الرئيسية » مقالات » كربلائيات 3

كربلائيات 3

المغترب لعقود عند عودته للوطن ورغم مايسمعه ويشاهده على الفضائيات ومواقع الأنترنت عن الحياة في العراق لآبد أن يتفاجأ بالأوضاع المأساوية التي يعيشها شعبنا. الحديث عن هذه الأوضاع ذو شجون ومتشعب وقصصه لاتنتهي بفضل مجالس محافظاتنا ونوابنا وحكومتنا الطائفية التي تسير الأمور وتدير شؤون البلاد.
من الأمور التي تثير ألأعصاب تنظيم السير في كربلاء وخاصة في الطرق المزدحمة والرئيسية، والمدن الأخرى لا تختلف عن مدينة كربلاء. غلق الطرق وكثرة السيطرات في مداخل المدينة ومنع السيارات من دخول مركز المدينة يؤدي الى الكثير من الأختناقات في العديد من الطرق الرئيسية. أضف الى ذلك السياقة المتهورة والمستهترة لمعظم سائقي السيارات والدراجات البخارية. أما أصحاب العربات فلهم مهمتهم في عرقلة السير وقطع الطرق حسبما يرتؤن متجاوزين بذلك كل قوانين السير وكأنهم ملوك الشارع. وفي بعض المدن التي يتواجد فيها أحباب العراق (الأمريكان بجيشهم) فأن الأقتراب من مركباتهم أقل من مئة متر يعني الكارثة والموت المحقق لمن أقترب، وأذا كان خلفك رتلا أمريكيا ولم تنتبه له بسبب الأزدحام والهموم ألتي تصاحبك يوميا ولم تزح عن طريقه فسيكون مصيرك ومصير سيارتك النفي من الوجود بطريقة وحشية تتماشى وأساليب الكاوبوي! وهذا ماكاد يحدث لسيارة الكيا التي كنت أحد ركابها وهي متوجهة من الزعفرانية الى باب الشرقي في بغداد، وفجأت ضج الركاب بالصراخ طالبين من السائق بالأنحراف عن الطريق للسماح برتل أمريكي مستهتر بمصائر العراقيين، لم يكن سائقنا منتبها للرتل بسبب ضجيج حركة السير في طريق مزدحم تتسابق فيه السيارات دون نظام، ونجح السائق في اللحظات الأخيرة من الأنحراف الى يمين الطريق وهكذا أنقذ نفسه وأنقذنا من أستهتار (محررينا) من الطاغية صدام لنصبح تحت رحمة دباباتهم! وما يزيد الطين بلة فشل (أو حتى جهل) شرطة المرور في تنظيم السير، لأن معظمهم حصل على وظيفته لا لخبرته وأنما لدفعه رشوة من مئاة الدولارات للمتنفذين في أدارة المحافظة أو لأنتمائه لأحدى المليشيات الطائفية. أما شرطة مدينة كربلاء لاتلحظ منهم أي دور في تنظيم السير سوى صوت شرطة مرورها المزعج والمتكرر عبر المكبرات المحمولة في سياراتهم او دراجاتهم البخارية وهي تحث السيارات للأسراع في طريق تزدحم فيه وسائط النقل وتختنق فيه الحركة، بينما تسمع صوت أنذار سيارات الشرطة ودراجاتهم البخارية وهي تتقدم سيارات المسؤولين لتفسح لهم المجال في السير. اما المواطنون فيعانون من ضجيج السيارات وتسابق سواقها في أطلاق زماراتها مع زمارات أنذار سيارات الشرطة ومكبراتهم وكل هذه الأصوات تتعانق مع صوت مكبرات الجوامع والمحلات وحتى البيوت وهي تكرر دون كلل أو أي أعتبار لراحة المواطن لأهازيج وخطب حسينية يرى البعض أنها تعويضا عن حرمان سابق، ولا أعتقد أن هناك من يهتم لسماعها أو يستوعب معانيها وسط هذا الخليط من الضجيج المقرف والمسبب لصداع مؤلم. بعض شرطة المرور تراقب في النجف إلتزام السائق بأستعمال حزام الأمان وتغرم المخالفين ، وهذا جيد لو أهتمت الشرطة بما هو أهم كتنظيم السير وفق أحدث المدارس المرورية ومراقبة أجازات السوق ومعاقبة من لايحمل أجازة سوق (وهؤلاء اكثر من حاملي الأجازات النظامية) وخاصة بعض الشباب المستهتر أو تدقيق الأوراق الثبوتية للسيارات وصلاحية وأمان سيرها في الطرقات. السائقون معظمهم تنقصه ثقافة المرور، ويمكن القول أن ثقافتهم ووعيهم المروري يساوي الصفر. فنادرا ماتجد سائقا يبطء من سيره ويسمح لك بهدوء وأمان لعبور الشارع لآ بل أن الكثير منهم يسرع من سيارته عندما تخطو خطواتك الأولى لعبور الشارع وكأنه يستهدفك، هذا مارأيته في كربلاء وأعتقد بقية المدن لاتختلف.
