الرئيسية » مقالات » أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة السادسة

أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟ الحلقة السادسة

قوانين الإصلاح الزراعي في العراق

أتواصل حواري مع الصديق العزيز والمفكر المتميز الأستاذ الدكتور سيّار الجميل وأتطرق على موقف من قوانين الإصلاح الزراعي التي صدرت في العراق ولكن بصورة مكثفة جداً. فقد صدرت في العراق ثلاثة قوانين للإصلاح الزراعي مع تعديلات كثيرة بالنسبة للقانون الأول حصلت بعد صدوره بفترة قصيرة وفي فترة عبد الكريم قاسم , ولكن بشكل خاص في الفترة التي جاءت بعد سقوط الجمهورية الأولى ونهوض الجمهورية الثانية (بقيادة حزب البعث) والجمهورية الثالثة بقيادة بعض القوى القومية العربية.
كان صدور القانون الأول رقم 30 لسنة 1958 ضرورة ملحة , كما أرى , لأسباب جوهرية , منها:
1. الوضع البائس الذي كان يعاني منه الريف العراقي عموماً وتخلف القوى المنتجة المادية والبشرية وتخلف أساليب ووسائل الإنتاج والإنتاج الإجمالي والدخل ومعدلات الغلة السنوية لمختلف المحاصيل الزراعية.
2. الوضع البائس الذي كان يعيش فيه الفلاح العراقي وغياب الخدمات الزراعية والخدمات الاجتماعية وضعف الدخل وتأثير ذلك على مجمل العملية الاقتصادية في العراق.
3. الهيمنة على نسبة عالية من الريع المتحقق في الأرض الزراعية دون أن يستخدم لأغراض التنمية والتثمير الإنتاجي بل كان يستهلك بصورة غير عقلانية.
4. أهمية تحرير نسبة مهمة من الفلاحين المرتبطين بالأرض لصالح التحول صوب المدينة لاستخدامهم في التنمية الصناعية كعمال إجراء. وكان لا بد أن تقترن هذه العملية بسياسة تلتزم تطوير الزراعة واستخدام التقنيات والأساليب الزراعية الحديثة للتخفيف من الحاجة على المزيد من الفلاحين. وهذا يعني توظيف رؤوس أموال جديدة في التنمية الزراعية.
5. تطوير الإنتاج الزراعي بما يسهم في توفير المواد الزراعية الأولية لأغراض التنمية الصناعية وتزويد السوق المحلي بالمنتجات الاستهلاكية وتطوير السوق العراقي الوطني , إضافة على تنويع وتحسين بنية الدخل القومي المنتج في العراق , إذ كان الاقتصاد العراقي يتميز بوحدانية الجانب في تطوره وبنيته.
كان صدور قانون للإصلاح الزراعي , على وفق قناعتي سليماً وضروريا ,ولكن الاختلاف يبرز في مضمون ذلك القانون. لا شك في أن هذا القانون لم يكن في كل الأحوال اشتراكياً ولا يمكن أن يكون كذلك بسبب طبيعة المرحلة التي كان يعيش فيها العراق , بل كان مضمون القانون يعبر عن عملية ديمقراطية تحقق مصالح البرجوازية الوطنية والتوجه التدريجي صوب العلاقات الرأسمالية في الريف , وهي في مصلحة الفلاحين أيضاً.
والمشكلة , كما أرى , لم تكن في صدور القانون ذاته , بل في بنيته من جهة , وفي الإجراءات التي كان يفترض أن تصدر لترافق عملية تنفيذ الإصلاح الزراعي من جهة ثانية , وبعيداً عن الفوضى التي سادت الأوضاع السياسية من جهة ثالثة , والتردد الذي رافق العملية ذاتها من جانب أجهزة الإدارة الحكومية والنشاط المناهض للقانون لا من جانب كبار الملاكين والسراكيل وشيوخ العشائر حسب , بل ومن المرجعيات الدينية التي كانت لها علاقات متينة مع شيوخ العشائر والملاكين وكانت هذه المرجعيات تحقق جزءاً من دخلها وإيراداتها من الريف وشيوخ العشائر والفلاحين من جهة رابعة.
لقد أهملت الدولة شئون الفلاحين الفقراء وصغار المنتجين في الريف ولم تساعدهم في عدة مسائل منها على سبيل المثال لا الحصر:
• إنهاء عمليات الاستيلاء والتوزيع بسرعة ومن خلال أجهزة خاصة وليس من خلال الأجهزة الإدارية البيروقراطية التي كانت مناهضة لمصالح الفلاحين وللتغيير المنشود في الريف وملتصقة في سلوكها بكبار الملاكين.
• تشكيل جمعيات تعاونية استهلاكية تساعد الفلاحين في النهوض بالزراعة ودعم جهودهم لأن وضع الفلاح ووعيه وإمكانياته لم تكن ملائمة لزراعة فردية بالطريقة التي كانت سائدة في الريف العراقي.
• تأمين القروض الميسرة لهم وبفوائد واطئة جداً أو حتى بدونها , وكذلك تأمين الإرشاد الزراعي وخدمات المكننة والبذور المحسنة والأسمدة الكيماوية.
