الرئيسية » مقالات » مذكرات (آل الكرباسي) مرآة الفقاهة والسياسة في المشرق الإسلامي

مذكرات (آل الكرباسي) مرآة الفقاهة والسياسة في المشرق الإسلامي

امتاز القرآن الكريم بميزات فريدة من نوعها لم تعهدها أدبيات العرب من قبل، وكانت هذه الميزات واحدة من موارد إعجاز القران الكريم، ولعل أظهرها الطابع القصصي التي تحفل بها الكثير من سور القران الكريم، باعتبار أن القصة قريبة جدا من نفسية الإنسان ويتفاعل بها ومعها ولها أن تقدم الكثير من المفاهيم التي قد لا تتوفر في نصوص أخرى، بما تملك من خاصية الترسّخ والتثبّت في الذهن.
وقد التفت العرب إلى الأسلوب القصصي في القرآن فاعتمدوه في أدبياتهم بصورة كبيرة، وبخاصة لدى دواوين الملوك والخلفاء الذين وظفوا عددا من الكتاب في تحبير سيرتهم عن حق أو دون حق، والبعض الآخر من الكتاب عمد إلى الكتابة عن خلفاء وملوك راحلين، ولذلك كثر كتاب السيرة، وبخاصة سيرة الرسول الأكرم محمد (ص) والخلفاء من بعده.
فكتابة السيرة فن قصصي جميل يكشف عن معدن أدبي لدى الكاتب، ومنه ظهر فن كتابة المذكرات، على إن المذكرات يكثر كتابتها من قبل صاحبها أو أن يعهد في إملائها إلى كاتب قدير، وطبيعة المذكرات هي تبع لطبيعة صاحبها ونوعية تأثيره في الحياة وسلوكه وتعامله وسماته، وان كانت مذكرات الساسة هي الأكثر شيوعا في أدب السير بلحاظ التأثير المباشر الذي يتركه السياسي على الحياة اليومية للمواطن والبلد، بيد أن هناك مذكرات وسيرا تفوق مذكرات السياسي وبخاصة مذكرات رجال الدين، للتأثير الكبير الذي يتركه رجل الدين في المجتمع وعلى الساسة أنفسهم، وبخاصة في مجتمع ينظر إلى الدين نظرة قدسية والى رجال الدين نظرة مقدسة، لاقترابهم من مصدر التشريع وصيانته وقربهم من الله. وإذا كانت مذكرات السياسي في اغلبها الأعم تبحث الجانب الشخصي وموقعها من قطب رحى السياسة، فان مذكرات رجل الدين لها شمولية اكبر ومساحة أوسع في الحديث عن الدين والسياسة والاجتماع والعلوم ومعظم مناحي الحياة، أي أن مذكرات رجل الدين هي موسوعة في أبواب مختلفة لاسيما إذا كان صاحب المذكرات يقع من سدة الرئاسة الدينية موقع الرأس من الجسم. ومرة يكتب صاحب السيرة عن نفسه أو أن يكتب عنه اقرب الناس إليه أو أبعدهم، ومرة بجمع الاثنين.

في هذا السبيل يأتي كتاب “آل الكرباسي” للفقيه آية الله الشيخ محمد الكرباسي (قدس سره) المولود في النجف الأِشرف عام 1324 هـ والمتوفى في بلد الهجرة في مدينة قم المقدسة في العام 1399 هـ (1979م) وهو يتحدث عن جده الأعلى الإمام محمد ابراهيم بن محمد حسن بن محمد جعفر الكرباسي (1180-1261 هـ) (1766-1845م) الذي يرجع بنسبه إلى القائد الإسلامي الشهير مالك الأشتر النخعي (25 ق هـ – 39 هـ) المستشهد في مصر. والكتاب الصادر عن بيت العلم للنابهين ببيروت في 720 صفحة من القطع الكبير في خمسة أبواب من تسعة عشر فصلا، ساهم في تعريب متنه من الفارسية إلى العربية والتحقيق فيه والتعليق عليه نجل المؤلف الفقيه الدكتور محمد صادق الكرباسي وراجع تعريب المتن الإعلامي العراقي الأستاذ علاء الزيدي، وعرّب الهوامش الدكتور صالح بن تقي فهمي، وحقق على النسخة الفارسية الشيخ محمد علي بن محمد حسين النجفي الكرباسي، وعلق عليها الدكتور علي بن مجتبى كرباسي زاده إصفهاني.