أسعفني الحظ في النجف لأقف مع أبن خالتي (سائق تاكسي) في طابور السيارات للحصول على البانزين. فكان عليه أن يلف لفة طويلة بمحاذاة بحر النجف حتى يصل الى أحدى مقابرها حيث نهاية الطابور لنقف لأكثر من ساعتين من أجل أن يملأ خزان التاكسي بالبانزين. أستحمد ربه لأن الأنتظار لم يدم طويلا، فقد أخبرني كيف كان يضطر أحيانا أن يقضي الليل وسط المقبرة نائما في سيارته بالرغم من البرد الشديد، وكيف كانت تترأى له الأشباح في نومه وسط المقبرة الكئيبة من أجل الحصول على البانزين.
تساءلت مع نفسي ومع الكثيرين، هل أن الدولة بأمكانياتها المالية الضخمة وبكثرة مستشاريها وخبرائها الموزعين على رئاسة الجمهورية والوزراء وتتجاوز أعدادهم المئاة من أن تضع حدا لهذا الهرج في السيارات التي تفتقد للأوصول القانونية؟ ألا يمكن هذه الدولة بعد أربعة سنوات من السقوط من شراء برنامج متطور يعتمد على الحاسبات الألكترونية من الدول المتقدمة لتسجيل السيارات وضبط حركتها؟ هل فعلا لايوجد بكل دولتنا بدءً من أعلى سلطة فيها وحتى أبسط شرطي مرور من يفكر بطريقة حضارية مستفيدا من تجارب الدول المتقدمة في كيفية تسجيل السيارات وأجازات السياقة للسيطرة على تهور السائقين والتخفيف من حركة التهريب والتفخيخ؟ أم أن هناك مستفيدين من كل هذا الهرج في الحياة العامة وسير المركبات؟ أسئلة موجه الى السلطة التشريعية والتنفيذية، فهل يقرؤن ماينشر على المواقع أم هم مبدعون فقط في الضهور على شاشات التلفاز ليبرروا كل فشلهم ويعلقوه على شماعة الأرهاب.