• الابتعاد عن استفزاز الملاكين الذين جرت مصادرة أراضيهم من جانب الفلاحين أو الأحزاب السياسية…الخ والذي حصل فعلاً في مواقع غير قليلة عبر عن ضعف الوعي السياسي والاجتماعي.
ولكن لم يحصل كل ذلك , بل بدأ العد التنازلي في موقف الحكومة من هذا القانون وتحت ضغط عوامل كثيرة , وبالتالي كان لا بد من يفشل هذا القانون في التطبيق. وحين سقطت الجمهورية الأولى , اتخذت الجمهورية الثانية والجمهورية الثالثة في زمن البعثيين وعبد السلام عارف جملة من الإجراءات التي كانت في جوهرها مناقضة لمصالح الفلاحين وفي صالح كبار الملاكين وشيوخ العشائر والسراكيل والمرابين وأجهزت على القانون تقريباً.
وفي العام 1970 صدر قانون الإصلاح الزراعي الثاني رقم 117 الذي أعتبر من حيث الجوهر أكثر وضوحاً من القانون الأول , ولكن لم تتوفر له أي فرصة فعلية للتطبيق , إذ أن السلطة لم تصدر هذا القانون إلا لأغراض المنافسة مع القوى السياسية الأخرى , وخاصة مع الحزب الشيوعي العراقي , الذي كان يدعو للإصلاح الزراعي. وعليه فأن أغلب ما تحقق نسف لاحقاً. أما القانون الثالث رقم 90 لسنة 1975 فقد توجه لمنطقة الحكم الذاتي , والذي لم يتسن تنفيذه أيضاً.
من المؤسف حقاً أن يعجز العراق عن تحقيق عملية إصلاح زراعي ديمقراطية تساهم في دفع عجلة التطور الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والثقافي في العراق , إذ أن حل مشكلة الأرض في العراق من شأنها أن تسهم بفعالية في دعم التحول صوب المجتمع المدني وتوفر أرضية أفضل للتوجه صوب التصنيع وحل مشكلة البطالة وتحسين ظروف العمل والحياة وطريقة التفكير , ولكنها ستساهم بشكل خاص في تطوير الوعي الاجتماعي والاقتصادي للإنسان العراقي.
لا أتفق مع من يقول بأن الإصلاح الزراعي كان سبباً في مشكلات العراق , وأنه كان البداية لهذه النهاية , وهو ما طرحه ويطرحه باستمرار السيد الدكتور فاضل الجلبي. أنا مقتنع بأن الإصلاح الزراعي الديمقراطي كان ضرورياً , وكان بالإمكان أن يتخذ صيغة أخرى يبدأ بتوزيع الأراضي التي كانت لا تزال في ملكية الدولة على الفلاحين , وأن تصادر المساحات الواسعة جداً من الأراضي الزراعية التي كانت بيد مجموعة من كبار الملاكين للأرض الزراعية , ولكن ليس بالطريقة التي تم فيها الاستيلاء والتوزيع التي أججت الصراعات الاجتماعية والسياسية , في وقت لم تكن السلطة ولا القوى الاجتماعية قادرة على معالجة المشكلات بروح عقلانية وبهدوء , إضافة إلى الصراعات الحزبية ذات الرؤية الطفولية في السياسة حينذاك.
واليوم نحن أمام حالة لا تسمح بالحديث عن إصلاح زراعي , بل العمل يفترض أن يتوجه ويتركز صوب مكافحة الإرهاب ومكافحة الطائفية السياسية في السلطة وخارجها ورفض المشاريع الطائفية للدولة العراقية , واستعادة الهدوء والأمن والاستقرار والخلاص من وجود القوات الأجنبية وحماية الثروة الوطنية , وخاصة النفطية وإبقائها بيد الدولة , ومساعدة الفلاحين للعودة إلى الريف والزراعة والإنتاج وتوفير الخدمات للمجتمع …الخ. إلا أن هذا لا يمكنه أن يجنبنا مهمة إيجاد حل فعلي وهادئ وواقعي للمسألة الزراعية في الريف والاقتصاد العراقي. لقد ارُتكبت أخطاء فادحة وكانت الحكومة حينذاك مسئولة عن بعضها الكثير , ولكن كانت مسئولية الأحزاب العراقية التي تصارعت في ما بينها للوصول إلى السلطة دون أن تعي طبيعة المرحلة والمهمات الملقاة على عاتق الدولة والمجتمع. ولكن أكبر الخطايا التي ارتكبت حينذاك هو إصرار القوات العسكرية البقاء في السلطة دون القبول بالتراجع والعودة إلى ثكناتهم العسكرية وفسح المجال أمام القوى المدنية لوضع دستور ديمقراطي وحياة نيابية وأحزاب سياسية حرة ومتعددة …الخ. وكان الأستاذ الراحل كامل الجادرجي , رئيس الحزب الوطني الديمقراطي , أحد الدعاة البارزين لعودة الجيش إلى ثكناته ورفض التعاون مع عبد الكريم قاسم بسبب إصراره على البقاء في السلطة. ولكن الجادرجي لم يجد التأييد حتى من جمهرة من كوادره الحزبية حيث انشق البعض عنه وشكلوا في حينها الحزب الوطني التقدمي الذي قاده الراحل والشخصية الوطنية المعروفة محمد حديد.
انتهت الحلقة السادسة وتليها الحلقة السابعة.