الرئيسية » مقالات » أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟الحلقة الثامنة

أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟الحلقة الثامنة

الحزب الشيوعي العراقي والعروبة
الموقف من العروبة في سياسات الحزب الشيوعي العراقي
ابتداءً لي عتاب أخوي مخلص مع صديقي الفاضل الأستاذ الجميل , رغم أهمية الثقة المتبادلة بين الناس , وخاصة بين الأصدقاء , لا يمكن الاعتماد على قول لمفكر لبناني واحد أشار قبل عشرين عاماً برأي مفاده , كما ورد في الحلقة الثانية من حلقات الدكتور الجميل بتاريخ 15/12/2007 ومنشورة على موقعه الخاص : “إن الشيوعيين العراقيين وحدهم يختلفون عن كل الحركات الشيوعية العربية , فهم وحدهم لهم موقفهم المضاد من (العروبة)…” , إذ كان عليه , كما أرى , أن يعود إلى خمسة مصادر , قبل التصريح بذلك , وهي:
1. كتابات وتقارير مؤتمرات وكونفرنسات واجتماعات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وصحافته , إضافة إلى مواقفه العملية.
2. كتابات المثقفين الشيوعيين على امتداد العقود المنصرمة.
3. تقارير واجتماعات وخطب ممثلي الأحزاب الشيوعية في الدول العربية في الاجتماعات واللقاءات المشتركة لهذا الحزب وعلى المستوى الدولي.
4. الكتب التي صدرت عن باحثين عرب وغير عرب على الصعيدين العربي والدولي التي تبحث في سياسات ومواقف الحزب الشيوعي العراقي , ومنهم الأستاذ الباحث والأكاديمي الراحل حنا بطاطو في كتابه الموسوم “الطبقات الاجتماعية القديمة والحركة الثورية في العراق” الصادر بالإنجليزية في العام 1982 وترجم إلى العربية في العام 1992 وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية ببيروت بثلاثة أجزاء تحت عنوان “العراق”. (حين أشير إلى أحد الباحثين فلا يعني هذا أن ما كتبه ينبغي أن يؤخذ كما هو , ولكن يعني أني متفق معه في ما أشار إليه بصدد موضوع البحث. ولا يتعارض هذا مع احتمال اختلاف باحث آخر مع تلك الفكرة التي أيدتها. بالنسبة لي أجد الكثير مما يمكن أن يتطور في أبحاث الكاتب الراحل حنا بطاطو , ولكن هذا الإنسان العلمي الراحل بذل جهوداً كبيرة وأنجز عملاً علمياً متقدماً لم ينجز من غيره قبل ذاك , وهذا وحده يستحق أن نحترم ما كتبه دون أن يعني ذلك أننا نتفق مع كل ما كتبه , إذ أن فيه ما يستوجب التطوير والإغناء والتغيير).
5. الاتصال بالشيوعيين العراقيين والاستفسار منهم عن موقفهم إزاء العروبة أو القضايا العربية بهدف التدقيق في ما ادعاه الأخ اللبناني.
ولنبدأ الآن بمعالجة الموضوع.
أدرك من معرفتي بموقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية العربية والعروبة أن هذا الموقف لا يحتاج إلى دفاع , بل يستوجب التوضيح لمن لم يطلع على سياسة الحزب الشيوعي العراقي في هذا الصدد وعلى مواقفه العملية وحصول تشويهات كثيرة على هذا الموقف من قوى سياسية مختلفة. ولي الثقة بأن هذا التوضيح سيشارك في إجلاء واقع هذه السياسة والموقف من العروبة ويقنع صديق بصحة ما أشير إليه.
لا بد أن أبدأ بتوضيح هذه السياسة منذ العقد الأول لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي وبما هو متوفر تحت تصرفي من أدبيات الحزب الشيوعي العراقي.