في الأيام التي يصل فيها الغاز لتوزيعه على المواطنين، يخرج الناس شيوخا وشبابا نساء وأطفالا كل واحد منهم يدفع بقنانيه الفارغة وسط الأمطار والبرد القارص شتاءً وتحت أشعة الشمس الحارقة صيفا، والجميع يتدافع وضجيج القناني يختلط مع صياح وعراك المواطنين من أجل أحتلال موقع قريب من الموزع، وماهي إلا ساعات حتى يصطف طابور طويل قد يتجاوز المئتين، الجميع ينتظرون ساعة الرحمة لتبديل قنانيهم الفارغة بقناني أخرى قد تكون نصف فارغة أو معطوبة وغير صالحة للأستعمال. في نفس اليوم الذي صدمت فيه بمشاهدة هذا الطابور من المواطنين على الغاز أنعمتني الفضائية الشرقية بحوار مع وزير النفط عالم الذرة الدكتور حسين الشهرستاني بسخريته من المحاورة عندما سألته عن أزمة الغاز وعدم توفره إلا بالمشقة وان سعر القنينة بالسوق التجارية يصل أحيانا الى أكثر من 15 الف دينار، وقد ردّ على أستفسارها ساخرا ومتسائلا هل أنت في العراق، ألم تلمسي توفر الغاز!؟ والواضح أن الوزير المحترم هو نفسه لايعيش في العراق، أنه يعيش في محمية أمريكية في دولة المنطقة الخضراء الفدرالية كما تمنى وأقترح قبل أيام شيخ معمم فدرالي حتى النخاع ، حيث يتوفر في المنطقة الخضراء الغاز والكهرباء والماء وكل المتطلبات الضرورية وغير الضرورية. هذا الشيخ كغيره من الشيوخ الموضعين والمنافقين، سأله أحدهم ياشيخنا أنك تطالب بالفدرالية في كل خطبك ومتحمس لها ولاتعتبرها مفهوما غربياً بينما تتنكر للديمقراطية وتعتبرها مفهوما مستوردا ويتناقض مع الشريعة فكيف لنا أن نفهم طروحاتكم، فما كان رده إلا أن يستغفر الله ويدعوه للهداية والتمسك بدين الله وعدم الأنخداع بالمفاهيم الغربية، فالفدرالية مفهوم طبقه الأسلام من خلال الحكم العثماني!
الخدمات في كربلاء متدنية جدا جدا. الماء يحصل عليه الكربلائيون بالقطارة وإذا رحمت السلطات المحلية أبناؤها بتوفير الماء فهذه الرحمة لاتتجاوز ساعتين أوثلاثة يتخللها أنقطاع يساويها أو يزيد عنها بالزمن. وحتى عندما يحصل الأهالي على الماء فيكون ضعيف ولا يصل للخزانات في الطابق العلوي إلا لمن أستعان بماطور كهربائي لضخ الماء لكن المشكلة أن الماء يصل للبيوت عندما ينقطع التيار الكهربائي، فهل هذا ناجم عن تنسيق بين هذه الخدمات البلدية أم أنها مجرد صدف أنعم مجلس المحافظة بها على ناخبيه!! الناس تتندر على شحة المياه في البيوت، وبعضهم أطلق نكاته وسخريته أيام عاشوراء حيث مأساة بطل معركة الطف الحسين (ع) وحرمانه وأصحابه وجميع أهله من الماء وتعريضهم للعطش من قبل جيش أبن سعد، الناس تسخر من ألأدعياء (ممن يدعون حبهم للحسين) والمتسلطين على أدارة المدينة بحكم أنتخابهم لأدارة مجلس المحافظة وفشلهم في تزويد المدينة بالماء وجعل مدينة سيد الشهداء تشكو ندرة وقلة الماء، وكأن لسان حالهم يقول أذكروا عطش الحسين (ع) وألعنوا يزيد وكل مسبب ومساهم في شحة المياه في أيامنا الحاضرة! لعن الله الأدعياء من المتباكين نفاقا وكذباً على الحسين وأهله وصحبه (عليهم السلام جميعاً).
