الرئيسية » مقالات » فراشات الضوء!!!

فراشات الضوء!!!

إن الموت في سبيل هدف ثقافي أو سياسي
وتقديم الإنسان حياته في سبيل ما يكتبه ..
إحدى المراتب المعنوية الأسمى التي يمكن
أن يصل إليها .
اورهان باموك – رواية “ثلج”

الحكيم الصيني القديم (تشوانج – تسي) الذي عاش حوالي عام 350 قبل الميلاد يقول: (حلمت يوما بأنني فراشة، والآن لم أعد أعرف ما إذا كنت فراشة تحلم بأنها تشوانج تسي، أم أن تشوانج تسي الذي يحلم بأنه فراشة)، ومن الذي يمكن له أن يعرف جوابا عن مثل هذا التساؤل.

هذا هو المبدع الذي يسأل ويستفسر عن وجوده، كينونته، لماذا يكتب .. وينسج قصيدة، لماذا يغنّي للقمر ويبدأ قلبه رحلة حب لازوردية!

إنه الإنسان الذي يتعّمق في خبايا النفس البشرية، ويحّلق بأجنحته.. بأفكاره..

في حدود الزمان، لا الجغرافية تثنيه، ولا الريح تخيفه، يسكن الليل، يضيء مع انبلاج فجر النهار ضاحكا ليحكي الحكاية، ويروي قصة حياة .. موت وولادة.

هذا الكاتب الإنسان هو ملحمة عشق اغتسلت بحبات المطر، يأتي حاملا آلوانه القوس قزحية، كلمات وأحرف، فكرة هبطت من السماء، وشاعر احتضن قلبه، بكته الأزهار لحظات الربيع، علّه يترك تلك القصيدة حّرة لآجل أن تطير في السماء برفقة السحاب، لكن القصيدة ما زالت في رحم العقل، تبحث عن سرّ الوجود، تتخمر، تنمو، تزهر.. لحظات للولادة .. وجع وأنين، صراخ وعويل للمالك الأزلية.

يتعانق الشاعر مع الله في تلك اللحظة. إنه رسول الكلمات الساحرة ودمعة الحروف في إنسيابها على الورق الأبيض، وتأتي القصيدة للحياة بعد أن انتهى الشاعر من طقوس الصلاة وخشوعية التزهّد في محراب ملائكة الكلام، حينها أصبحت قصيدة لها وطن وهوية، يلتفت الشاعر للوراء، ينظر للمدى باحثا عن حلم جديد، وقصيدة تطهّره من آثامه.

هذا هو المبدع، رجل الروح والإحساس، شيخ يتصابى كلما دخل في معبد الكلمة. يقرأ، يكتب، يغني، تتراقص الحروف والأفكار من حوله، تشتعل النار في أعماقه ويندمج مع سكون الكون، تطمره الأرض بأوجاعها ويقبض على الهزيع، لكي يصنع البداية وكأنه خلق من أزل الطبيعة التي هي الأم والحبيبة والوطن والغربة والمنفى، هو كالشجر اليابس ينتشي ويخضّر في كل عودة للغيم من رحلاته، التي يغتسل بماء البحر، ويبكي مطرا على الأرض لفراق الموج الأزرق.

إنه والطبيعة صديقان في زمن موحش، الطبيعة بأدواتها تغنيه لأن يعطي لكل ما حوله نكهة وحياة من خلال فكره المضيء ،كلماته تراتيل لقلبه المليء بالأمل والطموح، بأنامله الرقيقة، بريشة قلمه يرسم ثلجا، ويجعل للغصن حكاية، وللعصفور عشا وأجنحة، يتحاكى بلغة الأرض، يهمس في أذن الريح، يغنّي للصباح مع زنابق الماء البيضاء، وهنا نجد شاعرنا الكبير شيركو بيكس وكأنه روح الطبيعة، يكتب على ورق الورد كلمات تضحك الياسمين فيقول: (كم كنت شغوفا لو أكتب على طريقة الثلج مع الأشجار، وعلى طريقة المطر مع الأرض، وأن اتكلم تماما على طريقة الريح في الليالي الشتائية).

