الرئيسية » مقالات » أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة التاسعة والأخيرة

أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة التاسعة والأخيرة

الحزب الشيوعي العراقي والقضية الفلسطينية

نبذة تاريخية

بدأت القضية الفلسطينية تتخذ أبعاداً جديدة منذ أن صدر وعد بلفور في العام 1917. وقد بدأت بريطانيا منذ ذلك الحين تسعى إلى كسب النخب العربية الحاكمة أو المتوقع أن تحكم في أعقاب الحرب العالمية الأولى وتقسيم مناطق نفوذ الدولة العثمانية على الدول الاستعمارية المنتصرة في تلك الحرب , وخاصة مع أفراد عائلة الشريف حسين بن علي شريف مكة , الذي خاض تلك الحرب إلى جانب الحلفاء. ولم يكن الاتفاق الذي جرى توقيعه بين الأمير فيصل بن الحسين بن علي مع الدكتور حاييم وايزمن في نهاية العام 1918 حول فلسطين وهجرة اليهود العالم إليها , سوى بداية المساومة على القبول بالهجرة اليهودية إلى فلسطين , علماً بأن الأمير فيصل كان يعلم علم اليقين بوعد بلفور ومهمته المركزية في إقامة دولة عبرية على الأرض الفلسطينية. ومن هنا جاءت تسميته منذ ذلك الحين بـ “الوعد المشئوم”. كتب الراحل السيد جورج انطونيوس في كتابه الموسوم “يقظة العرب” الصادر في دمشق عن مطبعة الترقي في العام 1946 بهذا الصدد ما يلي:


[يشير الأستاذ الراحل جورج أنطونيوس إلى نشر الاتفاقية في الملحق , ولكن الكتاب المترجم من قبل الأستاذ الراحل علي حيدر الركابي لم يتضمن هذه الاتفاقية ولا أي ملحق آخر , ولم أعثر على النسخة الإنجليزية , ولم استطع الوصول إلى الترجمة الجديدة للسيد إحسان عباس ووناصر الدين الأسد الصادرة عن دار العلم للملايين ولا أدري إن كانت تتضمن الملحق المذكور].
لا يمكن , وفق ما لدينا من معلومات , البرهنة على , أو رفض فكرة , موافقة الشريف حسين على الاتفاقية التي وقعها ابنه الأمير فيصل حينذاك , إذ لا نمتلك ما يؤكد أو ينفي ذلك , رغم وجود قناعة بأن فيصل لم يكن يتصرف في مثل هذه القضية الحساسة دون موافقة والده.
في بداية العقد الثالث من القرن العشرين حين بدأت أفكار الديمقراطية والاشتراكية تدخل العراق كانت هناك مجموعة صغيرة من الشباب التي حملت راية هذه الأفكار، إنها جماعة حسين الرحال. وكانت هذه المجموعة من الشياب ، تحمل فكراً نيراً ورؤية سليمة , سواء أكان ذلك بالنسبة للقضايا العربية أم الدولية أم بالنسبة للقضايا الداخلية رغم الضعف العام للوعي السياسي والاجتماعي في صفوف المجتمع حينذاك ، إذ كان العراق ينهض لتوه من سبات الدولة العثمانية العميق والطويل الذي فرضه الحكام الأتراك على تركيا عموماً وعلى بقية أجزاء الإمبراطورية الخاضعة لها خصوصاً. ولم يكن الاهتمام بقضية الوحدة العربية والقضية القومية حينذاك واسع النطاق ، ولكن هذا القول لا ينطبق بأي حال على القضية الفلسطينية بسبب موقع بيت المقدس في نفوس المسلمين. وقد تجلى ذلك في الموقف الرافض لزيارة ألفريد موند إلى بغداد في شباط عام 1928 , إذ كان الماركسيون والديمقراطيون في مقدمة المتظاهرين ومن الداعين إليها والمنظمين لها والمشاركين فيها (راجع: جميل , حسين. العراق – شهادة سياسية 1908-1930. لندن. دار اللام. ص 203-228. راجع أيضاً: سباهي, عزيز. عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراق. الجزء الأول. منشورات الثقافة الجديدة. دمشق. 2002. ص377-378).
