الرئيسية » مقالات » حرائق قبل أوانها في غياب امكانات المعالجة المؤسساتية .. خطوة للجم فساد السياسيين

حرائق قبل أوانها في غياب امكانات المعالجة المؤسساتية .. خطوة للجم فساد السياسيين

يصنف العراق اليوم المرتبة الثانية بين دول العالم في مستوى الفساد . ومن المشاكل المهمة والخطيرة التي أضحت تشغل بال الكثير الطريقة الخاطئة التي اتبعت في التشكيل المؤسساتي للدولة ، من حيث اعتمادها على معايير المحاصصة والمحسوبية الطائفية والحزبية حيث حولت الوزارات والمؤسسات والهيئات الى ضيعة او مقر لهذه الجماعة او تلك .
فهناك الكثير من المسؤولين ليس لديهم القدرة على إدارة الوزارات ، لأنه تم أختيارهم من ضمن المحاصصة وليس على الكفاءة ، وهذا ما زاد عملية الفساد الإداري والمالي والسياسي . بأن الفساد الذي يتحمل الشعب العراقي وحده نتائجه الوخيمة ، ادى إلى إثراء القادة السياسيين على حساب الشعب ، من دون ان تحقيق انجازات ملموسة وعدم تنفيذ أية أعمال ومشاريع وخطط تنموية أو خدمية . يضاف الى ذلك النظام الاجتماعي الذي يعاني من الفوضى بسبب عدم وجود أي إطار مؤسساتي لحمايتهم وخدمتهم لأن الحكومة العراقية عاجزة عن مواجهة التحديات الضخمة التي تواجهها .
كما ان نشاطات المنظمات المدنية في مجال عملهم محمدودة جداً ، غير ان الأسوأ من ذلك كله هو ان المواطن العراقي بات عليه الآن دفع رشي للدخول الى المؤسسات والدوائر الرسمية وغير الرسمية بقصد المراجعة أو أكمال معاملته .
ان هولاء الذين يتخاصمون ويفترسون بعضهم بعضا كانوا سبب في معاناة العراقيين وعيشهم في ظلام دامس ، وهم ذواتهم يتباكون بدموع ساخنة على انقطاع الكهرباء والماء والخدمات الصحية وشحة المواد الغذائية وحليب الاطفال في الاسواق من خلال ظهورهم على واجهات الاعلام وإيجاد التبرير لتلك المشاكل . الجميع يشكون اندلاع الحرائق ، لكن الجميع يلقون بالحطب الى مواقد النار وأصبح المسؤولون عن الفساد هم الذين يرفعون أصواتهم ضد الفساد أكثر من ضحاياه !! وأدهى من ذلك انهم يطالبون هيئة النزاهة بالعمل على محاربة ظاهرة تفشي الفساد بحيادية بعيدا عن التسييس والخضوع للجهات السياسية وإعادة الحقوق المسروقة لمستحقيها من الشعب !! . لانهم بدأوا يشعرون بالخطر على مواقعهم ومنجزاتهم الشخصية والحزبية ومستقبلهم السياسي مع تزايد الوعي الشعبي وانكشاف الحقائق .

ان اجهزة الدولة المعنية لم تكن يوماً بالمستوى المطلوب للتصدي بقوة للفساد الاداري والمالي ، ويعود ذلك الى اسباب عديدة ، لعل في مقدمتها الخلل الكبير في تركيب تلك الاجهزة ، وفي بنائها على اسس بعيدة عن روح المواطنة والمهنية . والتحديات التي تواجهها المؤسسات الرقابية تتمثل بالتجاذبات السياسية ومحاولات تسييس ملف الفساد من قبل مراكز الثقل السياسي ، فضلا عن انعدام الخبرة والمهنية المطلوبة في تلك الاجهزة والذي يمثل ايضا مشكلة لايستهان بها ، إضافة الى تعرض كوادر المفتشين العامين في المؤسسات الرقابية الى الاغتيال او الاختطاف . ان على الدولة اليوم تفعيل المؤسساتيه ، وخصوصا الامنية منها ووضع الامكانيات تحت تصرفها في انحاء العراق ، لا سيما في بغداد .