في العام 1943 نشر يوسف سلمان يوسف (فهد) سكرتير عام الحزب الشيوعي سلسلة مقالات عن الوحدة العربية والاتحاد العربي وعن موقف الشيوعيين من الاتحاد العربي ..الخ في جريدة القاعدة , جاء في مقدمتها النص التالي:
“منذ الانقلاب الدستوري الذي حدث في الدولة العثمانية، أي منذ إسقاط الحكم الأوتوقراطي المتمثل في السلطان عبدا لحميد (1908) واستخلافه بأخيه السلطان محمد رشاد المقيد بالدستور وبمجلس المبعوثان، كانت الحركات الوطنية التي قام بها شباب العرب وزعماؤهم وسياستهم في الآستانة وفي مختلف الأقطار العربية، حركات تستهدف نهضة البلاد العربية عامة وانبعاثها الثقافي والسياسي الخ.. وإن بدا على بعض الجمعيات والنوادي العربية صبغة إقليمية إلا أن الحركة بصورة عامة كانت بجوهرها وحتى بشكلها حركة عربية تهم مباشرة أهم الأقطار العربية التي كانت آنذاك تحت سيطرة الأتراك، وأعني بها العراق والحجاز وسوريا بما فيها فلسطين وشرق الأردن. وكانت النوادي والجمعيات التي أنشئت في الخارج تضم العراقي إلى جانب السوري والفلسطيني والحجازي والمصري. وفي الحرب الإمبريالستية الأولى (1914 – 1918) أخذت الحركة العربية شكلها القومي الواضح (بالنسبة للعرب) وذلك عندما أنضم قادتها المعروفون برجال النهضة العربية إلى جانب الحلفاء مؤملين أن يحققوا بمساعدة الإنكليز استقلال البلاد العربية -الحجاز، العراق، سوريا وفلسطين- وإيجاد حلف بينهما عن طريق شريف مكة (المغفور له الملك حسين بن علي) وأولاده الأمراء فيصل وعبد الله وعلي، ملوكا على هذه الأقطار. وهكذا أطلق الملك حسين في 9 شعبان رصاصته الأولى معلنا ، باسم العرب، الثورة على خليفة المسلمين، أي الثورة على الأتراك المستعمرين للأقطار العربية آنذاك، وأعتبر 9 شعبان، اليوم الذي أطلقت فيه تلك الرصاصة عيدا وطنيا للعرب يعرف بعيد النهضة العربية”. (فهد. الوحدة العربية والاتحاد العربي. مؤلفات الرفيق فهد. من وثائق الحزب الشيوعي العراقي. سلسلة رقم (6). مطبعة الشعب. 1973. ص 5/6).
وفي مقال بعنوان “الشيوعيون والاتحاد العربي” كتب يقول:
“لم يكن الشيوعيون أقل حماساً ورغبة صادقة لفكرة التقارب والتعاون فيما بين الأقطار العربية لذلك اجتمع مندوبون من مختلف الأحزاب الشيوعية العربية في خريف 1935 ودرسوا هذه القضية من جميع وجوهها فتبين للمجتمعين أن شعار الوحدة العربية غير عملي لما بين الأقطار العربية من فروق في التطور وشكل الحكم والظروف الداخلية الخاصة … كما أن ملوك العرب وأمراءهم الحاليين ليسوا مستعدين للتنازل عن ملكهم لواحد منهم ولإدماج أقطارهم في دولة واحدة كبيرة , لذا ارتأى مندوبو المؤتمر الشيوعي العربي عدم الأخذ بشعار الوحدة العربية واستبداله بشعار عملي ممكن التطبيق ومناسب للظروف التي كانت تجتازها آنذاك البلاد العربية (سنة 1935) وهذا الشعار هو الاتحاد العربي. أي أن يتألف اتحاد عربي اختياري من الأقطار العربية المستقلة , على أن لا يمس ذلك الاتحاد شكل الحكم السياسي الذي اختاره ويختاره كل من الأقطار العربية وعلى أن يساعد الاتحاد العربي الأقطار العربية غير المستقلة على نيل استقلالها”. (نفس المصدر السابق).
وتحت عنوان: الاتحاد العربي الذي تنشده الشعوب العربية” كتب فهد ما يلي:
“1. أن يكون الاتحاد العربي اتحادا اختياريا للشعوب العربية لا اتحاد ملوك العرب وأمرائهم والطبقات الحاكمة.