سيرة حواضر علمية
يعتبر كتاب “آل الكرباسي” من الكتب النادرة التي تبحث في تاريخ الحواضر العلمية في كل من إيران القديمة والعراق وبلاد الشام، فالمؤلف وإن عمد إلى ترجمة آبائه وأجداده، لكنه في واقع الحال غاص في تفاصيل الحياة العلمية في هذه الحواضر، والأثر المتبادل بينها، والعلاقة المتبادلة بين رجال الدين ورجال السياسة ودور الدين في الحياة السياسية وتأثيره الصميمي على واقع الناس، بخاصة إذا توفر للدين رجال لا تأخذهم في الله لومة لائم ينهلون من علوم محمد (ص) وآله الكرام (ع) ويستنون بسنتهم ويسيرون على هداهم، ويقودون عربة السياسة ولا يقادون.
وكان الإمام محمد ابراهيم الكرباسي جد الأسرة الكرباسية المعاصرة مثال العالم النائب عن الحجة المنتظر (عج) الذي ينهال عليه الساسة بوصفه مبسوط اليد وينحدر إليه فطاحل العلماء بوصفه أعلمهم، وحسبما يصفه تلميذه صاحب كتاب روضات الجنات الشيخ محمد باقر الخونساري (ت 1313 هـ): “العَلم العالم الذي ليس في عالم الفضل والدين مشابه ولا سيَّ (مثيل)، البدر الحاج محمد ابراهيم الحاج محمد حسن الخراساني الكاخي الكرباسي، هو في الحقيقة مصدر العلوم والحكم والآثار، ومركز دائرة الفضلاء النبلاء الأحبار، وقطب الشريعة، الذي عليه منها المدار في هذه الأعصار وركن الشيعة وشيخها الجليل المنزلة والمقدار، إن قلت في الفضل فمثل الشمس على رابعة النهار، وإن – قلت – في الفيض، فأنى يحسن أن تقاس به الأنهار. وبالجملة فهو أس أساس الفقاهة والاجتهاد وأستاذ الكل الذي استكمل من خبرته كل أستاذ..”، وهو أول مراجع التقليد الذين ألفوا رسالة عملية للمقلدين الناطقين باللغة الفارسية، ومؤسس الحوزة العلمية في مدينة إصفهان، وفي حياته شهدت الحوزة العلمية عصرها الذهبي، وهذه العائلة التي هي سليلة مالك الأشتر الذي كان لعلي بن أبي طالب (ع) كما كان علي (ع) للنبي محمد (ص)، اشتهرت في تأسيس الحواضر العلمية ورعايتها، فقد أنشأ جده وأبوه المدارس العلمية في أفغانستان، وأدار حفيده المؤلف الفقيه آية الله الشيخ محمد بن أبي تراب علي بن محمد جعفر بن محمد ابراهيم الكرباسي حوزة كربلاء العلمية حيث تولى شؤونها وعمادتها في الفترة (1366-1391هـ)، وكانت لمكانته العلمية المشهود لها، أن أصبح معتمدا في حوزة كربلاء العلمية لعدد غير قليل من مراجع التقليد الذين عاصرهم، وهم السيد أبو الحسن الأصفهاني (ت 1356 هـ)، السيد حسين القمي (ت 1366 هـ)، السيد هادي الميلاني (ت 1371 هـ)، السيد مهدي الشيرازي (ت 1380 هـ)، السيد محسن الحكيم (ت 1390 هـ)، السيد عبد الهادي الشيرازي (ت 1382 هـ)، والسيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ). وساهم نجل المؤلف آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في تأسيس الحوزة العلمية الزينبية في دمشق العامرة بالعلم حتى يومنا هذا، وهي واحدة من مفاخر دمشق ومعالمها، حيث يدرس فيها طلبة كثيرون من جنسيات مختلفة.