إن محاربةالفساد الإداري والمالي لا يمكن أن يتعالج في الظرف الراهن بهذه البساطة إذا كانوا حاميها حراميها !!!، فقد أصبحت تلك مهمة شبه مستحيلة حيث ان الفساد محصن الآن ومسيج بسياج منيع من الحماية الحزبية والمحاصصة المقيتة . خمسة سنوات تقريبا وخطوات الحكومة العراقية بطيئة نحو تأسيس دولة مؤسسات وقانون حكم مدني ديمقراطي ورقابة مالية وإدارية بصورة صحيحة لمكافحة الفساد ومحاسبة المقصرين ومراقبة طرق التلاعب بالمال العام ، إن محاربة الفساد والمفسدين يجب إن تبدأ من اعلى هرم في الدولة وان يتساوى إمام القانون ، ومطلوب من الحكومة خلق نظام اليات وهيئات لضبط ومراقبة المسؤولين الحكوميين والمؤسسات الحكومية خصوصا من حيث النزاهة والنوعية والكفاءة..اضافة الى وجود نظم للادارة المالية والمحاسبة والتدقيق وجباية الايرادات جنبا الى جنب مع عقوبات تطبق بحق مرتكبي المخالفات بدون استثناء احدا كائن من يكون . لكي يتم تحديد حالات الاساءة وتشخيص المتسببين واحالتهم الى المحاكم العراقية المختصة لكي ينالوا جزاءهم العادل في ضوء الجرائم التي قاموا بها بعد ثبوتهاعليهم وفق القانون والعدالة .
ويستوجب على الحكومة العراقية مجابهة هذه الافة ووضع الحلول الجذرية اللازمة لها والكشف عن كافة الحالات السلبية بهدف المحافظة على اقتصاد البلد ، والبدأ بحملة تعبئة وطنية هادفة لاستئصالها .. وتبدأ بمعالجة ما خرب بأيدي العابثين وتصحيح في البنية التحية العمرانية والبنية الإنسانية وتفكك المجتمع ، وتعزيز دور وسائل الاعلام والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية فيما يتعلق بمحاربة الفساد بفكر وكلمة والعمل على بناء قدراتها بهذا الشأن … ان الاقدام على ذلك كله اصبح امرا مهما ومطلوبا .
مما جعل لذلك انعكاسات ايجابية على سائر الملفات الاخرى . ان المواطن العراقي ، رغم كل التعقيدات والصعوبات ، ومنها ما يتعلق بالاوضاع الامنية والخدمية ، ما زال يأمل ويتطلع الى وضع حد للفساد الاداري والمالي والسياسي واحلال الامن والاستقرار في البلاد .

من المفروض على هولاء المسؤولين الذين يرفعون اصواتهم ضد الفساد ويطالبون هيئة النزاهة بالعمل على محاربة ظاهرة تفشي الفساد ، أولا عليهم أن يبحثوا عن الوسائل الرصينة لوأد أوكار التخلف والانحطاط قبل فوات الأوان لبناء المجتمع الصائب للجميع لأن خيرات العراق تكفيهم وتزيد ، ثانيا لتصفية ومحاسبة جميع كوادرهم التي ابتلت بالفساد المالي والاداري داخل الحكومة ، هذه العناصر التي اثبتت ممارساتها خلال الاعوام الماضية بانها غير صادقة في عملها ، وثالثا اختيار رجل المناسب في المكان المناسب ، واعطاء أهل الكفاءات والطاقات والناس الخيرين الدور القيادي في عمليات بناء العراق ، واخيرا التأكيدعلى ضرورة تظافر كل الجهود الخيرة لابناء العراق في محاربة الفساد الاداري والمالي لاسيما في المؤسسات والهيئات الحكومية . لكي يعيد ترتيب البيت العراقي نفسه وفق اولويات صحيحة وعلمية مدروسة وان ترفع عن كاهل الإنسان العراقي كل همومه بعيدا عن مهاترات البعض ونرجيستهم واحلامهم الصفراء . ان مفتاح امن العراق يكمن القضاء على هذه آفة الفساد .
وخلاصة القول انه يتوجب اليوم تظافر جهود القوي الخيرة مع الجهات الرسمية وغير الرسمية العاملة على الساحة المحلية والخارجية لاستئصال الفساد من الدوائر الحساسة وان تكون الرديف والداعم الحقيقي للقوى الامنية والمشاركة الفعلية معها في محاربة موجات الخارجين على القانون من اجل استتباب الامن وسيادة القانون في ربوع العراق بصورة صحيحة وحقيقية حتى لا تتكرر مأساة الأمس .