وإذا كان هذا موقف جماعة الرحال والجماعات الديمقراطية الأخرى في بغداد من القضية الفلسطينية ، فأن الحلقات الماركسية والجماعات الديمقراطية الأخرى ، سواء في بغداد أم في الناصرية والبصرة أم الموصل أم في غيرها من مدن العراق , قد اتخذت مواقف واضحة تماماً إزاء هذه القضية أيضاً. وكان الحزب الشيوعي، ابتداءً من العدد الثاني من جريدته “كفاح الشعب” الصادر في عام 1935، قد بدأ بنشر سلسلة مقالات عن القضايا العربية وقضية فلسطين على نحو خاص والنضال ضد الصهيونية والاستعمار ومن أجل الاستقلال والسيادة الوطنية. ونظم الحزب، بالرغم من الهجوم الذي كانت تشنه الحكومة العراقية على الشيوعيين والديمقراطيين في أعقاب فشل انقلاب بكر صدقي ، مظاهرة حاشدة بتاريخ 16 تموز/يوليو 1937 ضد مقررات اللجنة الملكية البريطانية التي شكلتها الحكومة البريطانية للتحقيق في الإضرابات التي عمت فلسطين في عام 1936 (الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية في العاق 1945-1946. مصدر سابق. ص 14). وجاءت اللجنة إلى بغداد لشرح وجهة نظرها واستطلاع الرأي العام ، إضافة إلى الترويج للفكرة الصهيونية بتأسيس دولة يهودية في فلسطين. وانعكست مواقف الحزب الصائبة في سياساته وبرامجه إزاء القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية ، سواء أكان ذلك في المؤتمر الوطني الأول للحزب أم فيما بعد. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية نشط فهد بشكل أوسع لصالح القضية الفلسطينية وضد الصهيونية. وعندما طرح بعض الشيوعيين من يهود ومسلمين أعضاء في إحدى خلايا الحزب في بغداد مقترحاً بتكوين منظمة تعمل على فضح أهداف الصهيونية على غرار ما حصل في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ومصر ، تبنى فهد هذه الفكرة وشجع الشيوعيين والديمقراطيين اليهود وغير اليهود على السعي لتشكيل عصبة مكافحة الصهيونية في العراق ، حيث بدأ العمل من أجل ذلك وشكلت هيئة مؤسسة قامت بوضع نظام داخلي وبرنامج عمل لهذه المنظمة السياسية والاجتماعية غير الحكومية وغير الحزبية. وساهم فهد في الإشراف على وثائق العصبة من خلال الفراكسيون الحزبي الذي كان يقود نشاط الشيوعيين في العصبة. وقُدم الطلب إلى وزارة الداخلية بتاريخ 12/9/1945. وفي 21/11/1945 قدم فهد مذكرة إلى رئيس الدولة العراقية وإلى البرلمان العراقي وإلى رؤساء الدول الكبرى والعربية أوضح فيها “أن الحكومة تدعي مناصرة عرب فلسطين ضد الصهيونية لكن هذه المناصرة غير ملموسة لدى الشعب العراقي بل ما هو ملموس عكس ذلك تماماً” (نفس المصدر السابق. ص 15). وقد حاول فهد في هذه المذكرة وفي سلسلة المقالات التي كتبها عن القضية الفلسطينية فضح طبيعة الصهيونية باعتبارها حركة سياسية عنصرية تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من وطنهم ، وأنها حركة متشابكة في أهدافها مع الأهداف الاستعمارية ومناهضة لحركات التحرر الوطني وحركة الشعب الفلسطيني. وإزاء نشاط العصبة وحصول تأييد سياسي واسع لها وبروز أشكال مماثلة لها في بلدان أخرى وجدت وزارة الداخلية نفسها مضطرة للموافقة على طلب العصبة في الحصول على إجازة عمل رسمية بتاريخ 16 آذار/مارت 1946 ، كما أجبرت بعد ذلك بوقت قصير على الموافقة على إصدار “عصبة مكافحة الصهيونية” جريدة سياسية يومية باسم “العصبة”. وخلال هذه الفترة توسع نشاط الشيوعيين والديمقراطيين اليهود وغير اليهود الأعضاء في العصبة في فضح الصهيونية وتعميق الإحساس بخطرها على فلسطين. وكان موقف الحزب ينسجم تماماً مع موقف الأممية الثالثة وأحزابها الشيوعية والعمالية إزاء تحديد طبيعة الصهيونية وأغراضها. وكان للشيوعيين العراقيين والعرب دورهم الإيجابي في تحديد هذه الطبيعة خلال فترة وجود وعمل الكومنترن وما بعدها.
حصد الحزب الشيوعي العراقي ، الذي وقف مساندا الحركة الديمقراطية المناهضة للصهيوني ودافع عن عصبة مكافحة الصهيونية ومدها بالدعم والكوادر النشيطة ورفض سحب إجازتها ومنعها من العمل وإيقاف صدور صحيفتها “العصبة” ، نتائج متباينة باتجاهين مختلفين، خاصة بعد أن مارست الشرطة القسوة الشديدة والعنف والأسلحة النارية لقمع مظاهرة 28/حزيران يونيو 1946 في بغداد التي نظمها حزب التحرر الوطني الذي كان يقوده حسين محمد الشبيبي و عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي وسار فيها 3000 عامل وطالب محتجين ضد الظلم في فلسطين والمطالبة بطرد الإنكليز من العراق ، حيث قمعتها حكومة ارشد ألعمري بالرصاص , مما تسببت في استشهاد عضو الحزب الشيوعي العراقي وعضو عصبة مكافحة الصهيونية، شاؤل طويق فيها ، وهو مواطن عراقي يهودي ، وجرح عدد كبير من المشاركين في تلك المظاهرة ، كما سحبت إجازة عمل عصبة مكافحة الصهيونية وأوقفت صحيفتها “العصبة” عن الصدور. ويمكن بلورة تلك النتائج ، سواء الإيجابية منها أم السلبية، على النحو الآتي:
• إبراز الموقف السليم للحزب الشيوعي العراقي من القضية الفلسطينية ومن الصهيونية ، وبالتالي، استطاع الحزب كسب احترام وتأييد جمهرة واسعة من الناس المهتمين بالسياسة وبالقضايا العربية ، كما وضعت الحزب في مواقع متقدمة في نضاله من أجل القضايا العربية الأساسية والتضامن العربي.
