين جنود جيش الدفاع الإسرائيلي و مقاتلي هذه الشركات هو أن الأخيرين يعملون في المنطقة الرمادية من القانون . إنهم بلاك ووتر* إسرائيل . هكذا مع استمرار هذا الاتجاه نحو الخصخصة فإن نقاط التفتيش العسكرية في الضفة الغربية , التي اكتسبت سمعتها السيئة تحت إشراف الجيش الإسرائيلي , ستصبح بالتأكيد مواقع للمزيد من البؤس للفلسطينيين الذين يحاولون اجتيازها .
و لو أن نقاط التفتيش مجرد تطور أخير في عملية تجري لعدة سنوات في الأراضي المحتلة . في بداية الثمانينيات منحت الحكومة الإسرائيلية المتعاقدين من القطاع الخاص أراضي مناسبة داخل الأراضي المحتلة و سمحت لهم ببيعها بأرباح كبيرة , فيما قام الجيش بتشكيل ميليشيات المستوطنين لمساعدته في أعمال البوليس ضد المواطنين الفلسطينيين . أعطيت هذه الميليشيات المدنية معدات عسكرية , ناقلات جنود و أسلحة و أجهزة اتصال و طلب منها أن تقوم بأعمال الدورية حول مستوطناتهم , الأمر الذي عنى في الواقع غالبا قيامها بأعمال البوليس قرب القرى الفلسطينية .
لا ترمز خصخصة الصهيونية لتغير إستراتيجي بل لتغيير تكتيكي . تقوم السلطة بالتنازل عن بعض من مسؤولياتها فيم القطاع الخاص أخذ يقوم بالمهام التي كانت حتى وقت قريب تقوم بها الحكومة . الفرق الأساسي هو أن هذه الشركات الخاصة أقل مسؤولية قانونية حتى من الحكومة . من هنا كان استخدام المراهقين لترحيل البدو من بيوتهم ليس هو الانعكاس الوحيد لهذه العملية المغرية للخصخصة , بل أيضا ذلك التآكل الذي لا يتوقف للمسؤولية الأخلاقية .

* بلاك ووتر : الشركة الأمنية الخاصة الأبرز في العراق المتعاقدة مع وزارة الخارجية الأمريكية و التي نسبت إليها تقارير صحفية عمليات سقط فيها ضحايا عراقيين مدنيين .
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.zmag.org