إن الكاتب هو فيلسوف زمانه، وكل مبدع يكتب من خلال رؤيته للأشياء، تتحكم به ظروف الزمان والمكان، فنجده فيلسوفا يركب أحصنة المنطق، ويجادل الواقع بحكمة، وتتداخل الرؤى لديه كلما تعمّق في وميض الفكرة.

تتداخل الخيوط مع الوقائع لدى المبدع، فيختلط منطق الحلم بمنطق الواقع، وهنا ومن خلال الدهشة مما حوله تولد لديه الفلسفة. إنها علم التساؤل الأولي عن ميلاد الكون، ومغزى الحياة ومصير البشرية. الأديب الألماني الشهير ( جوته ) دعانا للانفتاح على تاريخ الحضارة البشرية وتمثلها إذ يقول: ( الذي لا يعرف كيف يتعلم من دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة يبقى في العتمة). والمبدع قد يكون بعيدا بعض الشيء عن عوالم الآخرين بصورة عادية طبيعية كما يتراءى للبعض، ولكنه حقيقة أقرب إليهم أكثر من نفوسهم هم.

أصدقاؤه في وحدته تلك، أو في عوالم التوّحد مع المكان والزمان أشياء كثيرة، هذه الأشياء هي التي تجعل منه مبدعا يحترق، يضيء، يزرع روحا في صميم الموت.

إنه زمن الاحتراقات لأجل أن نصل إلى السمو، إلى طهارة الروح وانتصار الرسالة الأدبية، ونهاية لرحلة الصمت، وكسر لقيود عبودية آلهة الشر أعداء حرية التعبير، ثورة للفكر منذ عهد الإغريق ودوران الأرض وكرويتها تحت أقدام غاليلو. وثقافة الاحتراق تجسّدت لدى الشاعر ناظم حكمت لترفعه إلى سمو الألم والأنين والعطاء لأجل نور الأرض والإنسان فيقول: ( إذا أنا لم احترق، وأنت لم تحترق، فمن سيضيء لنا هذه الظلمات).

القلم والمكتبة وأوراق مبعثرة، صفراء وبيضاء، وفكرة تأتي وتذهب وتداعب شواطىء النفس وتطرق الأبواب، هي كل ما يملكه الكاتب في دنيته هذه. إضافة إلى ذلك، هناك ثلاثة أشياء إذا ما توافرت للكاتب بكل شخوصه ( الشاعر- الروائي – القاص – كاتب المقال – الصحفي – الباحث – المفكر… إلخ)، استطاع أن يصل إلى قمة الإبداع وهي: الإحساس بالحياة، وسمّو الروح، وملكة التعبير.

فمن المعلوم أن الأديب الراحل نجيب محفوظ، كان أبدع في الرواية العربية ببساطة الأسلوب ونكهة السرد وشفافية المضمون والفكرة. كل ذلك لسمّو روحه وتعمّقها في حياة الناس البسطاء من الحرافيش وأولاد الحارة، وكانت حياته كلها على المكتب، ولم يكن يرى الدنيا إلا في أيام الخميس والجمعة، كما كان يقول هو.

إن المبدع هو إنسان يحلم ويحب ويحزن، نبع عذب مليء بالأحاسيس، ولا نستغرب حينما نجده يعيش في غربة ومنفى عن كل شيء، سواء إن أراد هو أو أراده الغير، فيجعل كلماته وقصائده وأفكاره تهاجر بعيدا عن الوطن، وقد يوضع من خلف القضبان وحجز حريته لأجل رأي وكلمة حرة وصادقة، هو يصنع الحياة للآخرين، لكنه يغترب ويفني بنفسه عنهم حينما يصطدم بهم، أو يجد أن الأرض تهتز من تحت قدميه، وأن آراءه وإبداعاته قد ذهبت مع الريح، حينها يعلن السفر ويختار منفاه، علّه يطهّر روحه الآثمة.

