الرئيسية » مقالات » العائم 3

العائم 3

كتابات من رواية عمرها 25 سنة ، تنشر أول مرة

هناك عدة أشكال للقتل ، ولكن الموت واحد ، فما الفرق في أن يعلقوا أو يقتلوا أحياء كانوا يعوا موتهم مرات عدة في اليوم الواحد … وقد سمع البعض ما قيل في داخل إحدى صالات التعذيب ، حيث يرتفع صوت مـا وغير معروف …. هـاتفا ” الموت عندنا لا يعني إنهاء القضية بل هو مبايعة حقيقية لجوهر تلك القضية ، قضية المبادئ الأنسانية ، وموتنا يعني الوفاء لها ، إنهُ مواجهة التـيارالمغرق المهلك والجاعل من الموت لذة أبدية سرمدية لأجل حياة ذات قيمة أنسانية . أنه أصعب بكثيرمن العيش والبقاء أذلاء منكسي الرؤس في الأوحال ، والصعوبة الحقه تكمن هنـا في حد ذاتها ، في كيفية التعامل مع هذا النوع الجديد من الحياة ، إنـنا لن نختار سوى الموت لأجل أن نحيا في القلوب ولكي نخلد في الذاكرة على الدوام ….

بدأوا يشعرون بالأسى الشديد على أنفسهم ، ولكي يبحثوا عن تفسيرات مقنعة ودقيقة وجب عليهم كبـشر أن يأخذوا الواقع بالحسبان قبل كل شيئ ، وبالتالي مصلحة أغلبية الناس وأن لا ينحسر مـا يقدمونه لأقلية مستغِلة وصغيرة وهذا يعني إنهُ عليهم أن يفكروا في الأمرمرتين قبل أختيارالطريق الذي سوف يسلكونه ، بالشكل العام وعلى أن لا يكون طريقاً خاصاً .
أمـعنوا مليا في ذواتهم وتعمقوا في البحث عن رغبات قلبهم … ثم طرقوا الأبواب كلها لكنهم في محصلة الأمر لم يروا سوى المعلقين من رقابهم وقـد تحدوا بأجسادهم كل أشكال القهر…. محطمين كل القيود باختيارهم الخيار الصحيح ، تاركين خلفهم نفايات الماضي اللعين كلها والتي ولى زمانها وأنتهت … ليحل محلها عالم جديـد ….

إنهم بهذه الحالة متأكدين من مصيرهم ؛ ويعلمون أن حتفهم هو الموت وحده وليس غير ، وهم بذلك يقدَمون عليه مرحبين … إنه لدليل ناصع وتعبير كاف عن تقدمية حقـة ولو لفترة زمنية محدودة وإن كانت قصيرة إذاً لابد أن يبحثوا فيما بعد عن أشياء آخرى أكثر تقدمية ومختلفة عن الزمن الماضي ، عليهم تحطيم ذلك بحزم أشد وبقوة وموقف أكثر صلابة هكذا تشابكت وأختلطت الأفكار صراعاً وبسرعة مزدحمة بين من يمرون كالأشباح داخل الذاكرة الحية و لفترات طويلة ولكنها متقطعة ، أمامهم بحر من الحزم الفكرية المرئية والمخفية داخل شاشة الذاكرة العفويه وكلأ ينظر الى الأخرين من الزاوية المناسبة لموقفه . الثوري ، الأنتهازي ، العبثي ، البعثي ، القومي ، الشيوعي والرجعي المهزوز المتخاذل والمغدور والمسلوب أوالمسروق …. كثيرون متنوعون هذه الأيام ولعله يكـُشف آخرون غيرهم مستقبلأ . مع ذلك كانت الأفكار الرافضة تتلاطم في بحر الفقراء والجائعين المنتظرين الى مـا لا نهاية ، نهاية مضطهديهم … وليس أمامهم خيار سوى الأندهاش من أولائك الصامدون، حيث كان لكل خيال و صورة لشخص ، تمرأمامهم في ذلك الشريط غيرالمرئي أثراً شديد واقع على نفوسهم وهم يعلمون بأنه سيأتي الوقت ليحل ،،، غيرهم محلهم ، أو يتبادلوا الأماكن. أوعله بعد وقت قصير و بعد أن يخفق الجلادين من ثني عزيمة المعلقين والمحتضرين ….كانوا قد احتضنوا الموت بأبهة وحفاوة وكثيراً من الإقدام بتلك الاضواء والحكمة كانوا يسيرون نحوالمستقبل بخطى واثقة . حيث كان ليصبح هؤلاء المعدمون والمقتولون الأمل والضوء القادم والنجمة المسافرة الى الخلود ، أصبحوا الفكرة الجهادية والراية النضالية لأجل المستقبل والنور القادم في النفق المظلم ، كانوا البعض منهم يذهب بعيداً عن أحاسيسهم ومشاعرهم و بأرادتهم الصلبة وقوتهم الحديدية المتحدية حتـى أقسى أنواع الموت .

أصبح موتهم خطاباً مؤثراً ، كلمات لها معان أنسانية نزلت كألهام سماوي و دروس تعليمية أولى كالتي يتناولها الأطفال بتلهف أيام جلوسهم إلى مقاعدهم الدراسية للمرة الأولى !!! ها قد أصبحوا الرمز ، وأصبحت كلماتهم المرصوصة بحكمة وعناية والخارجة بصدق وثقة عالية بالنفس ، أصبحت رصاصات موجهة في وجه أنظمة القتل المتعاقبة والسائرة في فلكهم . حيث يتضح جليا ً في كل مكان وفي كل حين … وفي كل شبراً من الوطن تخرج أصابع أتهام موجهة للأنظمة المهترئة والزائلة لا محالة ، كانوا لا يتوانون في أن يفسروا ويشرحوا للمعتقلين جميعاً على الرغم من الخسائر ، فهذا كان يعني الثمن لديهم …. وهي الطريقة الأكثر صواباً لمن يبتغي التغير عليه أن يدفع الثمن ، و البديل لن يكون سوى أجساد وأرواح ….. مزهقة يمدونها جسوراً لأجل أن لا ينقطع المرور على الطريق ، لمن سيكمل المسيرة بعدهم ، هكذا كانو يعملون هناك ويحلمون ، مؤمنين كانوا بأن المعلمين هم شموع تحترق لتنير الدروب أمام الأخريين .
سهل جداً …. عند بعضهم الكلام ، كأنهم يعرفونه مسبقاً سلساً صريحاً نابعاً من قلبهم بصدق ، يتعاملون معهم بكل دفْ ، يقتربون من القلوب بسهوله ويدخلونها من دون آذن كالمحبين عند أول لقاء ، يحّسدون على ذلك حتى أنهم كانوا يبحثون عن أشلاء أرواحهم المبعثرة بين ضحايا الحياة العسيرة وخباياها الغامضة ، كانت تلك الأجساد ملقاة وممدده بين قضبان الحديد وتحت رحمة أياد ملوثة بالدماء …. دماء أبرياء من أمثالهم . ورغم كل شيئ فهم يعطون في موتهم إشارة وصرخة تقلق راحة الجلاديين وتقض مضاجعهم بل تخيفهم حتى القشعريرة ، فيهربون ليبحثوا عن جحور يخفون بها جلودهم وسمومهم القاتلة .