الرئيسية » مقالات » أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة السابعة

أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة السابعة

الحزب الشيوعي وقوى اليسار في العراق

قوى اليسار في العراق
يشكل اليسار العراقي تياراً فكرياً وسياسياً متميزاً في نشاطه الفكري والسياسي والاجتماعي وواعداً رغم كل التقلبات التي عاشها العراق في القرن العشرات وبداية القرن الحادي والعشرين. وقد ساهم هذا التيار بوعي ومسئولية كبيرة في النضال التنويري والسياسي ومن أجل تغيير الواقع الذي كان أو لا يزال يعيش فيه العراق. وقد ارتبط الفكر اليساري العراقي ومنذ بداياته بالفكر الاشتراكي والنضال ضد التخلف والاستغلال والقهر القومي والاجتماعي وضد الهيمنة الأجنبية ومن أجل حرية الفكر وتحرير المرأة وحرية الفلاح وتقدمه.
بدأ التيار اليساري الحديث في العراق , كما تعرف أيها الصديق الكريم ويعرف الكثير من القراء أو المهتمين بالشأن العراقي, منذ نهاية العقد الثاني وبداية العقد الثالث من القرن العشرين. وفي حينها كانت الحركة السياسية العراقية وقد تأثرت بالنشاط السياسي لدول الجوار والعالم , ومنها الحركة التنويرية التي لم تتواصل في مصر طويلاً , ولكن كان لها إشعاعها على توابع الدولة العثمانية, والحركة المشروطية في إيران في العام 1906 , والحركة الدستورية وإعلان الدستور العثماني في في العام 1908, التي كان العراق جزءاً منها وتابعاً لها وتأثيرات ذلك على مجمل توابع الدولة العثمانية حينذاك , والأحد الدامي في روسيا في العام 1905 , ثم ثورة شباط /فبراير وأكتوبر/تشرين الأول 1917 التي هزت العالم وأطاحت بصواب الدول الرأسمالية وسمحت بنشر الوثائق السرية للدول الاستعمارية واتفاقاتها حول توزيع تركة الدولة العثمانية , فشُنت حرب التدخل لدعم القوى المضادة في الحرب الأهلية التي استمرت حتى العام 1921 , وأعقبت الثورة الروسية الثورة الألمانية في العام 1918 والثورة الهنغارية في العام 1919 وحركات ثورية واسعة في دول أوروبية أخرى حينذاك. لقد كانت بداية كبيرة لعصر جديد , فترة نهوض واسعة للشعوب , ومنها شعوب منطقة الشرق الأوسط , نازعة عنها رداء الخمول والكسل وساعية للتغيير. وتجلت في نشاطات كثيرة باتجاهات عديدة بضمنها حركة اليسار العراقي , رغم التخلف الذي كان عليه المجتمع في ظل الدولة العثمانية وصعوبة الحصول على الأخبار والمعلومات عما كان يجري في بقاع الأرض الأخرى. لقد كانت هناك روافد فكرية يسارية واشتراكية عربية وأوروبية كثيرة أثرت على بروز حركة الفكر اليساري والاشتراكي الجديد في العراق. فبرزت تلك الأفكار لدى حمدي الباججي ومزاحم الباججي في بداية حياتهما السياسية , ولكنها تبلورت بشكل واضح في مجموعة من الراحلين حسين الرحال ومحمود أحمد السيد وعبد الله جدوع ومحمد سليم فتاح وإبراهيم القزاز ومصطفى علي وعوني بكر صدقي وكمال صالح وفاضل محمد البياتي وغيرهم ممن شارك بعضهم في إصدار جريدة الصحيفة التي وضعت تركز اهتمامها بعملية التنوير الفكري الاجتماعي والتثقيف السياسي والدفاع عن مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة ومساواتها بالرجل وضد السيطرة الأجنبية والامتيازات. ونشطت مجموعة من الكتاب والمثقفين والشعراء لمبدعين الذين تمسكوا بقضايا التحرر والتقدم والديمقراطية مثل محمود أحمد السيد وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصاف , وأن كان الأخيرين قد اقترنت بقضايا وطنية عامة. وخاضت هذه المجموعة صراعاً فكرياً معقداً وصعباً في فترة كانت ما تزال تحمل بقايا التقاليد والإرث العثماني الفكري والسياسي والثقافي المتخلف , وفي دولة حديثة العهد ومتخلفة اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وثقافياً ومحتلة في آن واحد. ثم تنامت هذه الحركة الفتية بظهور جمهرة من المثقفين والمناضلين