2. أن يستمد هذا الاتحاد قوته من مصدرها الحقيقي من الشعب العربي بكافة طبقاته ومن الحركة الديمقراطية العالمية.
3. أن يضم الأقطار العربية ذات السيادة الوطنية والكيان الدولي المعترف به من كبريات دول الأمم المحبة للحرية كالاتحاد السوفييتي والصين.
4. أن يضم الأقطار العربية التي تمارس النظام الديمقراطي بالفعل لا بالادعاء.
5. أن لا يكون الاتحاد العربي موجها ضد أمة من الأمم المنضمة إلى جبهة الأمم المتحدة (أي أن لا يكون سعد آباد (عربيا) وأن لا يكون أداة بأيدي دولة أو دول استعمارية وأن لا يستهدف نوايا توسعية وطنية (شوفينية) اعتدائية.
6. أن يفرض على حكومات الأقطار المنضمة إلى الاتحاد العربي السير على سياسة عملية وسريعة لرفع مستوى الشعب والبلاد الاقتصادي والاجتماعي والصحي.
7. أن يضمن كل قطر يرغب في الانضمام إلى الاتحاد العربي الحقوق المتساوية التامة للأقليات القومية في ذلك القطر ومساعدة تلك القومية في تنمية ثقافتها القومية والثقافة العامة والمحافظة على تاريخها القومي ولغتها وآثارها التاريخية إلى أخره”. (المصدر السابق. ص 21/22).
ثم يعالج فهد مسألتين مهمتين في إطار القضايا العربية حين كتب يقول بشأن اقتطاع تركيا جزءاً مهماً من الأرض السورية. وبعد أن يستعرض فهد مواقف وادعاءات ومتاجرة الحكام العرب بفكرة الوحدة العربية وعدم تمكنهم من مساندة القطر الشقيق سوريا عند اعتداء تركيا عليها واقتطاع جزء كبير من أرض الوطن السوري (الاسكندرونة وإنطاكية)، يقول: “ومع ذلك احتكروا شعارها وجعلوه “ماركة مسجلة” باسمهم وجعلوا من 9 شعبان اليوم الذي أطلقت فيه الرصاصة الأولى معلنة الثورة على الأتراك في سبيل استقلال البلاد العربية، عيداً كالأعياد الدينية التي فهم الناس سبب منشئها الأصلي” (نفس المصدر السابق. ص 11/12). ثم لا يتردد فهد في الإشارة إلى انصراف رجال السياسة في العراق عن فكرة الاتحاد العربي إلى الأسباب التالية: “تثبيت كيانهم الطبقي، وتثبيت كيان العراق كدولة بطريقتهم الخاصة، أي بالطريقة التي تمليها عليهم مصالحهم الطبقية الوقتية، تجنب الاصطدام مع الاستعمار الذي ينظر إلى الاتحاد العربي كفاتحة لضياع نفوذه ومصالحه في الأقطار العربية، الانحطاط الصناعي في الأقطار العربية وعجزها عن سد حاجة السوق الداخلية، واعتمادها في التصدير والاستيراد على الأقطار الأجنبية المهيمنة سياسيا على الشركات الأجنبية الموجودة داخل البلاد”. (نفس المصدر السابق). كان كل هذه الكتابات في العام 1943. وفي العام 1944 وردت في الميثاق الوطني للحزب الشيوعي العراقي , الذي اقره المؤتمر الوطني الأول للحزب , النصوص الثلاثة التالية عن الموقف من القضايا العربية:
“13- (أ) نناضل في سبيل التقارب والتعاون السياسي بين الشعوب العربية , بين أحزابها وجماعاتها السياسية الديمقراطية , من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية لفلسطين والأقطار العربية المستعمرة والمحمية , ومن أجل استكمال استقلال العراق وسوريا ولبنان ومصر , ضد الصهيونية وضد الدول المستعمرة , مباشرة أو عن طريق المعاهدات والانتداب والحماية للبلاد العربية , وضد محاولات واعتداءات استعمارية جديدة وضد تثبيت النفوذ الأجنبي بأي شكل كان في البلاد العربية.
(ب) نناضل في سبيل إيجاد حلف شريف , أداة تنفيذ لهذه الغايات.