ولما كانت الحواضر العلمية تقوم بعلمائها وطلبتها، فان الكتاب في واقع الحال هو ترجمة للمئات من فطاحل العلماء في القرون الثلاثة الأخيرة، وسيرة مختصرة عن حياتهم ودورهم في المحافل كلها بخاصة العلمية والاجتماعية والسياسية. فمن مشايخ الإمام الكرباسي وأساتذته، الشيخ محمد البيدآبادي (ت 1198 هـ) من اكبر حكماء وعرفاء القرن الثاني عشر الهجري ولعب دورا كبيرا في إحياء الحكمة والعرفان الإسلامي الأصيل. والشيخ محمد باقر المشهور بالوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ) الذي أقام في كربلاء المقدسة وفيها مات، ويعتبر مجدد الإسلام في القرن الثالث عشر الهجري، والسيد محمد مهدي بحر العلوم (ت 1212 هـ) المولود في مدينة كربلاء المقدسة، الذي بلغت منزلته العلمية وكراماته الباهرة مبلغا أن عددا من اتباع الديانة اليهودية استبصروا على يديه بالإسلام لما رأوا فيه سمو الخلق وعلو المكانة، والشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1228 هـ) المدفون في مدينة النجف الأشرف، الذي يعد من اكبر العلماء والمراجع وابرز فقهاء الإمامية في أوائل القرن الثالث عشر الهجري. ومن تلامذة الإمام الكرباسي، السيد محمد حسن الشيرازي (ت 1312 هـ)، قائد ثورة التنباك (الدخان أو التتن) بالضد من التسلط البريطاني في إيران، والشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ) الذي توفى في النجف الأشرف وفيها دفن، وهو أحد عمالقة الإمامية وعباقرتهم، ورئيس المجتهدين في عالم التشيع، ويعتبر كتاباه المكاسب والرسائل من أمات الكتب الدراسية في الحوزات العلمية حتى يومنا هذا.
وتكشف المذكرات في الوقت نفسه الجهد الكبير الذي بذلته الأسرة الكرباسية النخعية ولاسيما جدهم الأعلى الإمام محمد ابراهيم الكرباسي في رفد المسيرة الإنسانية بأجيال من القادة والعلماء ساهموا ولازالوا في توجيه البشرية نحو سبيل الرشاد وتركوا بصماتهم على لوحة الحياة اليومية للمسلمين بعامة والشيعة الإمامية بخاصة، والبشرية جمعاء، وقد تكللت إنجازات هذه الأسرة الكريمة بأكبر موسوعة في تاريخ العالم من قبل وحاضرا، هي موسوعة دائرة المعارف الحسينية في اكثر من ستمائة مجلد من تأليف عميد الأسرة الكرباسية المحقق والبحاثة الدكتور محمد صادق الكرباسي. وحسب تعبير الأستاذ جعفر آل محبوبة (ت 1377 هـ) صاحب كتاب (ماضي النجف وحاضرها): “بيت الكرباسي من البيوت العلمية العريقة في العلم والمحلّقة بالفضل وهم أهل شأن واعتبار، يتمتعون بحسن الذِّكر وجميل الفخر، يرجع نسبهم إلى مالك الأشتر، ولهم جلالة وعظمة لما حازوه من التقدم في العلوم الروحية والكمالات النفسية، وهم أهل نعمة وثراء وشرف وإباء”.

الرَّحِم وصلته
اتخذ المؤلف سبيله في كتابة المذكرات عن سلسلة العائلة الكرباسية النخعية، من موقع صلة الرحم وأهميته في الإسلام وفي الواقع الاجتماعي للحياة الإنسانية، وجمع شمل الأسرة، وحسن فعل، لأن سماحته في حقيقة الأمر قدّم معلومات جمة وإضافات لا غنى عنها للباحث والمحقق والمؤرخ الذي يتوق إلى نبش تاريخ المسلمين واستنطاقه.
