الرئيسية » مقالات » جرائم الثامن من شباط تلاحق البعثفاشية وأعوانها

جرائم الثامن من شباط تلاحق البعثفاشية وأعوانها

التاريخ يُمهل ولا يهمل. هذا القانون الطبيعي لا تفلت منه العصابات التي نفذت في العراق جرائم الثامن من شباط الأسود عام 1963 .الجرائم التي إرتكبها المتهورون من الزمر الدنيئة التي تآمرت على ثورة تموز المجيدة , لا يمكن أن تُغلق عليها سجلات النسيان ولا يشملها مبدأ المصالحة وليس لها أي موقع في مبدأ التسامح وغض النظر ولا يجوز بأي حال من ألأحوال أن ترتبط بمفهوم العفو , وذلك لسبب بسيط جدآ وهو أن هذه المفاهيم إنسانية المحتوى والبعثفاشية همجية التكوين , ولأن هذه المفاهيم ترتبط بالشرف والأخلاق والبعثفاشية خالية من هذا وذاك خلو الجنة من الشياطين , ولأن التعامل بهذه المبادئ يجري مع مَن يحترم المبادئ والمواثيق , وعصابات البعث لم يُعرف عنها خلال كل تاريخها ألأسود أنها إلتزمت بميثاق أو إحترمت حتى ما قطعته على نفسها من عهود بين مجرميها أنفسهم . جرائم البعثفاشية التي إرتكبتها في الثامن من شباط عام 1963 لم تكن وليدة ردة فعل لأُناس يخرجون عن طورهم أحيانآ فيتصرفون تصرفات يندمون عليها بعدئذ….لا لم يكن ذلك على هذا المستوى أبدآ . لقد كانت هذه الجرائم مخطط لها بشكل فريد من نوعه , حتى لا تكاد تجد المثيل لها لدى أية مجموعة من الوحوش الشرسة القاسية . إذ أن مثل هذه الوحوش تكتفي بما يشبع جوعها ولا تقتل رغبة في القتل . ووحوش البعثفاشية أثبتت في ذلك اليوم والأيام والأشهر والسنين التي تلته أنها تقتل لأن القتل يسري في عروقها وهو جزء من طباعها , صاغ أفكارها ورسم طريقها حتى أصبحت لا تعرف نفسها بدونه ولا إرادة لها بغيره . جرائم البعثفاشية التي مارستها قبل خمسة وأربعين عامآ أرادت بها أن تُنهي ما سولت لها عقولها المتخلفة وافكارها الأكثر إنحطاطآ وتخلفآ بأنها قادرة على إنهاءه . أرادت أن تنهي التاريخ النضالي البطولي للشعب العراقي فاستهدفت رأس الرمح في هذا النضال الذي وُلد وشب وترعرع وانطلق من صرائف الفلاحين المعوزين ومن مساطر ومعامل العمال الكادحين ومن مدارس وجامعات المتعلمين ومن مكاتب المثقفين الوطنيين التقدميين ومن أسواق الباعة الثابتين منهم والمتجولين ومن كسبة قوتهم اليومي من عرق الجبين , من الفسيفساء العراقي بكل طوائفه وأديانه وقومياته , من شماله وجنوبه ومن شرقه وغربه . رأس الرمح الصلب هذا الذي إستعصى على جلاوزة من سبقوا ألبعثفاشية بمثل هذه المحاولات التي أدت بهم إلى الخذلان والدمار , تمامآ كما أدت بمجرمي البعث بالخذلان والدمار بعدئذ . راس الرمح هذا الذي جمع حوله كل من أراد أن يكون للوطن مساحة في فكره وحياته وعلاقاته وتصرفاته . الوطن وحريته والشعب وسعادته , شعاران إرتبطا برأس الرمح هذا الذي ما