الديمقراطيين اليساريين الذين شاركوا في تكوين الحلقات الماركسية في نهاية العقد الثالث وبداية العقد الرابع من القرن العشرين في أكثر من مدينة عراقية , ومنهم يوسف سلمان يوسف وزكي خيري وعاصم فليح وقاسم حسن وعبد الوهاب الأين وعبد اللطيف الشيخ داود ويوسف إسماعيل ويوسف متي ومهدي هاشم وغيرهم. كما توهجت جماعات ديمقراطية إصلاحية ويسارية أخرى خلال تلك الفترة برزت تحت اسم “جماعة الأهالي” ضمت في صفوها يسار الوسط واليسار. وقد ضمت هذه المجموعة عدداً من المثقفين التي أصدرت في العام 1932 جريدة الأهالي وسميت المجموعة باسم الجريدة. كانت المجموعة الكبيرة تضم عبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد وحسين جميل وجميل توما ودرويش الحيدري ونوري رفائيل وعبد القادر إسماعيل , إضافة إلى الأستاذ الراحل كامل الجادرجي الذي استقال من حزب الإخاء الوطني والتحق بالمجموعة في العام 1933. وقد صدر عن هذه المجموعة كتاب الشعبية الذي لخص برنامجها والقضايا التي تناضل من أجلها وميزت نفسها عن الفصيل اليساري الآخر الذي شكل الحزب الشيوعي العراقي. وقد كان عبد الفتاح إبراهيم المبادر إلى وضع هذا الكراس في العام 1930/1931 , ثم أجريت عليه تعديلات وإضافات بالتعاون مع آخرين ليصبح المبادئ التي تعتمد عليها جماعة الأهالي في نشاطها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والذي سمي بكتاب “الشعبية”. لا شك في أن بين هذه المجموعة الكبيرة كانت مجموعة من اليساريين التي حملت الفكر الماركسي ومنهم عبد الفتاح إبراهيم وعبد القادر إسماعيل ونوري رفائيل وغيرهم , ولكنهم لم يكونوا في إطار الحركة الشيوعية حينذاك. وقد عمل الشخصية الوطنية العراقية المعروفة جعفر أبو التمن مع هذه المجموعة أيضاً الذي كان قبل ذاك يقود الحزب الوطني , الذي كان فهد في أوائل الثلاثينات عضواً فيه وممثله في الناصرية.
وفي العام 1934 تم تأسيس الحزب الشيوعي العراقي من الحلقات الماركسية في كل من بغداد والبصرة والناصرية وعناصر أخرى من العراق تحت اسم “لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار”. وكان يقود الحزب حينذاك عاصم فليح وكان فهد عضواً في قيادة الحزب. وصدرت للحزب جريدة باسم كفاح الشعب. وفي الأربعينيات من القرن الماضي , وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية برزت مجموعة من الأحزاب السياسية الوطنية ذات الوجهة اليسارية الإصلاحية مثل الحزب الوطني الديمقراطي , أو باتجاهات ماركسية مثل حزب التحرر الوطني , وكان الوجه العلني للحزب الشيوعي العراقي , وحزب النضال بقيادة الراحل الأستاذ عزيز شريف , وعصبة مكافحة الصهيونية وقوى أو كتل أو شخصيات سياسية ماركسية أخرى مثل كامل قزانچي على سبيل المثال لا الحصر. هذه القوى الديمقراطية واليسارية لعبت كلها دوراً مهما في النضال الوطني بعدة اتجاهات نشير إلى أبرزها فيما يلي لأهميتها:
1. دور التنوير الفكري والسياسي والاجتماعي في مجتمع معروفة لنا بنيته الاجتماعية ومشكلاته الاقتصادية والثقافية والتأثير السلبي للمؤسسات الدينية وشيوخ الدين عليه.
2. دور النضال في العملية السياسية من أجل مناهضة الاستعمار والأحلاف والقواعد العسكرية ومن أجل الاستقلال والسيادة الوطنية.
3. مكافحة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية التي سادت الريف والزراعة في العراق بشكل عام والتخلف الزراعي والطابع الكولونيالي للاقتصاد العراقي.
4. النضال من أجل إنهاء سيطرة الاحتكارات النفطية على اقتصاد النفط ووضعه في خدمة الشعب العراقي.
5. النضال من أجل مصالح الشعب الأساسية وظروف عمل الناس المنتجين وتحسين ظروف حياتهم وتحسين وتطوير وتوسيع الخدمات التعليمية والصحية وغيرها.
6. النضال ضد الفكر الفاشي والقومي الشوفيني والرجعي والتعصب والطائفية ومصادرة الحريات والحقوق الديمقراطية.
