الرئيسية » مقالات » متى يكف بعض المسؤولين العراقيين عن التستر على إنتهاكات حكام إيران ؟

متى يكف بعض المسؤولين العراقيين عن التستر على إنتهاكات حكام إيران ؟

إن أكثر ما يثير الاستغراب في حال العراق اليوم هو هذا التضارب الصارخ في تصريحات بعض المسؤولين العراقيين، وولعهم في الظهور أمام شاشات التلفزيون أو مراسلي الصحف ووكالات الأنباء. أعتقد أن لدينا الآن ناطق بإسم الحكومة العراقية، وهو الذي تقع على عاتقه مهمة نقل الموقف الرسمي العراقي النهائي في أكثر الأمور حساسية لكي تتضح الحقيقة دون تأويل أو تكذيب. ولكن للأسف لا تجري الأمور عندنا على هذه الشاكلة المتحضرة، بل على شاكلة أخرى ضارة.
في الإسبوع الماضي أعلنت وزارة الخارجية العراقية على لسان وكيل وزير الخارجية السيد محمد الحاج حمود أن وزارة الخارجية العراقية سلّمت إلى الحكومة الإيرانية عن طريق سفارتها في بغداد مذكرة من وزارة النفط العراقية بشأن تجاوزات إيرانية على الحقول النفطية المشتركة بين العراق وإيران. فيما أعلن نائب رئيس هيئة النزاهة موسى فرج في تصريحات صحافية، أن تقارير عراقية وثّقت تجاوزات إيرانية على الآبار العراقية بالحفر المائل، وتجاوز الحدود والاستيلاء على الآبار النفطية بعد طرد الكوادر الهندسية العراقية والعاملين فيها.
وفي تطور لاحق، قال المتحدث بأسم الخارجية الإيرانية:”إن إيران مستعدة لمناقشة موضوع الحقول النفطية على الحدود بين إيران والعراق، على أساس المادة الخامسة من البروتوكول المتعلق بوضع العلامات الحدودية البرية بين إيران والعراق، والمؤرخ في 13 يونيو (حزيران) 1975.”؛ أي أنه لم ينف عملياً النشاط والتجاوزات النفطية الإيرانية على الحدود المشتركة.
ولكن ما أن مرت بضعة ساعات حتى انبرى السيد موفق الربيعي مستشار الأمن الوطني العراقي في الخامس من شباط هذا العام وسارع إلى إبلاغ الصحفيين معلناً: ” انه لا يوجد دليل على قيام إيران باستغلال آبار نفط عراقية، ودعا إلى التدقيق في المعلومات التي تتحدث عن ذلك”. وقال الربيعي في مؤتمر عقده في النجف عقب لقائه السيد علي السيستاني :أنه «لا يوجد دليل ولا معلومات عن استغلال إيران لخمس عشرة بئراً، المفروض التدقيق في المعلومات».!!!. إذن هذا التصيح ينطوي على تقاطع مخل مع موقف وزارة الخارجية العراقية، بإعتبارها هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن هذا الملف وليس السيد موفق الربيعي الذي لا يعمل إلاّ مستشاراً وليس مسؤولاً عن مثل هذه الملفات.
تصريح السيد موفق الربيعي يعتبر خطيراً، بل ويتناقض مع مسؤوليته المعنوية والأخلاقية كمدافع ومؤتمن على أمن العراق الوطني وحقوقه. إن هذا التصريح يعبر عن عدم الايفاء بالقسم الذي أداه المستشار أمام مجلس النواب العراقي أثناء تنصيبه. فالمستشار لم يستشر رئاسة الوزراء العراقية، التي كما هو معلوم لابد وأن أوعزت إلى وزارة الخارجية بتقديم المذكرة العراقية إلى حكام إيران بناء على معلومات قدمتها وزارة النفط العراقية كما ورد في تصريح وزير الخارجية العراقية. فكلتا الوزارتين العراقيتين لا يمكنهما أن تتحركا في قضية حساسة تمس العلاقة مع دولة مجاورة دون علم رئيس الوزراء المسؤول الأول حسب الدستور عن ضمان مصالح العراق وأمنه. كما إن مستشارنا في تصريحه هذا بدا أكثر مَلَكية من الملك نفسه، وأكثر انحيازاً لحكام إيران من المسؤولين الإيرانيين أنفسهم. فالمسؤولون الإيرانيون لا ينفون نشاطهم النفطي على الحدود بين البلدين كما ورد في التصريح المنشور في هذه المقالة.
إن تدخل حكام إيران في الشؤون الداخلية للعراق والحاق الضرر بمصالحه لا يمكن التستر عليه، فهو باد للعيان وحديث القاصي والداني وبضمنهم بعض المسؤولين العراقيين، مما يستدعي فضحه وتسليط الضوء عليه كي نجنب العراقيين الأذى والدمار. فحكام إيران لا ينفون تدخلهم بل يؤكدونه بين الحين والآخر. فتصريحات السيد علي خامنئي المتكررة حول الشأن العراقي وفرضه على العراقيين كيفية التعامل مع مفردات الوضع الشائك في العراق هو مثل بارز على تدخل أعلى منصب في الدولة الإيرانية في الشأن العراقي. ولا يخفى على العراقيين التصريحات المتكررة لرئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حول إستعداده لملأ الفراغ الأمني في العراق إذا ما خرجت القوات المتعددة الجنسيات من العراق. ولعل أبرز مثل على هذا التدخل الصارخ هو تدخل حكام إيران كطرف ثالث مع الجانب الأمريكي والعراقي في مناقشة الوضع الأمني في العراق بعد الاتهامات المتكررة لهؤلاء الحكام في إرسال الأسلحة وتسريب المخربين وتدريب الميليشيات ونهب النفط من المناطق الجنوبية العراقية والقصف المتكرر للأراضي العراقي في إقليم كردستان العراق. وهو اعتراف ضمني بالتدخل. أما فيما يتعلق بنهب الآبار النفطية العراقية والتي ينفيها مستشارنا المحترم، فهو أمر ليس بالجديد. ففي عهد الشاه وبعد الاكتشافات الكبيرة التي تمت في محافظة ميسان وفي جزيرة مجنون ومناطق الأهوار بالذات، ازداد نشاط السلطات الإيرانية وبادرت إلى القيام بحفر “آبار مائلة” كي تصل إلى المكامن النفطية العراقية وتشفط النفط العراقي، تماماً على غرار ما أقدمت عليه جارتنا الأخرى الكويت في شفط المناطق النفطية في حقل الرميلة على الحدود العراقية الكويتية بعد غزو صدام للكويت. وقد توقف هذا النشاط أثناء الحرب العراقية الإيرانيةإإلاّ أنه عاد فتصاعد بعد إنهيار النظام السابق. وتسابقت أطراف دينية عراقية متطرفة على تقديم خدماتها إلى الجانب الإيراني سواء لإعانته على التدخل أو التسترعلى نهبه لموارد العراق مستفيدة من الفوضى الأمنية وعدم سيطرة الدولة على مناطق واسعة من البلاد.
إنها ليست المرة الأولى التي ينبري فيها أحد المسؤولين العراقيين إلى نفي التدخل الإيراني أو الدفاع عن حقوق لإيران على حساب العراق، مما يثير ظلال الشك على مدى حرص هذه الشخصيات على مصالح العراق والعراقيين. فالبعض طالب بأن تدفع التعويضات إلى إيران جراء غزو صدام حسين إيران في عام 1980، في حين يعرف القاصي والداني أن هذا الحرب العبثية يتحملها الطرفان المتطرفان. فعلى الرغم من أن البادئ بالحرب كان صدام حسين الذي رفع شعار “الطريق إلى القدس عبر عبادان”، وهو ما أدانه العراقيون بغالبيتهم الساحقة، إلا أن إستمرار الحرب ولمدة ثماني سنوات مدمرة جاء هو الآخر نتيجة لرفع حكام إيران لشعار مشابه وهو”الطريق إلى القدس عبركربلاء”، مما أوقع الخسائر الفضيعة بكلا الشعبين الجارين العراقي والإيراني، كما أذكىموجة عاتية من الإرهاب والإبادة الجماعية لمناضلين إيرانيين عارضوا استمرار هذه الحرب المدمرة. إن من حق أي عراقي ممن لجأ إلى دول الجوار وخاصة إيران وسوريا هرباً من طغيان الحكم المنهار السابق، بل من واجبه أن يعبر عن الإمتنان لموقف هاتين الدولتين في تلك الأيام العصيبة. ولكن ليس من حق أي عراقي مسؤول وغير مسؤول أن يتستر على ما تقوم به هذه الأطراف من عرقلة للعملية السياسية واثارة الفوضى والدمار والقتل وتشجيع التطرف والعنف في بلادنا بعد أن زال كابوس الحكم السابق. فالخريطة السياسية تبدلت، وراح كل طرف يبحث عن مصالحه وتضاربت مصالح العراقيين مع أوليات السياسة في هذه البلدان التي لجأ إليها العراقيون في فترة الطغيان السابقة. ينبغي على المسؤولين العراقيين أن يبصّروا هذه الأطراف على أنهم يقفون في مواجهة غالبية العراقيين وبالضد من مصالح العراق ، وليس التستر على مواقفهم أو نفي تدخلهم كما قام به بعض المسؤولين عند تطرقهم إلى الموقف الإيراني، أو كما يقف آخرون في الطرف المقابل عندما يمدون الجسور مع قتلة العراقيين من أمثال مجاهدي خلق ويشاركون في مهرجاناتهم المفتعلة بذريعة معارضتهم للحكم في إيران.
كما يجب أن لا يقع في الخطأ بعض السياسيين العراقيين ممن يعتقدون إن الامتداد المذهبي ووشائج المعتقدات المذهبية هي التي تحكم العلاقات بين حكام البلدين. لا شك أن هذه الوشائج هي عميقة بين الشعبين، وليس هناك من يعكر صفوها. إلا أن حكام إيران سواء في عهد الشاه أو في العهد اللاحق لم يكونوا حريصين على مصالح العراقيين، ولم تحكمها الوشائج الدينية والمذهبية، بل أنهم كانوا في تناقض صارخ مع هذه المصالح. فالشاه كان رأس الرمح ضد ثورة تموز عام 1958، وكان من عمل على نجاح انقلاب 8 شباط والاطاحة بالحكم الوطني. كما وقف الحكام الإيرانيين الحاليين ضد ما نجم من أوضاع جديدة بعد الإطاحة بالحكم السابق، رغم ماجناه الإقتصاد الإيراني من إنتعاش في هذه الفترة بسبب تضاعف الصادرات الإيرانية إلى السوق العراقي، وأثره الايجابي على توفير فرص جديدة للعاطلين عن العمل في إيران*. إن من يضطهد شعبه لا يمكن أن يناصر شعباً آخراً حتى وإن شاركه في العقيدة والمذهب، وهذه المعادلة تنطبق على حكام إيران الحاليين والسابقين على حد سواء.
بالطبع ليس المطلوب ولا يجب أن يفهم إننا ندعو إلى رفع السلاح ونلجأ إلى لغة السيف لحل المشاكل المعلقة مع دول الجوار العراقي. علينا أن نتفادى حالة التوتر المضرة بشعوب المنطقة. لقد جربنا هذا السلاح المدمر وعاد على العراقيين بدمار بلدهم قبل أن يدمروا الآخرين. ولكن ينبغي إتباع دبلوماسية نشطة سلمية هادئة لحل المشاكل ضمن الأقنية الدبلوماسية والتحدث بصراحة مع دول الجوار دون أن نتستر على نشاطاتهم الضارة بالعراق والعراقيين. وهذا هو المطلوب من السيد موفق الربيعي الذي زار بلدان عديدة، وحمل الدلائل لتبصيرها من مغبة التفريط بأمن العراق والسماح للمتطرفين في عبور حدودنا بالذرائع المعروفة، فهو ليس ببعيد عن الإتهامات والأدلة الموجودة لدى الحكومة العراقية حول ضلوع أطراف متطرفة في إيران للتأثير على مسار الأحداث في بلادنا. كفى تستراً على من يجلب لنا الدمار أو نفي ما يجلبوه من أذى لنا، وعلينا توحيد تصريحاتنا وكلمتنا كي يفهمنا الصديق والعدو على حد سواء. كما ينبغي الابتعاد عن مثل هذه التصريحات التي توحي وكأن البعض تحولوا إلى وكلاء دفاع لقوى إقليمية، والتي تؤثر سلباً على الأجواء العراقية المحتقنة والملتبسة أصلاً.
6/2/2008



الميزان التجاري بين العراق وإيران


ألف دولار


































































السنة


الصادرات


الواردات


الميزان التجاري


حجم التبادل

 

29858


22969


6889 –


52827


1999


98489


41411


57078+


139900


2000


101562


31087


70475+


142649


2001


145165


22698


122467+


167863


2002


17714


18072


199642+


235786


2003


588474


95798


492676+


684272


2004


670360


21639


648721+


691999


2005


1036000


5600


1030400+


1041600


2006-9 أشهر


893244


18916


874328+


912160



المصدر: منظمة توسيع التجارة الإيرانية