أرادهما له بذاته فقط , وما إحتكرهما لنفسه قط , بل جعلهما شعار كل الوطن ومحبي الوطن والساعين إلى الوطن مهما طال الدرب ومهما صعبت المسافات ومهما يأتي به أي سفر طويل على أرض هذا الوطن وفي سبيله . فلا غرابة إذن أن تكون كل هذه القوى الخيرة مستهدَفةً من القوى البعثفاشية الشريرة الباغية الحاقدة التي سلكت غير ذاك الطريق الذي سلكه أبناء وبنات هذا الوطن , حتى إنقضّت عليهم بتلك الوحشية والهمجية التي قامت عليها منذ ولادتها الكسيحة في صالات البذخ والمجون والجهل والشوفينية والحقد ألأعمى على كل من لا ترى فيه صورة منها . لقد إستهدفت الحزب الشيوعي العراقي كمنطلق لتعميم ما خططت له بالقضاء على روح النضال الوطني التقدمي للشعب العراقي بمجموعه . كسر رأس الرمح أولآ والتخلص من هذه الواجهة النضالية الصلبة لتأتي بعدئذ على الرمح كله . لتأتي على القوى الوطنية المناضلة من التقدميين المستقلين ومن المناضلين الرافضين للهمجية البعثفاشية العارفين بما تضمر في داخلها من حقد وكراهية وشوفينية . فنفذت عصابات القتل والجريمة بعض أو معظم ما خططت له بالقتل والتعذيب والإعتقالات والتشريد والإغتصاب حتى لم يكد يخلو بيت عراقي ممن يضم حملة الفكر التنويري والتوجه الوطني العراقي التقدمي من مآسيها التي أصبحت سمة الجريمة سمتها التي يسمونها الناس بها .

إلا ان السؤال الذي يتبادر إلى ذهن أي إنسان يُشرك عقله في تفسير هذه الأحداث هو ذلك الذي يتعلق بمدى قدرة عصابات كهذه على إرتكاب جرائم بهذا الكم وهذه البشاعة التي كانت ألأولى من نوعها على هذه البقعة من ألأرض في ذلك الوقت ؟ وهل كانت هذه العصابات المجرمة تخطط بمفردها لجرائم من هذا الوزن ؟ وهل أن التخطيط ألذي وضع المستهدَفين بهذه الجرائم موضع التقديم والتأخيرأو ألواحد تلو الآخر الذي بدأ بالشيوعيين العراقيين أساسآ لينتهي بكل القوى العراقية الوطنية الديمقراطية التحررية لاحقآ , تخطيط من بنات أفكار منفذيه وحدهم ؟ أسئلة كثيرة وعلامات إستفهام أكثر ترتسم على شفاه ووجوه الذين عاشوا مآسي الثامن من شباط بكل مشاعرهم وأحاسيسهم وبكل عضو من أعضاء أجسامهم بشكل مباشر أو غير مباشر . هذه ألأسئلة وغيرها يمكن أن نجد لها بعض الجواب في ما يدونه التاريخ حول مجازر البعثفاشية والمخططين والمنفذين لها والمساعدين على تنفيذها . لنقرأ مقتطفات مما كتبه الباحث العراقي المعروف الدكتور رشيد الخيون في كتابه القيم ” طروس من تراث الإسلام ” , على الصفحات 70 ـ 73 ” …..