7. من أجل الاستجابة للحقوق القومية العادلة والمشروعة للشعب الكردي والحقوق الثقافية والإدارية للقوميات الأخرى.
8. النضال من أجل تحقيق التعاون والتضامن والاتحاد العربي بين الدول العربية ومساندة نضال الشعوب العربية في سبيل حريتها واستقلالها وسيادتها الوطنية.
9. وفي سبيل إقامة علاقات متوازنة مع المعسكرين الشرقي والغربي وممارسة سياسة عدم الانحياز والحياد الإيجابي.
من هنا يتبين بأن الحزب الشيوعي العراقي وقوى اليسار الأخرى والشخصيات اليسارية العراقية قد لعبت خلال فترات مختلفة منصرمة دوراً ريادياً في النضال من أجل التنوير السياسي والاجتماعي والتثقيف بقضايا النضال ضد الاستعمار والأحلاف والقواعد العسكرية ومن أجل انتزاع الثروة الوطنية , النفط الخام , وفي الربط العضوي بين النضال الوطني والنضال المهني لكل فئات الشعب وفي سبيل الاتحاد العربي والحقوق القومية للشعب الكردي. ويحق للحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية أخرى أن تعتز بأن جمهرة كبيرة جداً من المثقفين والديمقراطيين العراقيين قد ولجوا هذا الحزب وعملوا فيه وناضلوا من أجل حقوق الشعب ومصالحه , كما أن نسبة مهمة من مثقفي الأحزاب السياسية العراقية , سواء العربية منها أم الكردية أم الكلدان والآشوريين والأرمن والتركمان , كانوا أعضاء أو كوادر أو قياديين في صفوف الحزب الشيوعي العراقي أو أصدقاء قريبين منه جداً.

الحزب الشيوعي العراقي
كان لي شرف مواكبة النهوض الوطني العراقي والمشاركة في نضال الحركة الطلابية وحركة السلام والحزب الشيوعي العراقي في فترة مبكرة من حياتي السياسية التي بدأت في العام 1950. وتواصلت لعقود عديدة لاحقة. وهذا الواقع يسمح لي بالإجابة , كرأي شخصي , عن بعض الأسئلة التي طرحها الزميل الدكتور الجميل وهي لا تعبر عن وجهة نظر الحزب الشيوعي العراقي , إذ أني ومنذ العام 1993 لست عضواً فيه , كما أنها ليست مهمتي ولا أملك الصلاحية , كما أن من حق الحزب الشيوعي أن يجيب عن بعض تلك الأسئلة إن وجد ذلك مفيداً وضرورياً.
سأكون في إجاباتي صريحاً جداً وشفافاً ومقتنعاً كعادتي في ما أكتبه , ولا يتحمل غيري مسئولية ما أكتبه في هذه الصفحات أو في غيرها , ولا أدعي الصواب في كل الأفكار التي أطرحها , ولكنها تحمل ما توصلت إليه وما أعرفه من معلومات.

حول نضال الحزب الشيوعي وتقييم سياساته
اتفق مع الأستاذ الجميل في ما ورد في حلقته الثالثة وفي تلك الفقرة التي يتحدث فيها عن نضال الشيوعيين وقوى اليسار في العراق وعن معاناتهم الطويلة والاضطهاد الشديد الذي تعرضوا له والتضحيات الكبيرة التي قدموها على طريق النضال ضد الاستعمار والرجعية والتخلف ومن أجل حياة حرة وكريمة وسعيدة , والتجربة الغنية التي يمتلكونها بسبب هذا النضال والفترة الطويلة التي مرت عليه منذ تأسيسه في العام 1934. لقد كانت فتوة الحزب وحيوية مناضليه من النساء والرجال وإشراقة الأمل والتفاؤل الثوري بحياة سعيدة وجديدة للشعب العراقي بكل مكوناته وفئاته هي السمة المميزة لنضال تلك الجمهرة المتنامية من الشيوعيات والشيوعيين في العراق خلال عقود غير قليلة. وقد تحمل الشيوعيون وقوى ديمقراطية وتقدمية ويسارية أخرى غير قليلة شرف المشاركة في هذا النضال وتحقيق الكثير من المكاسب الحيوية للشعب وفي فترات مختلفة. ولكن هذه الفترة النضالية الطويلة لم تكن دون كبوات وعثرات وأخطاء , سواء من جانب الحزب الشيوعي العراقي أم من جانب القوى الديمقراطية الأخرى , ولكن بشكل أخص من جانب الحكام الذين هيمنوا على حكم العراق.