• كشفت عن طبيعة الصهيونية العالمية والأهداف التي كانت تسعى إليها منذ تأسيسها في عام 1897 من قبل اليهودي الصهيوني تيودور هرتسل (1860-1904م).
• فضحت طبيعة وسياسات الحكومات العراقية المتعاقبة إزاء القضايا العربية ، وخاصة قضية فلسطين وإهمالها مساندة الشعب الفلسطيني في نضاله العادل من خلال مواقفها المناهضة لنشاط العصبة ومنع عقد مهرجاناتها أو تظاهراتها أو غلق صحيفتها الرسمية وإيقاف إصدار كراساتها التثقيفية المناهضة للصهيونية.
• وبلورت في الوقت نفسه الفارق الذي لا يجوز نسيانه بين اليهودية كدين واليهود ، باعتبارهم أتباعا لتلك الديانة المعترف بها من جانب الإسلام والمسلمين من جهة ، وبين الصهيونية كحركة سياسية شوفينية معادية للشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية ومتحالفة مع الإمبريالية العالمية من جهة أخرى .
وتمكن الحزب من كسب عدد كبير من اليهود والعرب وغير العرب من المواطنين العراقيين إلى جانب هذه الحركة وزجهم في النضال الديمقراطي ، إضافة إلى كسب مجموعات جيدة منهم إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي وفي صفوفه.
وجني الحزب في الوقت نفسه كره ونقمة الحركة الصهيونية العالمية التي كانت تتابع الحركات المعادية لها ، وخاصة تلك النشاطات التي كان يساهم بها اليهود انتصاراً لقضية العرب العادلة في فلسطين ، وانتصاراً لهم كمواطنين عراقيين يعيشون في العراق ، إضافة إلى كره الاستعمار البريطاني وممثليه في العراق ، وكره الحكومة العراقية التي كانت تدعي دفاعها عن فلسطين ، في وقت كانت الدلائل تشير إلى وجود تواطؤ ضد الشعب الفلسطيني تمثله قيادة النخبة السياسية الحاكمة في العراق والذي تبلور فيما بعد بقانون إسقاط الجنسية عن اليهود …الخ. ولا شك في أن التاريخ سيميط اللثام عن الكثير من المعلومات والوثائق التي تؤكد أكثر فأكثر مثل هذا الاتهام لا بالنسبة للعراق فحسب ، بل وبالنسبة للعديد من حكام الدول العربية حينذاك.
دأب فهد على فضح سياسات الحكومة العراقية إزاء الشعب الفلسطيني من جهة ، وإزاء الصهيونية من جهة أخرى ، مستخدماً صحافة الحزب وصحافة وأدبيات عصبة مكافحة الصهيونية وأينما تسنى له نشر مقالاته في هذا الصدد أو عبر المذكرات التي كان يوجهها إلى رئيس الحكومة العراقية ويعممها لإحراج مواقف الحكومة العراقية عربياً ودولياً . ففي المذكرة التي وجهها فهد إلى رئيس مجلس الوزراء العراقي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، باعتباره سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي العراقي، كتب يقول:
“موقف الحكومة تجاه الصهيونية: تدعي الحكومة القائمة أنها تناصر عرب فلسطين ضد الصهيونية لكن الشعب العراقي لا يلمس هذه المناصرة واختباراته اليومية تبرهن على أن الحكومة العراقية تمنع الشعب العراقي من مناصرة عرب فلسطين ، تمنعه من مكافحة الصهيونية. وبهذا تسهل على الصهاينة وعلى القوى الرجعية – الاستعمار وغيره – السير بخططهم .. أن الحكومة منعت وتمنع الشعب العراقي من إقامة اجتماع في سبيل فلسطين ، إنها منعت عصبة مكافحة الصهيونية من إقامة اجتماع في يوم وعد بلفور الأسود ، إنها احتلت نقابات العمال في ذلك اليوم لكي لا يجتمع العمال فيها ، إنها منعت المظاهرات في سبيل فلسطين ، لكنها سمحت للأوباش بالاعتداء على اليهود وسكب المواد المحرقة عليهم وهم يمشون في الشوارع. وبدلاً من أن تعاقب الأوباش المعتدين حمتهم وأقامت شرطتها الدعوى على المشتكين لأنهم ادعوا أن الأوباش رموهم بمحلول التيزاب بينما كان ما رموهم به هو “محلول الزرنيخ” واتهمت المشتكين بأنهم عكروا صفو الأمن ، … هذا منطق أناس يدعون أنهم يناصرون عرب فلسطين” ثم يواصل فهد فيكتب:
أن الحكومة العراقية تحاول أن تخفي المسؤولين الحقيقيين عن نكبة شعبنا العربي في فلسطين ، تريد أن تستر الاستعمار البريطاني المسؤول الأول ، أن تخفي الصهيونية ، باعتبارها تمثل مصالح الشركات اليهودية الكبرى في بريطانيا وأمريكا فتظهر اليهود العرب الذين لا صلة تربطهم بالصهيونية الاستعمارية والذين عشنا وإياهم أجيالاً عديدة دون أي تصادم بيننا كأنهم المسؤولون فتوجه النقمة ضدهم. إن الشعب العراقي يريد من الحكومة القائمة أن تقلل من ادعاءاتها حول مساعدة فلسطين وأن تسمح له بأن يكافح الصهيونية في البلاد العربية نفسها وأن يمنعها من تثبيت أقدامها فيها”. (فهد. كتابات فهد. مصدر سابق. ص 320/321).