والشيخ العلواني عراقي من أهل السنة, كان إمامآ لمسجد الحاجة حسيبة الباججي في بغداد بعد عودته من الدراسة بالجامع ألأزهر 1959 . وقد غادر العراق ليكون رئيسآ للمعهد العالمي للفكر الإسلامي في فرجينيا ألأمريكية , ورئيسآ لجامعة ألعلوم ألإسلامية والإجتماعية هناك, ورئيسآ للمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية وهو صاحب مؤلفات عديدة , إتسمت بالعقلانية والتنوير ومد الجسور مع الآخر . ولكتاب العلواني (لا إكراه في الدين) , او تفكير الشيخ بأمر الردة قصة تعود أحداثها إلى إنقلاب حزب البعث في 8 فبرايرـ شباط 1963 , ومحاولتهم تطبيق الشريعة في خصمائهم السياسيين من الشيوعيين وغيرهم . لذا سعى البعثيون لدى كبار فقهاء المذهبين, السنة والشيعة , في العراق للحصول على فتاوى تقضي بهدر دماء ألآلاف من المعتقلين العراقيين , وقد ُطلب مثلها من الشيخ العلواني في الساعة الثانية بعد منتصف الليل, أي قبل التنفيذ بخمس ساعات . علمآ أن العديد من الشيوعيين كانوا من طوائف العراق ألأخرى من مسيحيين, وصابئة مندائيين , وإيزيديين وغيرهم . وقد تزامن مع أخذ هذه الفتاوى إصدار قانون من الحاكم العسكري العام , وكان آنذاك رشيد مصلح التكريتي , عُرف في بيان 13 , القاضي بإبادة الشيوعيين . قال الشيخ العلواني متأثرآ بما حدث : ( لقد كتبت دراسات عديدة في الردة وأحكامها . أُعِدَّ بعضها لنيل درجات علمية , ماجستير , ودكتوراه , وبعضها دراسات أُعدت في إطار دراسة الحدود الشرعية . وكل تلك الدراسات كانت تمر على عجل على مذاهب المخالفين في حكم الردة من الصحابة وغيرهم, على جلالة إقدار أولئك المخالفين , وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب ـ رضي ألله عنه ـ وقد لفت ذلك نظري خاصة بعد أن أُبتليت باستفتاء في قضية ردة . كان أخطر ما مر بي في حياتي , وكان له أثر كبير في عقليتي ونفسيتي , بل وفي حياتي كلها ) . ثم يستطرد الكاتب الدكتور رشيد الخيون في كتابه أعلاه فيقول على الصفحة 71 ” وقصة ذلك , حسب ما أوردها الشيخ العلواني في كتابه المذكور , أن الضابط عبد الغني الراوي , أحد قادة إنقلاب شباط من القوميين , أتى إلى منزله الملاصق لمسجده , مسجد الحاجة حسيبة الباججي , في محلة أبو قلام من الكرادة الشرقية جنوبي بغداد , في الساعة الثانية من صباح يوم تنفيذ حكم الشريعة بالشيوعيين وأتباعهم كافة . وقد كُلف الضابط الراوي بالتنفيذ , وأخذ فصيل الإعدام مع أموال لتوزيعها على الجنود الذين يطلقون النار, ومعدات لحفر أخاديد لدفن المقتولين , أي قبور جماعية . وبما أن الراوي كان متدينآ عروبيآ , وغير بعثي , طلب أخذ فتاوى من زعماء المذهبين . فأخذ فتوى من مفتي بغداد السني نجم الدين الواعظ (ت. 1975) , وفتوى من الشيخ الشيعي محمد مهدي الخالصي (ت. 1963) في الكاظمية , ومن المرجع ألأكبر الشيعي السيد محسن الحكيم (ت.1970) في النجف . وقد إشترط السيد الحكيم ( ألتأكد من عدم إشتباه هؤلاء في إنتمائهم أو إنخداعهم في ذلك…..) أما الشيخان الخالصي والواعظ فقد أفتيا بوجوب قتلهم جميعآ وبدون تحفظ أو قيد أو شرط ” .