ولهذا لا أختلف مع الدكتور الجميل بشأن ارتكاب الحزب جملة من الأخطاء وبروز نواقص في مسيرة العمل والنضال وحصول انقسامات وانشقاقات أو حتى غلو في المواقف وخاصة في أعقاب ثورة تموز 1959 ورغبة غير ضرورية في المشاركة في السلطة الوطنية في أعقاب ثورة تموز التي شارك في تفجيرها وكان عضواً رئيسياً في جبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت في العام 1957 والتي دعت وعملت وساعدت وساندت انتفاضة الجيش في 14 تموز 1958 , ولكن أغفلت قيادة الانتفاضة العسكرية إشراكه في السلطة الجديدة بخلاف ما حصل مع بقية القوى السياسية التي شاركت في جبهة الاتحاد الوطني وبأكثر من وزير. وعلينا أن نقدر تأثير هذه المشكلة , لا من الناحية السياسية حسب , بل من الناحية النفسية , على حزب شارك طويلاً في النضال وقدم الشهداء ثم تغفل مشاركته في السلطة بعكس قوى جديدة تشكلت بعد عقود من وجوده على الساحة السياسية العراقية ثم تشارك في الحكم وبأكثر من وزير.
ومع ذلك فأنا أدرك تماماً , كما يدرك الصديق العزيز , بأن ليس هناك من حزب سياسي يعمل في الحقل السياسي وفي ظروف وأوضاع العراق المعقدة ولا يرتكب أخطاءً. ومن كان من القوى السياسية العراقية بلا خطيئة , فليرمي الحزب الشيوعي العراقي بحجر! أن الأخطاء التي ترتكب في الحقل السياسي تنشأ عن عوامل كثيرة , بما في ذلك مستوى الوعي العام في المجتمع وفي الحزب ونهج الاضطهاد ومحاولات الإقصاء وفقدان الكثير من الكوادر القيادية من ذوي الخبرة الجيدة والثقافة العالية …الخ. ولكن لدي الثقة الكاملة بأن أخطاء بعض الأحزاب الأخرى , وخاصة الأحزاب القومية , ومنها حزب الاستقلال وحزب البعث والقوى القومية , كانت أكبر وأكثر غلواً وتشدداً وبعضها أكثر فتكاً , كما أنها تميزت بنهج سياسي شوفيني وبعضها طائفي أيضاً. ولكن هذا لا يبرر بأي حال عدم الاعتراف بما ارتكبه الحزب الشيوعي من أخطاء في هذا المجال أو ذاك. ومن يتابع نشاطات وتقارير الحزب الشيوعي العراقي سيجد أنه قد سجل بجرأة ووضوح اعترافاً صريحاً بتلك الأخطاء في أكثر من تقرير وتقييم لمراحله النضالية السابقة. ولكن كان عليه أن يتجنب تكرار تلك الأخطاء.
لقد قيم الحزب الشيوعي العراقي سياساته في فترة حكم البعث وأدانها موضحاً أسباب قبوله بذلك التحالف وأسباب خروجه منه. ويمكن الإطلاع على ذلك التقييم الذي أصدره الحزب في الثمانينات. وقد شاركت مع المناضلة الراحلة الدكتورة نزيهة الدليمي والصديق العزيز الأستاذ عادل حبة في العام 1981 في وضع مسودته الأولى. ولكن لم يتقدم أي حزب سياسي آخر في العراق بنقد سياساته كما فعل الحزب الشيوعي العراقي , في ما عدا حزباً سياسياً آخر شارك مرة واحدة في توجيه النقد لتجربته هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة السيد مسعود بارزاني , الذي انتقد بعض جوانب سياسته في الاجتماع الذي عقد في العام 1976 , حين درس تجربة النضال والحكم والتحالف مع البعث والثورة الكردية للفترة 1970-1976 وقيم هذه التجربة بعد انهيار الحركة المسلحة بسبب التآمر الذي مارسه صدام حسين مع شاه إيران في اتفاقية الجزائر في العام 1975 ومشيراً إلى جوانب الخلل والخطأ في تلك السياسة. ويمكنني أن أشير للصديق الدكتور الجميل إلى جملة من التقارير التي شخص الحزب الشيوعي العراقي فيها الأخطاء التي ارتكبها ابتداءً من عام 1959 وفي العام 1967 ومن ثم في تقييم علاقته مع حزب البعث العربي الاشتراكي للفترة /19731972-1978/1979. واحتفظ في اغلب تلك التقارير والتقييمات في مكتبتي الشخصية.