• لم يكن الكره الذي توجه من جانب الاستعمار البريطاني والصهيونية العالمية والحكومة العراقية اعتيادياً وعاماً إزاء الحزب الشيوعي العراقي وقائده فهد ، بل كان ملموساً وموجهاً لشن حملة دامية ضد الحزب من أجل تصفيته واعتقال قادة الحزب وعصبة مكافحة الصهيونية انتقاما منه بسبب النشاطات الواسعة الفكرية منها والسياسية ضد الاستعمار والصهيونية وفضح الحكومة في مواقفها إزاء القضية الفلسطينية وإزاء الصهيونية. إذ ركز فهد ، وهو على رأس الحزب الشيوعي العراقي في نضاله من أجل القضية الفلسطينية ، على شعارات أساسية واضحة جداً كانت مرفوضة من قبل تلك الدول والأطراف ، وهي: (راجع المصدر السابق)
• منح الشعب الفلسطيني الحق في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ورفع الحماية البريطانية عنه.
• إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
• التضامن مع الشعب الفلسطيني لمواجهة المؤامرات التي تستهدف وطنه ، وفضح أهداف العنصرية والعدوانية في الحركة الصهيونية.
• تعبئة الرأي العام العراقي والعربي إلى جانب الشعب الفلسطيني من خلال النشاط الفكري والسياسي.
• محاولة كسب المزيد من اليهود إلى جانب الحركات المعادية للصهيونية في سائر أرجاء العالم العربي.
• فضح طبيعة الحركة الصهيونية وأهدافها في فلسطين والمنطقة العربية وتحالفاتها الدولية التي اعتبرها مناهضة لحركات التحرر والمرتبطة عضوياً بالرأسمال المالي العالمي وأهدافهما المشتركة.
لقد كانت عصبة مكافحة الصهيونية ونشاطها وفعاليتها الواسعة شوكة في عين حكام العراق ، مما دفع إلى التفتيش عن الحجج ، مهما كانت واهية، لسحب إجازتها وإيقاف نشرها العلني وزج القائمين عليها والنشطين منهم في السجون. ورغم فشل أكثر من محاولة للحكم على قياديي الحركة من خلال المحاكم العراقية التي تمتعت في فترات معينة ببعض الحرية والاستقلالية النسبية, بسبب وجود عناصر ديمقراطية نزيهة على رأس البعض من تلك المحاكم ، لجأت الحكومة إلى إصدار قرار وزاري بحلها ، متجاوزة الدستور والقوانين العراقية. ثم قدمت أغلب قياديي العصبة إلى المحاكمة ، بعد ربط قضيتهم بقضية الحزب الشيوعي العراقي ونشاطه السياسي ودور رفاقه في قيادة ونشاط العصبة.
كان الحزب الشيوعي العراقي ، وكذلك فهد، مقتنعين بأن موقف الاتحاد السوفييتي سيكون إلى جانب الشعب الفلسطيني بسبب عدالة قضيته والعداء المستحكم بين الشيوعية والصهيونية بسبب طبيعتهما المتناقضة تماماً ، وبسبب معرفة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي بأساليب ومناورات القوى الإمبريالية والصهيونية ، وهو الموقف الذي تجلى في مؤتمرات الأممية الشيوعية منذ تأسيسها وأحاديث لينين عنها. ولهذا لم يكن هناك أي تناقض بين موقف الحزب وموقف الأممية الشيوعية وأحزابها المختلفة بهذا الصدد. لذلك فوجئ الحزب وفهد بموقف السوفييت في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بالموافقة على قرار تقسيم فلسطين في العام 1947 ولم يجدا تبريراً له.
لقد كتب فهد العديد من المقالات التي يكشف فيها عن طبيعة الصهيونية العالمية مستلهماً فكر الأممية الشيوعية وقناعاته الذاتية بالعلاقة القائمة بين الإمبريالية والصهيونية على الصعيد العالمي ، إضافة إلى العلاقات المهمة التي كانت قد نشأت ليس بين الصهيونية وبريطانيا فحسب ، بل بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً ، وكان يرى فيها خطراً أساسياً على حركة التحرر العربية ، إذ أن الولايات المتحدة كانت تريد أن تجعل منها أداة لها في المنطقة. ويمكن لبعض المقتطفات المهمة في هذا الصدد أن تؤكد موقف فهد الواضح من الصهيونية ورفضه لمحاولات التقسيم التي كانت تسعى إليها الصهيونية العالمية. كتب فهد عن طبيعة الصهيونية في جريدة “العصبة” في عام 1946 يقول: “إننا في الحقيقة لا نرى في الفاشية والصهيونية سوى توأمين لبغي واحد ، هي العنصرية محظية الاستعمار. إن الفاشية والصهيونية تنهجان خطين منحرفين يلتقي طرفاهما وتتشابه أهدافهما ، وكل منهما نصبت نفسها منقذة وحامية لعنصرها ، فالأولى بذرت الكره العنصري ونشرت الخوف والفوضى في أنحاء المعمورة وورطت شعوبها وأولعت بهم نار حرب عالمية لم تتخلص أمة من شرورها. والثانية الصهيونية بذرت الكره العنصري ونشرت الخوف والفتن والإرهاب في البلاد العربية وغررت بمئات الألوف من أبناء قومها وجاءت تحرقهم على مذبح أطماعها وأطماع أسيادها المستعمرون الإنكليز والأمريكان ، فتشعل بهم نيران الاضطرابات في البلاد العربية. وقد كان من أعمالها أن حولت فلسطيننا إلى جحيم لا ينطفئ سعيره ولا تجف فيه الدموع والدماء وتهددت الأقطار العربية بأخطارها وبأخطار القضاء على كيانها القومي جراء بقاء وتثبيت النفوذ الاستعماري فيها وجراء المشاكل العنصرية التي تحاول إثارتها” (الصافي ، عبد الرزاق. كفاحنا ضد الصهيونية. ص 29).