أثارت تصريحات بعض المسؤولين الحكوميين حول نية الحكومة لإلغاء البطاقة التموينية أستياء أبناء الشعب في كربلاء وبقية المدن العراقية، حتى أن موكب عزاء محلة العباسية الشهير في كربلاء تناول هذا الموضوع في مسيرة موكبه الحسيني ايام عاشوراء، مردداً وصارخا مخاطبا الحسين أبا عبد الله شهيد الحق والثورة ضد الظلم والفساد لينجده ويقف الى جانبه ضد المفسدين من الحكم الحالي الذين يتلاعبون بقوت الشعب. فخرجت جماهير العباسية بموكبها الجبار وآلاف الحناجر تهتف بأهزوجاتها ذات الطابع واللحن الحسيني تنتقد موقف قيادات الدولة من مسألة البطاقة التموينية، وقد أستقبلت جماهير كربلاء المحتشدة على جانبي الطرقات رغم البرد القارص عزاء العباسية وهو يعبر عن همومها بكل شجاعة، وهي تستمع بأرتياح لأهازيج موكب محلة العباسية الحسيني متناولا موضوع البطاقة التموينية، كأهزوجته:
لاتحاول أبد تلغي البطاقة
ويه الشعب لتخرب العلاقة
الحصة للشعب قوت
تقبل شعبك يموت
هل سيبقى دولة رئيس الوزراء نوري المالكي على علاقة طيبة مع شعبه ويبقى الى جانب الفقراء وهم أكثرية الشعب وفي تزايد، أم أنه سيغامر ليطيب العلاقة مع البنك الدولي وينصاع لشروطه، وليذهب شعبه للجحيم!
وفي أهزوجة أخرى يسخر موكب العباسية من البرلمان بسبب أندفاع النواب لسنتين للذهاب لبيت الله الحرام مع حاشيتهم وحراسهم الأمنيين ضاربين عرض الحائط مطالبة المرجعية بالأهتمام بإيجاد حلول لهموم الناس بدل الحج، وهم بذلك كشفوا للشعب عدم حرصهم وأخلاصهم وأنانيتهم الممقوتة وكذبهم في محاولتهم تقديس المراجع وهدفهم المراوغ من تثبيت ذلك في الدستور، فيهدر صوت الموكب مندداً بالمسؤولين من نواب:
يابرلمان الحجاج
اسمع صوت الاحتجاج
لحكتونه على التموينيه
شنهو القصه وشنهو النيه
ماعدنا غيرك يحسين
لقد حاول الحزب الشيوعي وقوى وطنية أخرى هدفها الدفاع عن حقوق الشعب، فطالبت المسؤولين في كربلاء بمنحهم أجازة لمسيرة شعبية للتعبير عن رغبة أبناء الشعب في التمسك بأستمرار العمل بالبطاقة التموينية وتحسين نوعية مفرداتها وزيادتها. وجاء الرد من السلطات الأدارية برفض المسيرة بحجة الذريعة الأمنية، وهذا أدعاء كاذب لأن السلطات الأمنية نجحت في توفير الأمن خلال المسيرات الحسينية بمناسبة عاشوراء وهي مسيرات مليونية ويومية ولا تقارن مع مسيرة جماهيرية تتناول مطلبا معيشياً وبأمكان السلطات أن رغبت بتوفر الأمن خلال المسيرة الجماهيرية. أن منع السلطات الحكومية للمسيرة الشعبية هو الخوف من سماع صوت الشعب وهو يهتف بوعي بدأ ينتشر بين أبناء الشعب ويكشف له حقائق الفساد الحكومي والأستهتار بمقدراته. لأن مثل هذه المسيرات المطلبية تعري القوى المسيطرة على قيادة البلد أمام شعبها وتكشف زيفها وتنكرها لمصالح ناخبيها، وتفضح أدعائها المزعوم بأنها جاءت على أنقاض النظام المقبور لتصحيح الأوضاع المعاشية والأجتماعية للشعب بينما الواقع كشف عكس ذلك حيث وزعت المناصب وتقاسمت نهب ثروات الشعب، فالأنجازات الأدارية والخدمية والأعمارية لاتتناسب وماخصص من ميزانية الدولة خلال السنوات التي أعقبت السقوط ولا مع كمية النفط الخام المستخرج بأسعاره الآخذة بالأرتفاع. وهذا مادفع بموكب العباسية بالقول بأهزوجته الحسينية نيابة عن الشعب:
خير بلادنا بس للحرامية
لنهب الشعب عقدوها للنية
كلشي ماحصل منهم
خير وصار بس الهم
ميموت الشعب وحسين أبد ميموت 


السويد/ كربلاء- العباسية الشرقية
2008-02-07