الحزب الشيوعي العراقي والكومنترن
لا شك في أن الحزب الشيوعي العراقي بعد تأسيسه بفترة قصيرة انتمى إلى الحركة الشيوعية العالمية (الأممية الثالثة أو الشيوعية) التي كانت تتصدى لنهوض الفاشية على الصعيد العالمي وأصبح عضواً في (الكومنترن). واستمر في عضويتها حتى اتخاذ يوسف ستالين قراراً بحل هذا التنظيم الأممي والمركز الدولي للحركة الشيوعية العالمية في العام 1942. إلا أن الحزب الشيوعي العراقي وغالبية الأحزاب الشيوعية في العالم قد ارتبطت بوشائج وعلاقات قوية جداً , فكرية وسياسية , مع الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والذي اعتبر في حينها المركز الفعلي للحركة الشيوعية العالمية والقطب المناهض للاستعمار والاستغلال على الصعيد العالمي. وكان الحزب مؤيداً ومسانداً للحزب الشيوعي السوفييتي والدولة السوفييتية في آن. ولا شك في أن هذا الارتباط الفكري والسياسي , الناشئ عن قناعة لدى أحزاب المدرسة الماركسية – اللينينية , قد ألحق أضراراً غير قليلة بهذه الأحزاب فكرياً وسياسياً وخلق فيها اتكالية فكرية وقبولاً بكل اجتهادات الحزب الشيوعي السوفييتي باعتباره الأكثر معرفة ووعياً وخبرة وقدرة على التحليل , وبالتالي فهو الأصح دون غيره من الأحزاب , في حين كانت سياسات الحزب والدولة السوفييتية تنطلق من مصالحها الخاصة بشكل ملموس مع تأييد واضح لحركات التحرر الوطني من منطلق العداء للاستعمار والرأسمالية العالمية. لقد خلقت هذه العلاقة ذات الطابع الإيماني اتكالية فكرية وسياسية غير محدودة وغير حميدة , وكانت مؤذية للغاية ومعرقلة للمبادرة والإبداع الفكري والسياسي لبقية الأحزاب , ومنها الحزب الشيوعي العراقي , وبدت وكأنها تبعية فكرية وسياسية. لقد بحثنا موضوع الكومنترن وعضوية الحزب الشيوعي العراقي في هذه المنظمة الدولية بشكل موسع وبنظرة نقدية في كتاب مشترك (كاظم حبيب والدكتور زهدي الداوودي] الذي صدر في العام 2003 عن دار الكنوز الأدبية ببيروت تحت عنوان : فهد والحركة الوطنية في العراق [التفاتة نقدية إلى الوراء من أجل مستقبل أفضل]. وهي دراسة خاصة بنا نحن الاثنين تلخص دراستنا للمصادر وأحداث تلك الفترة والعلاقات الداخلية في ما بين الأحزاب واللجنة التنفيذية للكومنترن واستنتاجاتنا بشأنها , بصرف النظر عن مدى اتفاقها أو تعارضها مع وجهة نظر الحزب الشيوعي العراقي أو الشيوعيين العراقيين.
ولكن علينا جميعاً , ومهما كان نقدنا للدولة والتجربة السوفييتية صحيحاً وصادقاً , الاعتراف بأن الاتحاد السوفييتي , وعلى امتداد سنوات طويلة , قد وقف بقوة وإصرار إلى جانب القضايا العربية وحركة التحرر الوطني ودعم جهود شعوبها لتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وفي المحافل الدولية والإقليمية الأخرى , رغم أنه قد ألحق في الوقت نفسه أضراراً ملموسة من خلال علاقاته غير السليمة مع النظم الدكتاتورية والاستبدادية في العديد من الدول العربية التي كان يطلق عليها بالنظم الثورية , ومنها الحكم في العراق , وفي فترات مختلفة وعدم اهتمامه كلية بالقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في تلك الدول , بحكم مصالحه الخاصة والحرب الباردة التي كان يخوضها ضد المعسكر الرأسمالي في حينها. ورغم ذلك لا بد من القول بأن قيادة الحزب الشيوعي العراقي تبقى هي المسئولة عن رسم سياسات الحزب حينذاك بغض النظر عن مدى تأثير السوفييت عليها وعلى تلك السياسات.