وبصدد المصالح المشتركة والعلاقة التحالفية بين الصهيونية والإمبريالية الأمريكية كتب فهد يقول: “إن المصالح الأمريكية الناشئة في البلاد العربية ورؤوس أموالها المستثمرة بالاشتراك مع الرأسمال الصهيوني في فلسطين، ووعد الصهاينة بتوظيف رؤوس أموال أمريكية كبيرة جداً وتطلع أمريكا لاستخلاف الإمبريالزم البريطاني في فلسطين واتخاذها قاعدة لحماية مصالحها في البلاد العربية ، كل هذه حملت الولايات المتحدة على استخدام نفوذها كاحتياطي للصهيونية” (نفس المصدر السابق. ص 30/31).
ولم ينس فهد، وهو يسجل وثيقة الميثاق الوطني للحزب الشيوعي العراقي أن يثبت مسألتين مهمتين بشأن القضية الفلسطينية والطبيعة العدوانية للصهيونية، حين أشار فيه إلى:
” 13- (أ) نناضل في سبيل التقارب والتعاون السياسي بين الشعوب العربية، بين أحزابها وجماعاتها السياسية الديمقراطية من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية لفلسطين والأقطار العربية المستعمرة والمحمية، ومن أجل استكمال استقلال العراق وسوريا ولبنان ومصر، ضد الصهيونية وضد الدول المستعمرة مباشرة أو عن طريق المعاهدات والانتداب والحماية للبلاد العربية، وضد محاولات اعتداءات استعمارية جديدة وضد تثبيت النفوذ الأجنبي بأي شكل كان في البلاد العربية.
15- نناضل في سبيل التعاون الاقتصادي بين الأقطار العربية من أجل المحافظة على ثروات بلادنا واستخدامها …، وضد الهجوم الصهيوني الاقتصادي ” (نفس المصدر السابق. ص 30/31 ).
إذن كان موقف الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد حتى صدور قرار تقسيم فلسطين واضحاً لا غبار عليه بأي حال من الأحوال ، بل يمكن القول بأنه كان من أنشط القوى السياسية العراقية الواعية التي وقفت إلى جانب الشعب الفلسطيني. وفي عام 1947 صدر قرار مجلس الأمن الدولي بالموافقة على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود بحجة أن العيش المشترك بين اليهود والعرب لم يعد ممكناً وأن لليهود حق في العيش في دولة مستقلة في قسم من الأراضي الفلسطينية ، أي الموافقة على إقامة دولتين على أرض فلسطين. ولم يكن القرار ذاته غير عادل وجائر فحسب، بل وكان غير عادل في تقسيم مساحة الأرض بين الأكثرية العربية والأقلية اليهودية لصالح الأقلية. إذ بلغت حصة اليهود، وهم أقلية، 56،5% من أخصب الأراضي الفلسطينية، في حين كانت حصة عرب فلسطين 43،5%، وهم الغالبية العظمى من سكان فلسطين. (بطاطو، حنا د. العراق. الحزب الشيوعي العراقي. الكتاب الثاني. ص 255).
وكان الاتحاد السوفييتي من الدول الدائمة العضوية التي وافقت على هذا القرار. وسبب هذا الموقف إشكالاً وارتباكاً عند الشيوعيين العراقيين وعند بقية الشيوعيين في العالم العربي. وكان الإشكال أكبر عند الشيوعيين اليهود في العراق الذين وقفوا بحزم ضد إقامة دولة عبرية على أرض فلسطين وساندوا قيام دولة واحدة على هذه الأرض.