14. نناضل في سبيل التعاون الاجتماعي بين شعوب البلاد العربية بين منظمات العمال والمثقفين والطلاب في البلاد العربية , من أجل تقوية التنظيمات الشعبية وتوحيد جهودها , من أجل رفع مستوى الشعور الوطني , من أجل ممارسة الحريات الديمقراطية كافة , من أجل رفع مستوى الشعب الاجتماعي والاقتصادي والصحي والثقافي , ضد التيارات والمفاهيم والدعايات الاستعمارية المغرضة ضد أساليب الحكم الاستبدادية اللادمقراطية”.
15. نناضل في سبيل التعاون الاقتصادي بين الأقطار العربية من أجل المحافظة على ثورات بلادنا وتنميتها واستخدامها لرفع مستوى البلاد العربية الصناعي والزراعي ولغرض سعادة ورفاه شعوب البلاد العربية من أجل رفع الحواجز الكمركية , وتسهيل وسائط النقل والتبادل التجاري , ضد شركات الاحتكار الأجنبية ومصارفها وضد الهجوم الصهيوني والاقتصادي”. (فهد. كتابات الرفيق فهد. من وثائق الحزب الشيوعي العراقي). بيروت. دار الفارابي. بغداد. الطريق الجديد. حزيران 1976. ص 136).
وقد ورد في تقرير الكونفرنس الحزبي الثاني الذي عقد في أعقاب استعادة الحزب لوحدته في أيلول/سبتمبر من العام 1956 ما يؤكد صواب موقف الحزب الشيوعي العراقي وتطوره المستمر من العروبة , إذ جاء فيه بهذا الصدد ما يلي:
“1 – إن الأرض التي يقطنها الشعب العربي في العراق و هي جزء لا يتجزأ من أرض العروبة وأن الشعب العربي في العراق جزء لا يتجزأ من كل الأمة العربية التي مزقتها المؤامرات الاستعمارية , فالأمة العربية هي أمة واحدة تمتلك جميع الخصائص القومية للأمة الواحدة”. ثم يؤكد التقرير ما يلي:
” 4 – إن الطريق إلى الوحدة العربية ينفتح على أساس زوال الاستعمار عن العالم العربي وتحقيق الإصلاحات الديمقراطية. وأن كل تعاون بين الأقطار العربية على أساس معاد للاستعمار وبعيد عن نفوذه وتدخله وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية خطوة إلى أمام في طريق الوحدة العربية المنشودة”
وبشان القضية الفلسطينية ورد ما يلي:
” 8 – إن ما يطالب به العرب اليوم , كخطوة مهمة في سبيل تسوية سلمية ديمقراطية عادلة لمشكلة فلسطين وهو تنفيذ قرارات الأمم المتحدة. هذه القرارات التي أيدتها 29 دولة آسيوية وأفريقية في مؤتمر باندونغ والتي رفضتها إسرائيل بتحريض من الاستعمار , بغية حمل العرب على الرضوخ للأمر الواقع”. (راجع: يوسف, ثمينة ناجي و خالد , نزار. سلام عادل. سيرة مناضل. جزء أول. مقتطفات من وثيقة الكونفرنس الثاني. دار المدى للثقافة والنشر. دمشق. ط 1. 2001. ص 138/139.)
كما عالج التقرير المسألة الكردية بشكل سليم , ولكني لست بصددها في هذا المقال.
هذا كان في البدايات. ولكن تواصل هذا الموقف فيما بعد أيضاً وتجلى في مشاركة الحزب الفعالية والدور المميز في قيادة انتفاضة تشرين 1956 ضد العدوان الثلاثي على مصر بعد صدور قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس وإدانة الشعب العراقي كله لهذا العدوان ودعم نضال الشعب المصري وحكومته الوطنية.