فالشاعر عبد الوهاب البياتي يأخذنا إلى منفاه فيقول:

( نحن من منفى إلى منفى، ومن باب لباب، نذوي كما تذوي الزنابق في التراب).

الكاتب الذي يصنع الإبداع، هو كالطفل البريء، يحلم، يكتب للطفولة ويتجسّد في روحهم الطاهرة، يتقمّصهم، يسير بقدمه إلى الأمام حتى يقوى عوده، ليحطم بعيونه الوادعة عالم الكبار الملوث، وعليه السير ببراءة نحو غايته الأدبية، دون أن ينهزم أمام صوت الخوف وانكسارات الفكرة أمام هواجس المتلقي الضبابية، التي قد تحطّم كل مرايا الكاتب في لحظة طيش عقلية يطغى عليها الجهل بالثقافة وغايتها!!

يقول لوركا في وصف الشاعر الذي يمضي إلى قصيدته: ( إنه يذهب إلى رحلة صيد ليلية في غابة نائية، عليه أن يتذرّع بالسكينة أمام آلاف المحاسن والمقابح المقنّعة بالحسن، مما سيتراءى أمام عينيه).

المبدعون في الأرض هم لغة منسّية، يصارعون الحياة لأجل حياة أسمى للغير، يمتطون الريح العاتية، الصاخبة في سبيل ترويضها لخدمة البشرية، يجنحون في ظلمة الليل بحثا عن فكرة أو قصيدة أو محبرة، على أمل أن يحّولوا تلك العتمة السوداء إلى نهار مشرق على أغوار النفس الآدمية، فما بين الظلّمة والنّور كلمة.

ويظل الإنسان المبدع الذي يهب روحه ونفسه وقدره وحياته للناس، يسير في رحلة الكتابة كحصان جامح، يحمل على ظهره هموم البشر وأفراحهم، سفينة شراعها أحرف وكلمات وأمل ناري بأن ترسي الأفكار على شواطىء الحلم، علّنا نولد من جديد لنستمر في العطاء والاحتراق لأجل عودة وطن من منفاه، وعناق طيور نفيت من أعشاشها، احتراق لأوراقنا الحزينة، أرواحنا الهائمة في فضاءات الكون لآن تعيد للإنسان إنسانيته المصلوبة، ونصنع من الحب والحزن ملحمة، ونسّطر على المدى إسطورة رجل وامرأة سكن الله روحهما، لأجل هذا هما خلقا لآن يجعلا من فكرة تائهة في دروب العقل، تراتيل عشق للإنسان، وموجة حزن رست على حواف الورق، وعانقت صباحات فجر المعرفة.

هذا هو الكاتب الذي يصنع الإبداع وتحترق روحه النبيلة وأفكاره المقدّسة، كاحتراق فراشات الضوء، برومانسية ساحرة وتضحية ربانية، إنه يحترق كلما رأت أفكاره وأحلامه نور الحياة، وأزهرت في عقول وقلوب البشر.

إنه كالحياة عندما يغضب، والبحر عندما يثور، والنار عندما تضطرم، والنحلة المسكينة عندما تعمل. إنه يعمل ولا يجني عسلا لنفسه؟ بل عسلا يحّلي أذواق القرّاء ويغني سعة معرفتهم.

هو المبدع، سلسلة من الانفعالات الروحية. وهنا يطرق شكسبير العظيم أبوابي ليذكّرني حينما يسأل بولونيوس الأمير هاملت: ماذا يقرأ سيدي؟

فيجيبه هاملت: كلمات.. كلمات.. كلمات. 

صحفي وشاعر- بيروت