ثم يتحدث الباحث العراقي المعروف الدكتور رشيد الخيون كيف أن الموكل له بتنفيذ جرائم قتل الشيوعيين العراقيين الضابط عبد الغني الراوي حاول أخذ الفتاوى لتنفيذ هذه الجرائم من المراجع السنية والشيعية , وبما انه حصل على موافقة إثنين من المراجع الشيعية على قتل الشيوعيين العراقيين وهم كل من محمد مهدي الخالصي والسيد محسن الحكيم , وعلى موافقة مرجع سني واحد وهو نجم الدين الواعظ , فإنه , أي الراوي , أراد الحصول على فتوى سنية ثانية طلبها من الشيخ العلواني الذي رفض إعطاءها , معتبرآ هذا ألأمر كخلاف سياسي بين البعثيين وأعداءهم السياسيين ولا دخل للدين فيه . ما أعظم هؤلاء المراجع !!! الذين سخروا مرجعياتهم لنشر فتاوى القتل ضد أناس لم يعرفوهم ولم يختلطوا بهم ولم يتحدثوا معهم أو يسألونهم حتى عن صدق أو كذب أو الشك بالتهمة الموجهة لهم حفاظآ على المبدأ الشرعي للدين الذين يدّعون تمثيله والقاضي بدرء الحدود بالشبهات . ما أعظم هولاء المراجع !!! الذين إستباحوا دماء من لا علاقة لهم بمرجعيتهم من ذوي ألأديان ألأخرى الذين تلاعبوا بأرواحهم وحياتهم دون وجه حق شرعي أو مسوغ ديني أو سبب قانوني . ما أعظم هؤلاء المراجع !!! الذين برروا إرتكاب الجريمة وأعطوا الضوء ألأخضر لتنفيذها بتهمة الردة عن الدين على الذين أجازوا قتلهم , بالرغم من عدم وجود أي نص قرآني يشير إلى ذلك , ( لزيادة المعلومات في هذا ألأمر( ألردة ) لا بأس من مراجعة ما كتبناه تحت عنوان محنة الدين في فقهاء السلاطين ) . ربما أراد السيد محسن الحكيم أن يضع له مخرجآ شرعيآ لعلمه بعدم صحة فتواه حينما إشترط التأكد من عدم إشتباه هؤلاء في إنتمائهم أو إنخداعهم في ذلك . مخرج قد ينفع لو حاول السيد الحكيم التأكد بنفسه في ذلك وعدم ترك الحبل على الغارب لقرار من قرر إرتكاب جريمة القتل عمدآ وبسبق ألإصرار . فكيف سيبرر السيد الحكيم قتل ألآلاف إستنادآ على فتواه وهو لم يستمع إلى إفادة أي واحد منهم على التهمة الموجهة إليه والشريعة التي أراد السيد الحكيم الحفاظ عليها توصيه , لا بل وتأمره بذلك , فهل راعى في فتواه هذه أحكام الشريعة الإسلامية الحقة , , لا المُبطنة بالحقد والكراهية والجهل بالآخرين….؟
فلا عجب إذن أن يتجاهل اليوم أحفاد هذه المراجع في خطبهم وأحاديثهم عن شهداء الوطن , هؤلاء الآلاف من الشهداء العراقيين من الشيوعيين وأصدقاءهم ومن المناضلين المستقلين والتقدميين الديمقراطيين الذين تصدوا لعصابات البعثفاشية في الثامن من شباط ووهبوا أرواحهم فداءً لوطنهم , نقول لا عجب ان يتجاهل حملة هذا الفكر العدائي للشيوعية والتقدمية والعلمانية , والمستنبط من فتاوى الثامن من شباط عام 1963 , آلاف الشهداء الذين سقطوا على هذا الدرب . وربما لا يجوز لهم شرعآ أن