وأما بخصوص الرحم وصلتها، فإنها من الأهمية بمكان، حتى ذهب البعض إلى وجوبها بحيث يكون قطعها من المعصية ومن الكبائر، ولذلك قرنها القرآن الكريم في الآية 177 من سورة البقرة بالإيمان بالله والملائكة والنبيين: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى). ولأهميتها البالغة جعل النبي محمد (ص) أجر من وصل رحمه أجر مائة شهيد، قال (ص): “مَن مشى إلى قرابة بنفسه وماله ليصلَ رحمه أعطاه الله عز وجل أجر مائة شهيد له بكل خطوة أربعون ألف حسنة ويُمحا عنه أربعون سيئة ويرُفع له من الدرجات مثل ذلك، وكأنما عبد الله مائة سنة صابراً محتسباً”. وأما قطعها فان الفقيه الشيخ محمد الكرباسي يقرر وفقا للنصوص والتجربة: “إن قطع الرحم يُعتبر – بإجماع علماء الأخلاق واتفاقهم- من المعاصي العظيمة والكبائر، وهو مما يستجلب العذاب الأخروي والبلاء الدنيوي، ولا تصل عقوبة أي عمل إلى الإنسان، بأسرع من عقوبة قطع الرحم”.
ويستقرئ المؤلف من مجموع الآيات والأحاديث الواردة في صلة الرحم أمورا كثيرة، فهي تطيل العمر وتزيد الرزق وتسّهل حساب القيامة وتمنع ميتة السوء، وتُحسّن الأخلاق وتُسخّي الكفَّ، وتطهّر الأعمال وتدفع البلاء، وتردع عن المعصية. وبالعكس فان قاطع الرحم ملعون، كما إن وبال القطع يصل إلى القاطع في الدنيا قبل الآخرة، والقطع أسرع إلى الفقر، وأسرع إلى نقصان العمر، فديدن الشرائع السماوية الدعوة المستمرة إلى الوصل والجمع لا الفصل والقطع.

مواقف لا تُنسى
كان الإمام محمد إبراهيم الكرباسي من أئمة الدين الذين يقف الملوك على بابه ولا يقف على بابهم، يؤتى إليه ولا يأتيهم عملا بسيرة أئمة أهل البيت (ع) ووصاياهم مهما كلف الأمر، وكان محل فتيا الملوك ونصيحتهم وتحذيرهم من غضب العباد ورب العباد، ومن ذلك أن السلطان الإيراني فتح علي القاجاري (ت 1250 هـ) استفتاه في حكم تدخين الغليان (الغليون) في شهر رمضان، فلم يجبه الشيخ الكرباسي بنعم أو لا كما هي عادة الفقهاء، وإنما أقض مضجعه برسالة طويلة نوّه بالمخاطر التي تحيق بإيران والإسلام من جراء السياسات الفاشلة للحكومة، وحذره من مغبة تلاشي حكم الدولة بسبب المفاسد، فمما كتبه: “آه آه آه! فإنني اكتب النصائح إليكم من باب المحبة، فالأفعال والأقوال وصلت إلى حدّ تضافرت وتراكمت معها أنماط العذاب بهذا الحجم، بشكل لم يشهده العصر، ومن ذلك أن ضعف الإسلام بلغ حدا تسلّط فيه الكفار على المسلمين ونفذوا إلى حصن الإسلام والإيمان”. وشن الكرباسي هجومه على أنصاف العلماء وضعاف الساسة قائلا: “ولا معصية أعظم من تخريب الدين والإخلال بحرمة الشرع المبين. وقد وصلت هذه المعصية إلى حد أزاح الناس في أصقاع البلاد المختلفة ستار الحياء عن وجوههم، وفي سبيل الرئاسة، انهمكوا في الإفتاء والقضاء والتصرف في الأمور التي هي من شأن الأنبياء والأوصياء – سلام الله عليهم أجمعين- ونوابهم، وبالتزلف إلى كبار القوم من أمثال السلاطين والأمراء والحكام وإعمال الحيل والخدع”!