أشرت إلى أن الشيوعيين العراقيين لم يغيروا موقفهم من القضية الفلسطينية بمجرد صدور قرار التقسيم وموافقة الاتحاد السوفييتي عليه. وكان فهد أول من استقبل هذا الموقف بالاستغراب. وعلى هذا الموقف توجد الكثير من الأدلة الواضحة. كتب زكي خيري يقول: “كان الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه يثقف أعضاءه وجماهيره ضد الوطن القومي لليهود وضد الصهيونية التي نمت وترعرعت تحت رعاية الإمبريالية. وكان تثقيفه هذا يسترشد بالماركسية اللينينية التي كانت تدين الصهيونية باعتبارها حركة انشقاقية تعزل العمال اليهود عن سائر العمال الذين يتعايشون معهم في بلدانهم وتضعهم تحت هيمنة رأسمالييهم. وكان استيطان اليهود في فلسطين يعني في الوقت ذاته اغتصاب الأرض من أصحابها الشرعيين الذين عمروها بدمائهم وعرقهم طوال أربعة عشر قرناً ولم يهجروا أراضيهم في فلسطين إلا بالإكراه. فبعد كل ذلك كيف يقدم الاتحاد السوفييتي على اعتبار المستوطنين اليهود من مختلف الأمم شعباً له الحق في تقرير المصير بما فيه إقامة دولة منفصلة على أرض الشعب الفلسطيني العربي المغتصبة بقوة السلاح البريطاني والانتداب البريطاني؟! حتى فهد لم يجد جواباً لهذا التساؤل! وقد جاءني على انفراد وسرني دهشته من ذلك قائلاً: – لا أدري كيف اعترف الاتحاد السوفييتي بدولة اليهود! وفيما بعد كتب فهد رسالة للحزب صرح فيها بصورة قاطعة أن المستوطنين اليهود جماعة من الناس لهم حقوق معينة باعتبارهم أقلية وليسوا شعباً يستحق تقرير المصير وإقامة دولة بأي حال من الأحوال. وقد جاءت هذه الرسالة بعد أن غير الحزب موقفه بما يتوافق مع رأي الاتحاد السوفييتي وصدرت خارج السجن وثائق حزبية تبرر الموقف السوفييتي تبريراً إيديولوجياً”. (خيري، زكي. صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم. ص 137).
وجاء في الرسالة التي كتبها فهد من سجنه في الكوت ووجهها إلى قيادة التنظيم خارج السجن، حول قرار التقسيم ما يلي:
“أما عن قضية فلسطين فلم نتوصل إلى أكثر مما توصلتم إليه عدا شيء واحد هو ذكركم لقومية يهودية في فلسطين فهذا ربما كان غير صحيح فكل ما في الأمر أن الاتحاد ربما قال بوجوب الأخذ بنظر الاعتبار بضعة مئات الألوف من اليهود الذين سبق وأصبحوا من سكان فلسطين فهذا لا يعني أنهم قومية، فهذا لا يعني عدم الاهتمام بهم ومع هذا فليست هذه النقطة جوهرية بالموضوع. فموقف الاتحاد جاء نتيجة محتمة للأوضاع والمؤامرات والمشاريع الاستعمارية المنوي تحقيقها في البلاد العربية وفي العالم، فالمهم في الموضوع هو وجوب إلغاء الانتداب وجلاء الجيوش الأجنبية عن فلسطين وتشكيل دولة ديمقراطية مستقلة حل صحيح للقضية ومن واجبنا أن نعمل لهذا حتى الأخير ولكن إذا لا يمكن ذلك بسبب مواقف رجال الحكومات العربية ومؤامراتهم مع الجهات الاستعمارية فهذا لا يعني أننا نفضل حلا آخر على الحل الصحيح ونرى من الأوفق أن تتصلوا بإخواننا في سوريا وفلسطين وتستطلعوا رأيهم في تعيين الموقف”. (الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية في العراق. مصدر سابق. ص 232/233).
وفي كانون الأول/ديسمبر 1947، أي بعد أيام من صدور قرار التقسيم أصدر الحزب نشرة داخلية موجهة إلى كافة رفاق الحزب جاء فيها بشأن الموضوع ما يلي:
“لقد وفر موقف الاتحاد السوفييتي بخصوص التقسيم للصحف المرتزقة ومأجوري الإمبريالية فرصة لا التشهير بالاتحاد السوفييتي فقط، بل أيضاً بالحركة الشيوعية في البلدان العربية. ولذلك، فأنه يجب على الحزب الشيوعي تحديد موقفه من القضية الفلسطينية حسب الخطوط التي انتمى إليها والتي يمكن تلخيصها بالتالي:
1. إن الحركة الصهيونية حركة عنصرية دينية رجعية، ومزيفة بالنسبة إلى الجماهير اليهودية.
2. إن الهجرة اليهودية … لا تحل مشكلات اليهود المقتلعين من أوروبا، بل هي غزو منظم تديره الوكالة اليهودية … واستمرارها بشكلها الحالي … يهدد السكان الأصليين في حياتهم وحريتهم،
3. إن تقسيم فلسطين عبارة عن مشروع إمبريالي قديم … يستند إلى استحالة مفترضة للتفاهم بين اليهود والعرب … .
4. إن شكل حكومة فلسطين لا يمكنه أن يتحدد إلا من قبل الشعب الفلسطيني، الذي يعيش في فلسطين فعلاً، وليس من قبل الأمم المتحدة أو أية منظمة أو دولة أو مجموعة دول أخرى …
5. إن التقسيم سيؤدي إلى إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية في الدول اليهودية المقترحة ….
إن التقسيم وخلق دولة يهودية سيزيد من الخصومات العرقية والدينية وسيؤثر جدياً على آمال السلام في الشرق الأوسط.
لكل هذه الأسباب فإن الحزب الشيوعي يرفض بشكل قاطع خطة التقسيم”. (بطاطو، حنا د. العراق. الكتاب الثاني. مصر سابق. ص 257).

