الرئيسية » مقالات » هل الشيوعيون العراقيون من طينة خاصة

هل الشيوعيون العراقيون من طينة خاصة

في ذكرى اليوم الاسود المشؤوم يوم 8 شباط الذي اغتيلت فيه ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة وزعيمها الخالد ابن الشعب البار الشهيد عبد الكريم قاسم , على يد عصابات البعث وبمساعدة وبالتنسيق مع السفارة الامريكية في بغداد, عدت بذاكريتي الى اكثر من ثلاثين عاما خلت, لاسترجع تلك الايام المليئة بالتعب والخوف والقلق, لكنها كانت جميلة ملؤها الامل والتفاني والاخلاص لقضية من انبل وارقى القضايا التي يمكن للانسان ان يضحي في حياته من اجلها وهي قضية الدفاع عن الفقراء والمظلومين , تلك الايام التي كنت فيها عضوا في الحزب الشيوعي العراقي. فرغم ملاحقة اجهزة الامن والاستخبارات البعثية , يبدء عملنا بعد انتهاء العمل الوظيفي في دوائر الدولة وحتى اواخر الليل .
كان اشد ما يقلقنا هو عدم الالتزام بتوصيات الحزب , التي تصلنا بأستمرار , كن ايها الرفيق قدوة للاخرين , كن صادقا واميناً , متفانيا في سبيل مصالح الفقراء, كن الافضل بين زملائك في العمل , احترم الناس المحيطين بك كي يحترموك, ضحي في سبيلهم , ساعد من تراه محتاجا للمساعدة , فضل مصلحة الاخرين على مصلحتك .
كنا ننقل هذه التوصيات للاعضاء الجدد , كنا نراقب بعضنا البعض من اجل تنفيذ هذه التوصيات حتى اصبحت جزءاً من حياتنا اليومية.
اتذكر حادثةً طريفة , عندما كنت ادخن ( البايب ) طلبني احد الرفاق للقائه , وعندما التقيته , طلب مني ان اعيره البايب لفترة قصيرة , اعطيته البايب , فوضعه في فمه , وقال لي : ماذا يوحي لك منظري الان , قلت لا شيء سوى انك تضع البايب في فمك, قال: لا انه مظهرا برجوازياً , متعاليا لا يستسيغه الاخرين , خاصة جماهيرنا واصدقائنا الذين معظمهم من الشغيلة والفقراء, عليك ان تقلع عن هذه العادة ايها الرفيق.
لقد وردتنا كثير من الملاحظات حول هذا البايب اللعين , وان اردت الصراحة حول مظهرك بشكل عام , فأنت متأنق اكثر مما ينبغي , هل تعلم ايها الرفيق ان جماهيرنا هم الفقراء والمعدمين والذي اغلبهم لم يرتدي بدلة طول حياته.
حينها لم ترق لي تلك الانتقادات التي كانت جارحة في حينه, لكني نفذت ما طلب مني , وبعد فترة لاحظت ان كثير من الرفاق الذين كانوا ينفروا من لقائي اخذوا بالتقرب مني, وبمرور الايام تغيرت علاقاتي بالجميع.
اتذكر في احد اللقاءات بالمناضل المرحوم زكي خيري , قال ان الشيوعيين العراقيين خلقوا من طينة خاصة, ولما اثار استغرابنا هكذا تصريح ومن شخص بمستوى زكي خيري, اردف قائلا بعد ان لاحظ ردود الافعال, انني لا اقصد انهم فعلا خلقوا مميزين عن باقي البشر , لكني اقول ان من ينتمي للحزب الشيوعي العراقي في هكذا ضروف , هو شخص مميز , ناكرا لذاته, قوي الهمة, رفيع الاخلاق, مترفعا عن الانتهازية وحب الوصول, ذو ضمير حي, والا ما الذي يدفع بالانسان للتضحية بكل شيء من اجل الدفاع عن مصالح الاخرين, حينها فهمنا ماذا كان يقصد المناضل زكي خيري.
وعندما تركت الحزب لأسبابي واسبابهم اخذت اراقب من بعيد اداء الحزب ورفاقه , وخاصة بعد ان ظهر للعلن بعد سقوط نظام 8 شباط الفاشي, وما اورثه للعراقيين والاحزاب التي ورثة التركة البعثية بكل مفاسدها , واضافت لها الكثير, ليس هناك من مفسدة في عراق اليوم الا واصلها بعثي, فالفساد المالي هو تركة بعثية ورثتها الاحزاب السلطة وطورتها, والمحسوبية والمنسوبية هي ظاهرة بعثية عوجاوية ورثتها احزاب السلطة وطورتها وعممتها, وانعدام الشعور بالمسؤولية وفساد الضمير هو خلق بعثي ورثته احزاب السلطة وطورته, العنف والقتل والسرقة والعصابات هي نتيجة منطقية لعسكرة المجتمع خلال خمسة وثلاثون عاما وسياسة التجهيل التي كان يفرضها النظام على العراقيين والتي انتجت اجيالا من الجهلة والاميين نحصد ثمارها الان , فحينما كان الطاغية يقول (( من يحاول ان يأخذ السلطة مني سأترك له العراق خرابأ )) كان يعني ما يقول , فقد ترك خرابا اخلاقيا وفكريا لا نضير له , اكثر مما ترك من خراب اقتصادي.
اقول كنت اراقب ادائكم في هذا الوضع الملتبس الفوضوي الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وضاعت فيه المعايير , ولم تبقى الا معاييركم التي غذيتمونا بها منذ كانا شبابا يافعين.
كم حاولت ان ابرهن ان زكي خيري كان على خطأ لكني وبكل امانة لحد هذه اللحظة قد فشلت. فخلال خمسة سنوات من هذا الفساد المستشري في جسم الدولة وهذا الخراب الاخلاقي والٍقيمي لم نسمع ان شيوعيا فاسدا او ارهابيا او قد قد قصر في اداء واجبه. فهنيئأ لكم والمجد والخلود لشهدائكم البرره الذين ضحوا بحياتهم من اجل العراق وفقراء العراق في مثل هذا اليوم المشؤوم , شكرا لحزبكم لقد علمنا كيف نعيش احرارا وكيف نموت احرارا.