علينا أن نعترف بجرأة ووضوح بأن الارتباط الفكري والسياسي بالمدرسة الماركسية – اللينينية تحت واجهة الأممية ومصالح الاشتراكية العالمية قد خلق إشكاليات كبيرة للأحزاب الشيوعية عموماً , ومنها الحزب الشيوعي العراقي , ومن بينها ذلك التركيز غير المحدود على كتابات ماركس وأنجلز ولينين وستالين , ومن ثم حين غاب ستالين واُنتقد بعد وفاته , حل محله في بعض الأحيان ولبعض القوى الماركسية ماو تسي توتغ , أو ليبقى الثلاثة الأوائل فقط زائداً مسئول الحزب المعني في هذا البلد أو ذاك , أي كانت الثقافة العامة لعامة الشيوعيين , وخاصة في الدول النامية , ومنها العراق , وحيدة الجانب وغير مفتوحة على الدراسات والأبحاث والكتب والأفكار والمناهج الأخرى أو حتى لقوى اليسار الأخرى , إلا من كانت له مبادرات شخصية ويسعى ذاتياً إلى تثقيف نفسه بصورة أوسع مما كان عليه ولسنوات طويلة في صفوف الحزب أو حتى في المدارس الحزبية في الدول الاشتراكية , وعددهم ليس قليلاً , وخاصة في صفوف المثقفين. إذ كانت توصف كتابات الكثير من هؤلاء الكتاب الماركسيين والمفكرين غير الشيوعيين بالتحريفية وأصحابها بالتحريفيين أو المرتدين. ولم يكن في مقدور أي حزب شيوعي أن يخرج على الخط السوفييتي , إذ سرعان ما كان يتهم بالتحريفية والارتداد عن الماركسية – اللينينية , كما حصل للحزب الشيوعي اليوغسلافي أو الحزب الشيوعي الإيطالي أو غيرهما من القوى والأحزاب السياسية الماركسية – اللينينية. وهذا ما حصل لبعض الشيوعيين العراقيين في فترات مختلفة أيضاً الذي تجرأ وانتقد السوفييت أو سياساتهم ومواقفهم. وفي أيامنا هذه , ورغم كل التجارب المريرة والدروس الثمينة , لا يزال البعض من هؤلاء الماركسيين – اللينينيين متشبثاً بل ومهووساً بترديد هذه المصطلحات البائرة وتوجيه الشتائم النابية لمن يفكر ويكتب بغير ما يفكر ويكتب هو , ناسياً هذا البعض أو غير منتبه ومهتم بالتحولات الهائلة الجارية على الصعيد العالمي وعلى المستويين الفكري والسياسي. لقد أشرت في أكثر من مقال أن سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي , الرفيق فهد , كان له خطابان مختلفان تماماً : خطاب وطني عراقي يعبر بصدق وحيوية وواقعية عن مشكلات العراق وعن المهمات التي تواجهه والتي يمكن أن يكتشفها الإنسان حال قراءة كتابات فهد , والخطاب السياسي الأممي الذي كان يعبر عن وجهة نظر السوفييت التي تبناها ويكتب تماماً كما كانوا يكتبون , فهو ليس خطابه الشخصي , رغم تبنيه , بل هو خطاب السوفييت ولكنه كان كما يبدو مقتنعاً به أيضاً. وهو بعيد كل البعد عن واقع العراق ومهماته , وإذ يتجلى الخطاب الأول في كراس البطالة وكراس مستلزمات كفاحنا الوطني أو مقالاته الافتتاحية حول الوضع في العراق والأقطار العربية , فأن خطابه الثاني قد تجلى في كراس فهد الموسوم “حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية” البعيد كلية عن الواقع العراقي , بل هو تجسيد للواقع الأوروبي.
إن الخطاب الوطني للحزب الشيوعي العراقي كان على امتداد عدة عقود أكثر التصاقاً بالواقع وبالناس وأكثر تدقيقاً لما يطرحه من موضوعات بالقياس مع القوى القومية والبعثية وأكثر تأثيراً في الناس وفي الفئات الاجتماعية المثقفة والفئات الكادحة في المدينة والريف وأكثر تعبئة لهم في النضال. وفي هذا أتفق مع تشخيص الزميل سيّار الجميل. وأرى أن هذا يعود إلى عامل الجهد الطيب نسبياً الذي كان يبذل من جانب الشيوعيين في دراسة الوضع في العراق وعلاقة الحزب بالمجتمع وفئاته المثقفة والكادحة في آن , كما أنه يعود إلى مضمون المنهج الذي كان يمارسه في التحليل وفي وضع سياساته.
هل من تجديد في التفكير الشيوعي العراقي؟

هذا هو السؤال الذي طرحه الأستاذ سيّار الجميل وأجاب عنه بقوله بأن الشيوعيين والماركسيين العراقيين لم يجددوا تفكيرهم السياسي. وهنا نحتاج إلى وقفة تدقيقية. كما أنه في مواقع أخرى شمل الكثير من الأحزاب الشيوعية بهذا الاستنتاج المماثل. من حيث المبدأ يفترض أن يأخذ الحزب الشيوعي العراقي على عاتقه مهمة الإجابة عن هذا السؤال , وكذا الأحزاب الشيوعية في الدول العربية. ومع ذلك سأسمح لنفسي ومن موقعي الفكري والسياسي المستقل أن أجيب عن هذا السؤال معبراً عن وجهة نظري الشخصية.
أتابع بعناية واستمرارية التحولات الجارية على فكر وسياسات وممارسات الأحزاب الشيوعية وقوى اليسار في العالم العربي والعالم. وأجد من غير الصائب إصدار الأحكام المطلقة من خلال القول نعم لقد تحقق التجديد في كل هذه الأحزاب , أو لا لم يتحقق أي تجديد فيها , سواء أكان ما يمس الفكر وطريقة التفكير أو ما يمس وضع وممارسة السياسة. فوفق المعلومات التي لدي فإن الواقع يشير إلى سعي الكثير من الأحزاب الشيوعية إلى ذلك , وبعضها مجبر لا بطل , ولكن الكثير منها لم يخطو خطوات جادة وضرورية في عملية التغيير والتجديد والتحديث فكراً وسياسة , إذ لا يزال مشدوداً إلى الماضي ولا يختلف عن أي سلفي آخر. ولكن البعض الآخر منها حقق نتائج إيجابية على طريق التجديد والتحديث.
وبشأن الدول العربية فقد كتبت في مطلع التسعينات أكثر من دراسة ومقال عن واقع الحركة الشيوعية في الدول العربية وضرورة التجديد والتحديث للفكر والممارسة نشرت في مجلة الطريق اللبنانية أو في مجلات أخرى , كما كتب غيري بهذا الصدد , ومنهم الصديق كريم مروة والصديق الدكتور فالح عبد الجبار وزهير الجزائري , على سبيل المثال لا الحصر , في حين امتنعت مجلة الحزب الشيوعي العراقي (الثقافة الجديدة) عن نشرها في حينه. وقد أشرت إلى أن أغلب هذه الأحزاب ما يزال يراوح في مواقعه ويخشى التغيير والتقدم وما زال بعيداً عموماً عن التجديد الذي تتطلبه المرحلة الجديدة من حياة هذه المجتمعات. وخلال الفترة المنصرمة ظهرت بعض المحاولات الملموسة , ولكنها ما تزال جنينية وبحاجة إلى جرأة وإقدام في معالجاتها , بما في ذلك اسم الحزب.
أما بصدد الحزب الشيوعي العراقي , وكما أرى , فقد بذلت محاولات غير قليلة لعمليات التجديد والتحديث , ولكنها كانت ولا تزال , كما أرى , قاصرة عن بلوغ ما يفترض أن يتجدد في الحزب من حيث الفكر والممارسة السياسية ومن حيث استراتيجية الحزب وتكتيكاته وخطابه السياسي وعلاقاته وحياة الحزب الداخلية , وخاصة المسألة الديمقراطية ودور القيادة والعلاقة بين القيادة والقاعدة وتجديد القيادات , وكذلك من حيث اسم الحزب. وقبل عقد المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي في العام (2007) وجهت رسالة موسعة إلى قيادات وكوادر وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي العراقي بتاريخ 26/6/2006 نشرت في مواقع كثيرة , من بينها موقع الحوار المتمدن وصوت العراق , بينت فيها وجهة نظري كرفيق سابق في الحزب الشيوعي العراقي وكيساري عراقي يهمه نضال القوى اليسارية , ومنها الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي في كُردستان العراق , في ما يفترض أن يتخذه الحزب الشيوعي من تجديد في الفكر والتنظيم والعلاقات وفي السياسة. يمكن لمن يريد العودة إليها والإطلاع على وجهة نظري الشخصية. ولا بد من الإشارة إلى أن الحزب الشيوعي العراقي , ولظروف تاريخية وآنية , يعيش تجربة جديدة ومعقدة جداً , كما يشهد تراجعاً فكرياً وسياسياً في الحركة الديمقراطية العامة في البلاد ونمواً واسعاً وانتشاراً أو مداً أصفر للفكر اليميني والفكر الديني السلفي المتخلف وللطائفية السياسية والعشائرية , وهي تشكل عوامل ضاغطة وشرسة في آن , وهي التي تجعل من الحزب أيضاً , حتى الآن , هامشي التأثير في الفكر والسياسة العراقية. إن خروجه من هذا الواقع والمأزق لا يرتبط به وحده , بل بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفكري والوعي الاجتماعي الراهن في العراق , ولكن اتخاذ الحزب مبادرات جادة لتغيير جاد لبنيته وجملة من موضوعاته الفكرية والسياسية ستلعب دوراً مهماً في الساحة السياسية العراقية وستسهم في عملية التغيير المنشودة للمجتمع. إن عملية التغيير ليست سهلة وستواجه مقاومة حادة , ولكن لا بد منها إذا كان الحزب يريد أن يخرج من هامشيته الراهنة ودوره الثانوي في الحياة الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية العراقية.
كانت ردود الفعل متباينة , ولكنها كانت عموماً إيجابية ولم تكن متشنجة. وهي بداية طيبة , في ما عدا مجموعة صغيرة من الأصدقاء الطيبين التي قطعت لسوء الحظ علاقتها بي , رغم أن علاقتي بها تمتد إلى ما قبل ثورة تموز 1958 , إذ أنهم اعتقدوا بأن رسالتي موجهة ضد الحزب وتريد إنهاء وجوده , وهذا البعض الطيب من الأصدقاء لا شك كان ولا يزال مخطئاً بتصوره. لا أدعي الصواب في ما قدمته من ملاحظات وليس من حقي أن أدعي الصواب , ولكنها كانت محاولة جادة ومسئولة لتحريك الجو الفكري والمناخ السياسي في الحزب وفي غيره من الأحزاب السياسية العراقية , والتي كلها تحتاج إلى تغيير عميق وشامل. إن مبادئ الديمقراطية التي أعمل على الالتزام بها لا تسمح لي بأكثر من تقديم المقترحات للحزب الشيوعي العراقي وعلى مؤتمراته أن تقرر ما تراه مفيداً ومناسباً لحزبهم. إلا أني , والتزاماً مني بالصدق والصراحة التي أريد أن تكون عليه حواراتي مع الصديق الدكتور سيّار الجميل ومن يقرأها , من جهة , وحرصاً مني على تقدم وتطور هذا الحزب اليساري من جهة أخرى , وحرصاً على تاريخه النضالي الطويل , أقول بأن الحزب الشيوعي العراقي قد تقدم خطوة بالاتجاه الصحيح , ولكنها مجرد خطوة , وهو ما يزال بحاجة إلى الكثير من التجديد والتحديث والتغيير ليكون حزباً يسارياً ديمقراطياً مواكباً لواقع ومتطلبات العصر والمرحلة والمهمات والتغيرات الحاصلة في العالم والإقليم والبلاد. وتبقى المسألة مرتبطة بالحزب ذاته. لقد تخلى الحزب عن دكتاتورية البروليتاريا وعن اللينينية وعن الاعتقاد بامتلاك الحق والحقيقة والصواب والطليعية وعن بعض المسائل الأخرى , ولكنه لا يزال بحاجة , كما أرى , إلى المزيد من التحرر الفكري من قيود وتقاليد وتركة الماضي الثقيلة في التنظيم والسياسة وفي العمل الفردي والتحول صوب القيادة الجماعية وفهم أكبر لدور الفرد .. الخ , وليس كل تراث وتقاليد الماضي سيئة , ولكن فيها الكثير الذي يفترض أن يخلي مكانه لقيم ومعايير ديمقراطية. ولا أخفي القول بان المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي لم يستطع تجاوز الكثير مما كان يمكن بل كان ضرورياً تجاوزه.
وبصدد موقف الحزب الشيوعي من العروبة وقسوة التهمة التي وجهها السيد اللبناني إلى مواقف الحزب الشيوعي العراقي من القومية العربية أو العروبة وخطلها الكامل , واعتقاد الأخ الدكتور الجميل بها , كما يلاحظ من طريقة العرض , فأني سأتناول الموضوع بشيء من التفصيل في الحلقة القادمة من أجل أن أدلل على خطأ ذلك الادعاء وأزيل هذا الحكم الجائر أولاً , ولكي أتفق مع صديقي الفاضل حول أهمية التحري والتدقيق والبحث المضني للوصول إلى تأكيد أو نفي مثل تلك الاتهامات بحق القوى السياسية العراقية , ومنها الحزب الشيوعي العراقي ثانياً , والتي مر على التصريح بها من جانب الأخ اللبناني ما يقرب من 20 عاماً , إذ كان الوقت كاف لمثل هذا التدقيق.
انتهت الحلقة السابعة وتليها الحلقة الثامنة.
كاظم حبيب