ويشير حنا بطاطو أيضاً إلى أن فهد قد وقف ضد الموقف الذي أرسله ، كما هو مشاع ومعروف ، يوسف إسماعيل حول قرار التقسيم والذي يتجاوز الموضوعية والحقائق التاريخية ، وطلب من الرفيق السجين الذي كان يقرأ تلك الرسالة بالتوقف عن الاستمرار بقراءتها ، باعتبارها رسالة غير موضوعية وذات اتهامات غير مبررة للأحزاب الشيوعية العربية. (نفس المصدر السابق. ص 259/260).
إذن الدراسة المتأنية للموقف تسمح لنا بالقول ، بأن الحزب الشيوعي لم يكن مجبراً على اتخاذ نفس الموقف الذي اتخذه الاتحاد السوفييتي كدولة وكحزب إزاء القضية الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي ، إذ كان يملك موقفاً صحيحاً وعادلاً إزاء كل القوميات والأقليات القومية والأديان في فلسطين أولاً ، ويمتلك ، كحزب شيوعي مستقل في بلد مستقل ، كل الحق في أن يتخذ الموقف الوطني والقومي الصحيح الذي يمس مصالح شعبه أو الشعوب العربية ، ومنها الشعب الفلسطيني ، من جهة أخرى. (يشير الصديق العزيز جاسم حلوائي بهذا الصدد إلى أن الحزب لم يكن مجبراً مسالة فيها نظر بالارتباط مع طبيعة العلاقة التي كانت قائمة حينذاك بين الأحزاب الشيوعية والحزب الشيوعي السوفييتي , وهو في هذا على حق أيضاً , إذ كان احتمال نشوء مشاكل له في إطار الحركة الشيوعية). ومن هنا كان إصرار فهد في البقاء على موقف الحزب الصحيح إزاء القضية الفلسطينية وذلك بإقامة دولة ديمقراطية مستقلة يتمتع فيها الجميع بالمساواة سليماً ومنسجماً مع توجهاته العامة. وكان فهد في هذا الموقف واضحاً ، كما كان في الوقت نفسه واضحاً عندما أشار إلى ضرورة استطلاع رأي وموقف الحزبين الشقيقين في كل من سوريا وفلسطين من المسألة والتشاور معهما بشأن الموقف. ولكن بعض الكوادر القيادية الشيوعية كان لها موقف آخر من هذه القضية، وخاصة أولئك الذين كانوا خارج الوطن، كما أن هؤلاء قد أثروا بهذا القدر أو ذاك على موقف الداخل، ومنهم زكي خيري، حيث كتب يقول، حول تبرير القبول بقرار التقسيم، ما يلي: “وكان لي شخصياً دور معين في هذا التبرير بعد خروجي من السجن. وكان الجذر الفكري لموقفي هذا هو الاعتقاد بأن كل موقف سياسي يتخذه الاتحاد السوفييتي هو موقف مبدئي وما علينا إلا أن نبحث عن هذا الأساس المبدئي لنفهمه وندافع عنه. وإذا لم نجد ما يبرر ذلك صراحة في التعاليم الماركسية اللينينية كان يأتي دور التأويل والتفسير المؤدي إلى التبرير. فكنا نخضع الأيديولوجيا للسياسة بدل العكس. وكان هذا هو نفس الجذر الفكري لأخطاء الحركة الشيوعية العالمية في المدة الأخيرة حيث كان المنظرون يبررون مواقف السياسيين. ولهذا الخلل الفكري علاقة بالاعتقاد بمعصومية القيادة السوفييتية وفي البدء معصومية ستالين وفيما بعد معصومية “القيادة الجماعية” التي لا يمكن أن يأتيها الخطأ! رغم ما جاء في رسالة لينين إلى أنيسه أرماند يقول فيها عن انجلز زميل ماركس في عمله: أنه لا يعتقد بأن انجلز كان معصوماً من الخطأ. وفي العديد من المناسبات كان يشير إلى ارتكاب السلطة أخطاء خرقاء وأن تكن أقل خراقة من أخطاء الدول الرأسمالية. ولكننا كنا نمر بهذه الأخطاء مرّ الكرام ولم نمارس النقد لأساتذتنا الأكثر تمرساً وخبرة وعلماً كما ينبغي للتلامذة الشيوعيين أن يفعلوا إزاء أساتذتهم وكما يقتضي الواجب الأممي” (خيري، زكي. صدى السنين .. . مصدر سابق. ص 137/138.
ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن الراحل زكي خير غالباً ما كان , وعلى مدى عقود كثيرة , يستخدم كتابات ماركس وانجلز ولينين , وقبل ذاك ستالين للمحاجة باعتبارها مقولات صادقة صائبة ولا يأتيها الباطل أبداً. وكثيراً ما دخل بصراعات حادة مع رفاقه في الحزب وفي القيادة بسبب هذا الأسلوب الذي مارسه في الحوار. لقد كان الرفيق زكي خيري غالباً ما يتناطح بالمقولات المجتزأة من سياقها التاريخي لكلاسيكيي الماركسية ليبرهن على قضايا حوارية آنية. ك. حبيب).
لم تأت موافقة الحزب على قرار التقسيم عن قناعة تامة ، بل صدر عن قناعة أخرى , أي لا بد أن تكون لدى السوفييت مبررات واقعية لمثل هذه الموافقة على قرار التقسيم ، وبالتالي يفرض الموقف الأممي الموافقة عليه أيضاً. وبمعنى آخر فرض الواقع نفسه عملياً على الجميع ، ولكنه أكد أن قيام دولة لليهود في القسم الذي خصص لليهود وعدم قيام دولة عربية في القسم الذي خصص للعرب سيؤدي إلى ضياع فلسطين كلها ، ولهذا فأن القبول بإقامة دولة فلسطينية عربية على أرض فلسطين من ناحية كون القرار لم يعد قابلاً للتغيير مسألة منطقية وضرورة لا غنى عنها ، حتى من منطلق ومنطق الرفض لقرار التقسيم. لا شك في أن النظر إلى موقف الحزب الشيوعي العراقي من قرار التقسيم حينذاك يختلف عن النظر إليه في هذا اليوم. فعدم الموافقة على قرار التقسيم من جانب الحكومات العربية ، التي لم تكن كلها مخلصة في رفضها لقرار التقسيم والتي لم تكن كلها مستعدة للقتال في سبيل قضية فلسطين أو في سبيل مجابهة القرار فعلياً ، والتي كان بعضها متواطئاً حول القضية برمتها ، قد أدت كلها إلى حرب غير متكافئة بسبب الإسناد غير المحدود الذي حصلت عليه القوى الصهيونية المحاربة في إسرائيل من قبل الدول الاستعمارية ، وخاصة بريطانيا والولايات المتحدة ، ولم تحصل على ما يقابله من دعم من الاتحاد السوفييتي ودول الديمقراطيات الشعبية حينذاك. كما لعبت خيانة العديد من الحكام العرب والأسلحة الفاسدة وغيرها دورها في تعطيل قدرة الكفاح العربية للوحدات العسكرية التي أرسلت إلى فلسطين ، وساعدت على إنهاء الحرب لصالح إسرائيل. وبالتالي ، قامت الدولة الإسرائيلية ولم تقم الدولة العربية الفلسطينية. والشعب الفلسطيني يحصد اليوم نتائج تلك السياسات والمواقف. واتخذت السلطات العراقية من موقف الحزب الشيوعي العراقي حجة لشن حملات ظالمة لتصفية الحزب الشيوعي العراقي ، واتخذته مبرراً غير مباشر لتنفيذ جريمة الإعدام بحق فهد ورفاقه حازم وصارم ويهودا صديق وساسون دلال ، كما ساهمت بتأجيج الرأي العام العربي ضد الحزب ، بحيث كانت الحملة لوقف عملية تنفيذ الإعدام بحق قادة الحزب الشيوعي العراقي فهد وحازم وصارم ويهودا صديق في شباط من العام 1949 ضعيفة حقاً. ولكن هذا الموقف لم يفهم بالصورة الصحيحة ولم يلعب الحزب الشيوعي العراقي دوره المناسب ولم يمنح الفرصة الكافية في حينها لتوضيح موقفه من التقسيم. وفي حمى الصراع حينذاك اتخذ الأمر وكأن الحزب الشيوعي مع التقسيم وبقية القوى السياسية العربية ضد التقسيم. وهو أمر أساء كثيراً لعلاقة الحزب بالقوى القومية والإسلامية التي تلقفت الموقف لتبرير صراعها وكرهها الدائم للشيوعية والشيوعيين حينذاك ، خاصة وأن الحركة الشيوعية العالمية كانت قد أيدت قرار التقسيم ووقفت إلى جانبه من منطلق معاناة اليهود في ألمانيا من عمليات الإبادة الجماعية في معتقلات النازية ، رغم أن هذا لم يكن مبرراً أيضاً ، إذ أن جريمة النازية البشعة ذات الخلفية العنصرية والمعادية لليهودية خصوصاً والسامية بشكل عام والقائمة على إيديولوجية مناهضة لكل الشعوب كانت قد توجهت بحقدها لا ضد اليهود والغجر والسلافيين حسب ، بل وضد الشيوعيين والاشتراكيين والديمقراطيين والمسيحيين المناوئين للنازية أيضاً. ولا شك في أن موقف الحزب الشيوعي السوفييتي إزاء التقسيم حينذاك لم يكن سليماً ، إذ كان في مقدوره الرفض وعرقلة التقسيم حينذاك لإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية تجمع العرب من مسلمين ومسيحيين ويهود سوية. كما أن الحجج التي قدمت حينذاك لم تكن موضوعية ولا مبررة للموافقة على قرار التقسيم.
نهاية الحلقة ونهاية الحلقات في آن واحد
أقدم شكري الجزيل للصديق العزيز والأستاذ الفاضل الدكتور سيّار الجميل الذي أتاح بمبادرته الفرصة لخوض مثل هذا الحوار الشيق الذي ساعدني على معرفة الكثير وتعلم الكثير وأرجو لمثل هذا الحوار أن يكون نموذجاً لحوارات لاحقة , إن تسنى لنا مواصلته في فترة أخرى. وأني على استعداد كامل لسماع رأيه القيم حول ما قدمته. وأعتذر إن كان قد صدر عني ما يمكن أن لا يكون مناسباً للموقع العلمي للأستاذ الفاضل سيّار الجميل ودوره المتميز في الثقافة العراقية والعربية وفي النضال من أجل مجتمع مدني ديمقراطي حديث.
كاظم حبيب
5/2/2008