وتكشف القصة التالية احترام التعددية الدينية في الجانب الشرقي من بلاد المسلمين حيث تتعايش الأديان السماوية فيما بينها تحت سلطة الإسلام عملا بقوله تعالى في الآية 256 من سورة البقرة: (لا إكراه في الدين)، فينقل أن الجدب وانقطاع السماء أصاب إيران وسكانها في مقتلة، فألحوا على الإمام الكرباسي وهو في أخريات عمره والمرض قد هدَّه أن يخرج لأداء صلاة الاستسقاء لما عرف عنه باستجابة الدعاء لعظيم منزلته وقربه من الله وأحبائه النبي وآله، فلما كان موعد الخروج للصلاة وحمل على السرير والجماهير تجري خلفه، اصطف اليهود على أحد جانبي الطريق وبيدهم التوراة وعلى الجانب الآخر الأرمن وبيدهم الإنجيل، وعيونهم شابحة إلى ما يمكن أن تصدر من كرامات على يدي الولي الصالح الإمام محمد ابراهيم الكرباسي، ولما نظر إليهم وهو من على سريره أزاح عمامته من على رأسه رافعا رأسه إلى السماء مناجيا ربه وراح يتمتم ببعض الكلمات، ثم اغرورقت عيناه بالدموع، ولم تسقط قطرة من دموعه على الأرض حتى فتحت السماء أبوابها وانهمر المطر، وحينما سئل الإمام الكرباسي عن التمتمة، قال: لما رأيت اليهود والنصارى على جادتي الطريق رفعت رأسي إلى السماء وخلعت عمامتي وقلت يا رب: إن ابراهيم ابيضت لحيته في الإسلام، فلا تخجلني أمام اليهود والنصارى ولا تقطع رجائي”.
ومن مآثر رجال الأسرة الكرباسية هو موقف الشيخ أبو تراب علي بن محمد جعفر (ت 1337 هـ) والد المؤلف وجد صاحب الموسوعة الحسينية، فقد كان لصيقا بالسياسة مدركا لأهمية العلم واقفا على آثار الغزو العسكري والثقافي، معارضا للاستعمار البريطاني، وحسبما جاء في مجلة المرشد الدمشقية في الصفحة 121 من العدد المزدوج 11-12 الصادر في العام 1420 هـ (1999م): “كان من أنصار المشروطة التي ظهرت عام (1324 هـ-1906م) وكانت له مساهمات جادة أيام تمرد أهالي العتبات المقدسة في العراق عام (1333 هـ-1915م) وصنف في خانة المتجددين، حيث دعا مع زمرة من زملائه العلماء إلى الوقوف أمام المد الغربي بالإضافة إلى الجهاد والوقوف أمام الغزو الثقافي البريطاني بفتح المدارس الحديثة والتي تتناسب وتطور الحياة بدلا من تحريمها، وكان يرى بان الغزو الثقافي لابد وأن يقابل بالمثل إن لم يكن بالأحسن والأفضل، وكان يحث تلامذته وأبناءه على تعلم اللغة الأجنبية للوقوف على ثقافتهم وحضارتهم لأجل محاربتهم بأساليبهم، مضافا إلى الأخذ بما صلح منها لتطوير الحياة”.
في الواقع إن مواقف الأسرة الكرباسية كثيرة، ولأنها أسرة عريقة، فان تراجم رجالها من العلماء منذ جدها الأكبر الإمام محمد ابراهيم الكرباسي حتى اليوم جاءت في 123 معجما ومرجعا، وهو رقم كبير في حقل معاجم الرجال. كما ضم الكتاب ملاحق وصوراً كثيرة تعزز ما ورد في المذكرات، وهو حصيلة جهد غير قليل بذله المؤلف وزاد عليه نجله في سبيل تقريب البعيد وتمتين القريب ولملمة ما انقطع من حبال الأسرة الكرباسية نتيجة لصروف الدهر والأيام، وإظهار معالم الأيادي البيضاء للأٍسرة الأشترية النخعية في إنارة تاريخ الإسلام والمسلمين، وتشييد منارة الحواضر العلمية في إيران والعراق وبلاد الشام، عبر سلسلة من العلماء كابر عن كابر.
* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن