الرئيسية » مقالات » نحو وحدة الشيوعيين العراقيين

نحو وحدة الشيوعيين العراقيين

بعد كتابة مقالي السابق عن ضرورة وحدة الشيوعيين العراقيين تحت مظلة وطنية واحدة،وردتني رسائل عدة من رفاق أعزة وأصدقاء حميمين من داخل الوطن وخارجه،بين مؤيدة ومشجعة،وأخرى متخوفة ترى في بعض الحركات المتواجدة ميول وأهداف بعيدة عن الهم الوطني وذات ارتباطات مشبوهة بأطراف خارجية،أو جماعات إرهابية،وبقايا فلول النظام البائد،ولا تمتلك رؤيا مستقبلية يمكن أن تسهم في البناء الوطني،أو تهدف إلى النضال السليم وفق المبادئ الشيوعية التي تضع في أولوياتها مصلحة البلاد والسمو عن الصغائر ونكران الذات والابتعاد عن المغريات والاندفاع الحقيقي لتحقيق آمال الجماهير بعيدا عن المصالح الفئوية الضيقة،وتقدير ما تتطلبه المرحلة من أولويات تضع في حسبانها طبيعة الأوضاع السائدة في العراق،فيما ركزت واحدة منها على أطراف معينة ثبت ارتباطها بجهات خارجية لا تصب في مصلحة الحركة الشيوعية والمصلحة الوطنية،أو التي نزعت لتأييد القاعدة السلفية في توجهاتها الهادفة لتدمير البلاد،وأن الظروف التي أستطاع فيها الشهيد سلام عادل أعادة الوئام بين الأطراف المختلفة،وتوحيد الصف الشيوعي في كتلة متراصة،كان يتميز بوجود شيوعيين حقيقيين ليست لهم ارتباطات مشبوهة أو توجهات بعيدة عن الوطنية،أو نزعات أنانية فردية ومصالح ذاتية،بل كان أغلبهم من المخلصين للوطن والمناضلين من أجل شعبهم ومبادئهم الأصيلة.
وطالعت بإمعان اللقاء مع الأخ سمير عادل القيادي في مؤتمر حرية العراق،فكانت أطروحاته بعيدة عن آفاق المرحلة ومتطلباتها،ولا تتعامل مع الواقع بموضوعية،وكأنه بعيدا عن العالم الحديث دون تمييز لأفاق الصراع ،وما يمر به المجتمع من ركود فكري وتخلف جماعي،يدعوا للانطلاق من نقطة البداية في عملية البناء،وزرع الركائز الأولى للفكر الجديد بعد الغربة القاتلة للفكر الشيوعي لثلاثة عقود،كان الشعب يعيش خلالها ظلال أزمة فكرية حادة،جعلته رهن الفكر الغيبي وأسير المعتقدات البالية والعادات البائدة،التي تمكنت القوى اليسارية عبر نضالها المديد من تلطيفها وتوجيهها بما يخدم الحركة الوطنية،ويسهم في البناء الوطني المنشود.
إزاء ذلك رأيت ولعلي مخطئا أن الوحدة الحقيقية تتطلب الاتفاق على برنامج واضح،يأخذ بالحسبان الظروف الجديدة ومتطلبات المرحلة،وما تستلزم حركة التحرر الوطني،بعيدا عن الاجتهادات الفكرية التي ليس أوان الخلاف عليها في هذه الظروف،أو الخلافات الأيديولوجية التي لا تتطلبها المرحلة،فالتلميذ الابتدائي لا يمكن تدريسه الكيمياء العضوية،والذي لا يزال يسعى لتشييد الطابق الأول،ليس من المجدي له التفكير بنوعية الزجاج الذي يحتاجه في الطابق الثالث،لذلك يجب أن يكون البرنامج ضمن سياقات المرحلة الحالية وما تتطلبه من أولويات تكتسب أهميتها بالحاجة الموضوعية إليها،دون القفز على المراحل،والصراع على السمك الذي في البحر.
أن النقاط الأساسية التي تتطلبها مرحلة التحرر الوطني يمكن إجمالها بما يلي:
1-فتح صفحة جديدة من العلاقات الرفاقية الحميمة وتناسي الخلافات السابقة التي واكبت فترات النضال السابقة،والتقاطعات التي خلفتها الظروف الشاذة،ودفعت البعض بالابتعاد عن التنظيم لأسباب متعددة منها ما هو مبرر ومنها ما كان لأسباب علينا تناسيها وتجاوزها للسعي مجددا لبناء وحدة فاعلة على أسس متينة.
2-نبذ العلاقات الجانبية للأطراف المتحاورة والابتعاد عن العلاقات المشبوهة بالإطراف الخارجية،والعمل وفق البرنامج الوطني الذي يجرى الاتفاق عليه،والابتعاد عن الشعارات المتطرفة أو التصريحات النابية،ونبذ الأفكار التي أثبتت الأيام عقمها وعدم جدواها،وما أدت إليه من أضرار لا يزال الحزب يعاني منها.
3- أن لا تكون موجهة ضد إي جهة كانت دينية او سياسية او قومية والابتعاد عن التصريحات التي تثير الآخرين،أو تسيء إلى المعتقدات والأديان ولا تنسجم مع التوجهات السائدة في المجتمع،أو تصطدم بمعتقدات الآخرين،او تتقاطع مع العادات الاجتماعية غير الضارة التي لا تتعارض مع التوجهات الإنسانية،او تلحق الأذى بالفئات الاجتماعية المختلفة،ومحاولة الإصلاح التدريجي لبعض الظواهر السائدة في المجتمع من خلال التبصير بمضارها،والعمل على إنهائها،دون الدخول في الخصوصيات التي تعتبر خطوط حمراء في التفكير الشعبي.
4- الالتزام بثوابت المجتمعات التي عليها شعوب وادي الرافدين،وعدم المساس بالمشاعر الدينية،وما تضمنته المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في حرية الفرد في ممارسة عادته وتقاليده دون الأضرار بالآخرين،واحترام المشاعر الدينية والعقائدية،وعدم القفز عليها أو استهجانها والاصطدام بها،ومحاولة الاستفادة منها وتوجيهها بما يخدم المجتمع،بالتفاعل معها والدخول في أوساطها ومحاولة توجيهها الوجهة السليمة التي تسهم بالحراك السياسي لصالح الجماهير،واستغلالها لطرح المسائل المطلبية كما كان عليه الحال أيام النضال الوطني ومكافحة العهود المختلفة،فالحزب الشيوعي العراقي لم يكن في يوم ما واجهة للإلحاد أو محاربة الأديان والعقائد،وهو جزء منها بما تحمل من معان إنسانية نبيلة تهدف لبناء الإنسان على أسس سليمة،والفرز بين الخاص والعام في هذه التوجهات.
5-محاربة التعصب القومي والطائفي بتقديم البديل الوطني المناسب الذي أثبتت الأيام صحته،بالاستفادة من الأخطاء الناجمة عن الفترة الماضية،بما أفرزت من سلبيات ي دفعت حتى الأطراف الدينية والقومية نفسها إلى السعي لإيجاد البديل بعد التردي والانفلات الذي صاحب ظهور هذه التوجهات وما أدت إليه من أضرار فادحة في مسيرة التقدم والبناء.
6- اعتماد الديمقراطية والروح الرفاقية في تبني الرأي الهادف لمصلحة الوطن بعيدا عن الخلفيات المسبقة،والنصوص الجاهزة،والأيديولوجيا المعطلة،ومحاولة الاستفادة من الإرث النضالي في التمييز بين الضار والنافع،لبناء التوجه السليم ،والاستفادة من التجارب السابقة لحركات التحرر الوطني التي تمكنت من أيجاد الحلول لمشاكلها،واختيار الطريق المفضي إلى التقدم والنجاح.
7-الاتفاق على برنامج واضح لمتطلبات المرحلة والتخطيط لما تتطلبه المرحلة المقبلة،استنادا للنظرية العلمية التي نسترشد بها ،وتطويعها بما يخدم الاتجاهات الوطنية،دون الغرق بحمى التنظير اللا مجدي،ومحاولة الاستفادة من تجارب شعوب العالم المتقدم بما لا يتعارض مع المبادئ العامة للنظرية،والعمل لإيجاد البدائل الكفيلة بإنجاح المشروع الوطني،ضمن الواقع المنظور،واعتمادا على الإمكانيات المتاحة.