وشارك الحزب الشيوعي في صياغة موقف جبهة الاتحاد الوطني إزاء الموقف من حركة التحرر الوطني العربية. وفي العام 1958/1959 اتخذ الحزب الشيوعي موقفاً واضحاً وطرح موضوع الاتحاد مع مصر وسوريا باعتبارها الصيغة الأفضل والأنسب للمرحلة من التلاعب بعواطف الناس وطرح شعار الوحدة الذي لا تتوفر ظروف تحقيقه حينذاك وبأي حال من جانب القوى القومية والبعثية , والذي لم تحققه هذه القوى حين وصلت إلى السلطة بانقلاب عسكري دموي في العام 1963 أو في انقلاب عبد السلام محمد عارف في تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام , رغم كل الاتفاقيات الشكلية التي وقعت , بل ساهمت الحكومتان على التوالي في المزيد من عدم الثقة والتباعد بين الدول العربية وأكثر من أي وقت مضى. ولم تكن سياسة البعث في فترة حكم البعثيين الثاني بأحسن من سابقاته بصدد الوحدة العربية , ومنها موقف هذا النظام من غزو الكويت والإساءات التي لحقت بفكرة الوحدة العربية من جراء هذا العدوان الجنوني لنظام سياسي فاشي ودموي.
واصل الحزب الشيوعي العراقي موقفه من قضية العروبة الذي أقيم على أسس من التفكير العقلاني الهادئ وقلب دافئ على الأمة العربية وقضاياها المصيرية. وتجلى طيلة سنوات الستينيات وفي المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الذي عقد في 4-6 أيار/مايس 1976 حين ورد في الفصل الثاني عشر من برنامج الحزب سبع نقاط مهمة نشير فيما يلي إلى الأولىى منها لأنها تكثف الموقف من العروبة بشكل عام.
“1. إن أعداء حركة التحرر والوحدة القومية العربية , هم الإمبريالية والصهيونية والقوى الرجعية في البلاد العربية. ومن هنا فأن التحرر من الاستعمار القديم والجديد وإقامة أنظمة تحررية وطنية , والسير في طريق تصفية مصالح الإمبريالية , والطبقات الرجعية , هو نقطة البدء في الطريق نحو الوحدة. لذلك يكتسب التضامن الكفاحي العربي ضد هذه القوى أهميته الخاصة ولاسيما اللقاء والتعاون بين جميع القوى الوطنية والتقدمية داخل كل بلد عربي , وعلى نطاق الوطن العربي كله”. (راجع: وثائق المؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي العراقي. بغداد. منشورات طريق الشعب 8. مطبعة الرواد. 1976. ص 163)
وجميع المؤتمرات اللاحقة لهذا الحزب قد كانت على نفس هذا التوجه العام والسليم إزاء العروبة وقضايا الأمة العربية والتي يمكن العودة إليها في وثائق الحزب الرسمية.
هذا على مستوى الوثائق والأدبيات بشكل مكثف. أما على المستوى العملي والنضال الفعلي فيمكن العودة إلى مواقف قوى اليسار العراقي عموماً , وبضمنهم الحزب الشيوعي العراقي , من أول زيارة قام بها الشخصية الصهيونية البريطانية المعروفة السير الفريد موند , وفيما بعد اللورد بيلتشيت , إلى بغداد في 8 شباط/فبراير 1928 والمظاهرة الكبيرة التي نظمها الطلبة الديمقراطيون اليساريون حينذاك والتي شارك فيها زكي خيري وحسين الجميل وعبد القادر إسماعيل وغيرهم التي تصدت لها الشرطة بالضرب المبرح واعتقلت العديد منهم كما طردت مجموعة أخرى من الطلبة من مدارسهم. (راجع: خيري , زكي. صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم. ستوكهولم. 1994ز ص60-63. راجع أيضاً. جميل , حسين. العراق شهادة سياسية 1908-1930 لندن. دار اللام. 1987. ص 203).
ثم كان التأييد الحار للثورة الفلسطينية في العام 1936 و1939 رغم كل العراقيل التي كانت تضعها الحكومات المتعاقبة في طريق نشاط القوى الديمقراطية لتأييد القضايا العربية , ومنها بشكل خاص قضية فلسطين. وتجلى أيضاً في نشاطات الحزب الشيوعي العراقي الذي دعا إلى تأسيس عصبة مكافحة الصهيونية في العام 1946 والتي وافق عليها نوري السعي واعتبرها خطوة جيدة , ولكنها حلت واعتقل أصحابها وأحيلوا إلى المحاكمات (راجع في هذا الصدد: الراوي , عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية. وثائق ودراسات. دمشق. دار الجليل للطباعة والنسر. ودار وهران. ط 1. 1986. راجع أيضاً: الصافي , عبد الرزاق. كفاحنا ضد الصهيونية . منظمة التحرير الفلسطينية. راجع أيضاً: حبيب , كاظم د. اليهود والمواطنة العراقية. السليمانية. مؤسسة حمدي للطباعة والنشر. 2006).