يضعوا شهداء الوطن من الشيوعيين والديمقراطين المستقلين وحملة الفكر التقدمي الذين تصدوا لأعداء ثورة الرابع عشر من تموز من البعثفاشية وأعوانها على قوائم الشهداء , لأنهم قُتلوا بفتاوى من مراجع دينية هي عند أحفاد هذه المراجع اليوم نصوص لا يطالها الباطل . لا نطالب هؤلاء الأحفاد أن يدرسوا التاريخ قبل أن يلجوا دروب السياسة , فالسياسة اليوم يمكن أن يمارسها , من وجهة نظر هؤلاء ألأحفاد , كل من يُثبت ولاءه لهم أو لأية جهة أخرى تشاطرهم المحاصصات والمقاولات والمخصصات والمليشيات , ليتقرر على أساسها بعدئذ وفي نهاية المطاف وحسب ما تمليه ظروف التناحر الطائفي والتمحور المناطقي والإنقسام العشائري إن كان هناك ما يُسمى بالولاء للوطن . ولا نطلب منهم أن يغوصوا في أعماق تعاليم الشريعة ألإسلامية , فهم فحولها , ويكفيهم فخرآ !!! أنهم أحفاد من أعطوا البعثفاشية الضوء ألأخضر بفتاوى جواز قتل الشيوعيين أو حتى المشتبه بانتماءهم للحزب الشيوعي العراقي من خلال المواقف الوطنية التي إتخذها هؤلاء الشهداء ألأبرار . بل أن ما نطلبه منهم هو ألإنصاف مع أنفسهم والصدق مع مَن يتحدثون إليهم . والإنصاف يعني أول ما يعني ألنظر إلى الواقع بعين لا تغمط حق أحد ولا تزايد على حق آخر . أليس من ألإنصاف والأخلاق الدينية والسلوك الإجتماعي القويم أن يتذكر هؤلاء الخطباء المفوهين أن تاريخ العراق السياسي الحديث يرتبط منذ كتابته التي بدأت بتأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي بنضال الحزب الشيوعي العراقي الذي بدأت به الحركات الماركسية والتقدمية التي إنبثق من بينها مؤخرآ هذا الحزب في الواحد والثلاثين من آذار عام 1934 , واستمرار هذا النضال حتى يومنا هذا , وإن ذلك ما كان من الممكن تحقيقه دون أن يضحي الآلاف من الشهداء بأرواحهم على درب النضال هذا . وإنهم سوف لا يجافون ألإنصاف إذا ما أنصفوا ألتاريخ الذي لم يكن يعرف شيئآ عن منظماتهم وأحزابهم التي تصول وتجول اليوم بما تسميه سياسة , وما هو إلا إنتكاسة , ويعترفون بأن المناضلين ألأوائل بما قدموه من شهداء شيوعيين وغير شيوعيين هم الذين مهدوا السبيل أمام العمل الوطني ألذي تبلور في أربعينات وخمسينات القرن الماضي على شكل نضالات جماهيرية شهدها الشارع العراقي وانتزع فيها الشعب حقوقه الوطنية سواءً بإسقاط حكومات أو ألغاء معاهدات , تمخضت عنها ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 . لا نلوم هؤلاء الأحفاد على تجاهلهم لهذا التاريخ لأنهم ليسوا جزءً منه ولأنهم لم يعايشوه بمشاعرهم وأجسامهم ووجودهم أصلآ , بل عايشوه من خلال وراثتهم لأحقادهم على الشيوعية والشيوعيين وهم لا يترددون في محافلهم الخاصة من الهمس بفتاوى المراجع الذين سبقوهم لهذا العداء .
إلا أن منفذي جرائم الثامن من شباط ألأسود لم يقتصروا على الفتاوى الدينية من بعض المراجع السنية والشيعية في تنفيذ جرائمهم ضد معارضيهم السياسيين في الصف الوطني العراقي , بل إعتمدوا وبشكل أساسي أيضآ على تلك القوى الرجعية التي وقفت منذ البدء ضد ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة والتي إصطفّت في الصف الذي تزعمته بقايا ألإقطاع والرجعية العربية الشوفينية التي لبست اللباس العربي القومي المليئ بالشعارات العنصرية والرجعية التي وجدت في الفكر البعثي الفاشي متنفسآ لعنصريتها وانعكاسآ لتخلفها الفكري وفرصة للإنقضاض على تلك القوى التي سعت إلى تحقيق ما جاءت به ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 سواءً كان ذلك على النطاق الزراعي الذي شكل قانون الإصلاح الزراعي قاعدة ألإنطلاقة الثورية الجديدة لهذا القطاع , أو على القطاع ألإجتماعي الذي تبلور من خلال الإنطلاقة الجماهيرية في تنظيم النقابات والجمعيات والمؤسسات المهنية التي أرعبت أعداء العمل الجماهيري المنظم مهنيآ وسياسيآ . كما وشكلت بعض القوانين التي تبنتها ثورة تموز كابوسآ مخيفآ لهذه القوى التي عملت منذ البدء على الإنتقام من الثورة بالإنتقام من مؤيديها والساعين إلى تحقيق إنجازاتها المتمثلة بقانون إستثمار الحقول النفطية وطريقة التعامل مع شركات النفط الأجنبية , وقانون ألأحوال الشخصية الذي أعاد للمرأة العراقية كرامتها التي حاولت القوى المتخلفة أن تلبس إضطهادها للمرأة وامتهان كرامتها لبوسآ دينيآ فضحته الثورة كما فضحت أساليب إستغلال الدين هذا . كل هذه القوى والعناصر التي أخرستها قوانين واجراءات الرابع عشر من تموز ظلت تمارس التصدي لهذه الثورة للإيقاع بها وبمؤيديها ومسانديها من الشيوعيين والتقدمين المستقلين والقوى الوطنية العراقية التي وضعت حرية الوطن وسعادة الشعب هدفآ ثابتآ لنضالها . وبعد أن تسنى لإنقلابي الثامن من شباط ألأسود الوصول بالقطار الأمريكي , حسب تصريحات أحد قادتهم آنذاك علي صالح السعدي , إلى ما خططوا له وجدوا هذه القوى التي وقفت إلى جانبهم وساعدتهم على تنفيذ الجرائم التي مارسوها بوحشية وهمجية موشحة بالوشاح الديني الرجعي الشوفيني .
ولم يقتصر المضي في تنفيذ جرائم البعثفاشية في الثامن من شباط ألأسود على الفتاوى الدينية وبقايا ألإقطاع والرجعية العربية الشوفينية , بل وجدت صدى وتعاطف معها من لدن بعض القوى الرجعية الكوردية التي وقعت في حبائل البغي العربي الشوفيني الرجعي وانجرت إلى التصدي لثورة الرابع عشر من تموز, حيث لم يستطع فكرها العشائري المتخلف أن يستوعب سمة المرحلة السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يمر بها الوطن المشترك , فانبرت تعمل على إسقاط ثورة الرابع عشر من تموز بحملها السلاح في كوردستان العراق ووقوفها بذلك إلى جانب البعثفاشية والقوى الرجعية الإقطاعية المتضررة من إجراءات الثورة وقوانينها . وما برقية ” تعانقت الثورتان ” السيئة الصيت التي تلقاها الإنقلابيون البعثفاشيون في الثامن من شباط من بعض قادة القوى السياسية الكوردية التي مثلت ألإتجاه الشوفيني الرجعي العشائري في الثورة الكوردية آنذاك , إلا موقفآ واحدآ من كثيرمن المواقف التي مهدت الطريق للإنقلابيين بشكل أوسع ليستمروا في غيهم وجرائمهم التي إقترفوها بحق ثورة الرابع عشر من تموز وبالتالي بحق من وقفوا إلى جانب هذه الثورة التي قدم عشرات الآلاف أرواحهم الزكية فداءً لها .

هذه تذكرة بتلك الجرائم توخينا منها تطبيق مبدأ ” وذَكِّر فقد تنفع الذكرى ” الذي قد يساعد مَن يجول بخاطرهم اليوم ما جال بخاطرمن إستعانت بهم البعثفاشية بالأمس في قتل الشيوعيين والوطنيين العراقيين على أن يستوعبوا التاريخ ولا يتجاهلون صُنّاعَه وليفكروا بالأمر جليآ وليتدبروا أين حلت البعثفاشية وأعوانها وأي مصير آلت إليه….؟ وهذا هو حكم التاريخ .