ومع أني ابتداءً من المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي الذي عقد في العام 1993 ومروراً بالمؤتمرات السادس والسابع والثامن لم أحضرها بسبب استقالتي , فقد كنت متابعاً لتقارير اللجنة المركزية إلى تلك المؤتمرات أو القرارات الصادرة عنها أو البرامج التي أقرت فيها ويمكن لمن يشاء العودة إليها إذ أنها مطبوعة ومنشورة. وفي البرنامج الذي اقره الحزب الشيوعي في مؤتمره السابع بتاريخ 25-28 آب/أغسطس 2001 ورد بشأن القضايا العربية ما يلي:
” رابع عشر :
– معالجة الآثار المدمرة لحروب النظام والظواهر السلبية في العلاقات العربية والإسهام النشيط في النضالات المشتركة ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية والسياسات التوسعية الإسرائيلية والدفاع عن مصالح الشعوب العربية .
– تعزيز روابط الانتماء واللغة ووحدة الأرض والثقافة والوشائج الروحية وتهيئة المقومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتطلبها عملية قيام وحدة عربية على أسس ديمقراطية في سياق متدرج تأخذ بالاعتبار الواقع العربي الملموس وتعزيز دور الجامعة العربية في هذه المجالات.
– تنشيط العمل المشترك بين الأحزاب والمنظمات السياسية والثقافية والجماهيرية الوطنية التقدمية في العالم العربي من اجل الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتقدم الاجتماعي.
خامس عشر :
– إسناد الجهود والمساعي العربية المشتركة والهادفة لحل الصراع العربي الإسرائيلي على أساس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وتحرير جميع الأراضي العربية المحتلة.
– دعم كفاح الشعب العربي الفلسطيني لنيل حقوقه بالعودة وتقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على ارض وطنه.”
وفي المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي الذي عقد في العام 2007 جرى البحث في تطورات الوضع العربي والمشاريع الأمريكية ومنها مشروع الشرق الأوسط والموقف منها , وحول الصراع العربي الإسرائيلي , والحرب اللبنانية- الإسرائيلية الأخيرة ودور النظم العربية وهزالها إزاء ما يجري في المنطقة , وفي ظل استمرار وتفاقم العجز عن تنظيم مواجهة حقيقية لخطط الإدارة الأمريكية، تزايدت في العالم العربي المطالبة بـإطلاق الحريات العامة والديمقراطية للجماهير كي تتمكن من الدفاع عن استقلال بلدانها والتقدم على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية… إلا أن تلك المطالب المشروعة لم تجد استجابة لفترة من الزمن ، بل أن بعض الحكومات العربية استغلت بروز ظاهرة التطرف الديني ونشاط الجماعات السلفية ـ الأصولية التي تتمتع بمصادر تمويل سخية، كما استغلت الأجواء الهستيرية والإجراءات التي رافقت “الحرب ضد الإرهاب”، للتضييق على هامش الحرية النسبي في بلدانها. فيما رأت الأنظمة الدكتاتورية في ذلك، لاسيما نظام صدام، ما يبرر ويزكّي نهجها وأساليبها الوحشية وإيغالها في انتهاك حقوق الإنسان… ومن جانب آخر وإضافة إلى قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ظلت قضية العدالة الاجتماعية أيضاً في مركز اهتمام الرأي العام العربي في ظل الأوضاع المعقدة والصعبة القائمة.”
ولا بد من الإشارة إلى أن الحزب الشيوعي العراقي وقف في كافة الاجتماعات التي عقدتها الأحزاب الشيوعية في الدول العربية مع هذه الأحزاب موقفاً واضحاً وسليماً إزاء القضايا العربية ولم يشذ عنها ولم يطرح مواقف مناقضة أو مختلفة عن المواقف التي كانت تتخذها تلك الأحزاب. ويمكن الاستدلال عليها من خلال البيانات والقرارات الصادرة عن تلك الاجتماعات والتي وقع عليها الحزب الشيوعي العراقي كلها والتي كانت تبحث في القضايا العربية وقضية فلسطين. كما كان الحزب الشيوعي العراقي يتبنى ويطرح تلك المواقف في الاجتماعات الدولية للحركة الشيوعية العالمية.
لقد حاولت في هذه الإجابة والمقتطفات التي أوردتها أن أكون مكثفاً بصدد المسالة المثارة بما يسمح للصديق الجميل والقراء بالخروج بثلاث استنتاجات مهمة , وهي:
1. إن مواقف الحزب الشيوعي العراقي كانت منسجمة منذ البدء مع المصالح الأساسية للأمة العربية , سواء أكان ذلك بشأن قضايا التحرر , أم قضايا التعاون والتضامن والوحدة والاتحاد , أم قضايا الدفاع عن مصالح المجتمع العربي في مختلف أقطاره.
2. وأنه كان مبادراً في تطوير العلاقات النضالية مع الحركات الشعبية والأحزاب الوطنية والديمقراطية في الدول العربية من اجل تعزيز النضال المشترك للشعوب والقوى والأحزاب في الدول العربية.
3. وأن الادعاء الذي بشر به السيد اللبناني لم يستند إلى حقائق ووقائع مواقف الحزب الشيوعي العراقي التي تحت أيدينا.
إن هذا كله يسمح لي بان أتمنى على الصديق الفاضل الأستاذ الدكتور سيّار الجميل , الذي أكن له جل الاحترام والود والاعتزاز بصداقتنا الحديثة , وأرجو أن يعيد النظر بما أشار إليه في الحلقة الثانية بشأن موقف الحزب الشيوعي من العروبة , إذ أن ذلك الادعاء الذي روجه السيد اللبناني لا علاقة له بالحزب الشيوعي العراقي ولا بسياساته الفعلية.
لدي الإحساس بان البعض يعتقد بأن الإنسان إن كان ماركسياً في منهجه وأُممياً في نظرته إلى الشعوب كلها , يفترض أن يكون بعيداً عن القومية أو كارهاً لها. وهذا الموقف خاطئ من الأساس. الموقف الأممي لا يعني سوى الإحساس بالأخوة والمساواة والتضامن مع الشعوب الأخرى وعدم التمييز بين البشر على أساس القومية أو أي أساس آخر. والأممية لا تعني اتخاذ موقف مناهض من القومية التي ينتمي إليها الفرد , بل تعني احترام قوميته واحترام القوميات الأخرى على حد سواء , مع دفاعه المخلص عن قضايا قوميته وحريتها وحقوقها وسيادتها. إن احترام القوميات الأخرى ينبع من احترام الإنسان لقوميته , وما يريده لها من خير وسعادة وحرية ورفاهية وتقرير المصير , يريده لغيرها من القوميات ولا يحس بأي كراهية أو حقد أو عداء ضدها.
أن الموقف الوطني والقومي السليم يفترض أن يعترف للقوميات الأخرى بحقوقها ومصالحها ولا يسعى إلى غمط حقوقها أو تهميشها أو الإساءة إليها كما تفعل الجماعات الشوفينية والعنصرية الفاشية. ومع ذلك أشير إلى أن المشكلة لدى بعض العرب و وربما لدى حتى بعض القوى اليسارية والشيوعية , ومنهم السيد اللبناني ترتبط بقضية الشعب الكردي وموقف الحزب الشيوعي العراقي المبدئي منها , وهو موضوع الحلقة القادمة.
انتهت الحلقة الثامنة وتليها الحلقة التاسعة وتدور حول موقف الحزب الشيوعي من القضية من القضية الفلسطينية باعتبارها المسألة التي يدور حولها الصراع منذ أكثر من ستة عقود , ثم تليها الحلقة الخاصة بالموقف من القضية الكردية في العراق.

كاظم حبيب