الرئيسية » مقالات » الأمن القومي الكردستاني بين الجهل ومواقع بلا قضية

الأمن القومي الكردستاني بين الجهل ومواقع بلا قضية

لم يكن موضوع الأمن القومي الكردستاني على أجندة الأحزاب والمنظمات الكردستانية في الماضي وهو ليس كذلك في الحاضر على الرغم من أهميته القصوى ودوره الكبير في صيانة وحماية حركة التحرر الوطني الكردستانية من تسرب عملاء استخبارات الأنظمة المحتلة لكردستان،بحيث لن نجافي الحقيقة إذا قلنا إنها تشبه الجبنة السويسرية المملؤة بالثقوب،مما سهل عملية اختراقها والتغلغل في صفوفها ولاسيما في غربي كردستان،وما رافق ذلك من حالات التشرذم والانشقاق والتحارب وإفراز أحزاب سياسية جديدة ،صورية لا مبرر لها.جاء الكونفرنس الذي نظمته رابطة كاوا حول الأمن القومي الكردستاني في جنوب كردستان في العام 2007 ،بمثابة خطوة في الاتجاه الصحيح،يجب أن تعقبها نشاطات أخرى أكثر فاعلية ومنهجية لتحقيق الأهداف المرجوة.
ولعل أن تفريغ الذاكرة الكردستانية وإخفاء العديد من الحقائق عن تاريخنا الغابر،أي منذ سقوط الإمبراطورية الميدية في الأعوام 550-549 ق.م له الأثر الكبير في اجترار المآسي والنكبات والإخفاقات العديدة بالرغم من تقديم الكثير من الضحايا الغالية في سبيل الظفر بالحرية.وأدت تلك الظروف السلبية جدا ولاسيما الجغرافيا السياسية وخواص تركيبة المجتمع الكردستاني إلى تحول قطاعات لابأس بها من حركة شعبنا التحررية،فضلا عن أشخاص وفئات وفي حقب تاريخية مختلفة إلى مجرد القط الذي يلتقط البلوط من النار كي يأكله الآخرون بهدوء.ففي أعوام 550-549 ق.م تآمر [ كورشGuhresh] حفيد آخر الملوك الميديين من ابنته ماندانا مع قائد الجيش الميدي هارباك وزعماء آخرين مثل: مازاريس، داتيس وغيرهم من الوجهاء من خارج مؤسسة الجيش،بهدف الإطاحة بالملك الميدي وتصوير الأمر وكأنه مجرد انتقال السلطة.وكانت تلك المؤامرة الدنيئة على مرحلتين ونجحت في تحقيق أهدافها الآنية والبعيدة في تحويل ميديا إلى مستعمرة فارسية ولقمة سائغة بعد أن كان الفرس تابعين لها.وما تقطيع أوصال الوطن الكردي كردستان والحالة المأساوية لأحفاد الميديين اليوم إلا تحصيل حاصل لتلك الخيانة التي ارتكبها هارباك لإرضاء أنانيته المفرطة.وبما أن الأجيال الكردية المتعاقبة لا تعرف عن تلك المؤامرة ومثيلاتها التي لعبت دورا مهما في تقرير مصير شعب كردستان لاحقا،إلا النذر اليسير، ناهيك عن دور الأخمينيين الفرس في تغييب الوعي والذاكرة الكرديتيين، لذا تكررت الأخطاء القاتلة التي ألحقت أفدح الأضرار بالأمن القومي الكردستاني وعلى يد الساسانيين الكرد وكريم خان زند وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم.وبعد فقدان السيادة بكافة خصائصها،فقد شعبنا أيضا جزءا كبيرا من هويته وأضحى كالسفينة في عباب البحر تتقاذفها الأمواج الهادرة،لأن الشعب الذي يفقد هويته من السهل أن يركع لأي أحد سواء في الداخل أو الخارج وهو ما يؤكده تاريخنا المعمد بالدماء.تتألف سياسة الامن القومي من مجموع الأهداف السياسية،الاستراتيجية والتكتيكية،فضلا عن تلك الوسائل التي تخدم الأمن الداخلي والخارجي للحركة الكردستانية وتحافظ على استقلالية قرارها ومجال تحركها.لايمكن تحقيق الأمن القومي الكردستاني دون توفر ثلاثة قواعد رئيسية:
1- الشمولية في مفهوم الأمن والتي لا تقتصر على مفهوم الأمن بمعناه الضيق الذي يقتصر على المعلومات الاستخباراتية ،بل تشمل الأمن الإقتصادي والدعم المتبادل في هذا المجال[إقامة مشاريع مشتركة والاستفادة من الامكانيات المالية لدى هذا الطرف أو ذاك]،وصولا إلى الأمن والتنسيق العسكري الذي يجب أن يمتاز بالحيوية والفاعلية وليس الطابع الفردي.ان تحقيق مقومات الأمن السياسي ومن خلال توحيد المواقف و تكثيف الجهود، كفيل بدرء الأخطار القائمة والمحتملة.
2- تحقيق الأجماع ان أمكن Konsens أو الغالبية أن تعذر،ذلك لأن التحالفات الصغيرة وكما هو معروف في نطاق الأمن القومي يضعف الغاية والتأثير ولايمكن أن يتحقق أمن قومي كردستاني فاعل دون ان تلتقي أو تتوافق الأحزاب ،المنظمات والشخصيات الوطنية الكردية في مؤتمر وطني كردستاني عام،تضع الأمن القومي الكردستاني فوق أي اعتبار آخر وليس أمن حزب أو كتلة معينة فقط.
3- تحديد وتشخيص المخاطر والتحديات وأولوياتها في هذا الجزء أو ذاك التي تشكل خطرا جسيما بالأمة الكردستانية ورسم الخطط الاستراتيجية والتكتيكية لمواجهتها أو معالجتها على ضوء ذلك،لأن مواجهة الأخطار والتحديات بشكل عشوائي وغير مدروس لن يحقق النجاح المطلوب.أن الأمن القومي الكردستاني القائم حاليا هو عبارة عن منظومة منفرطة وغير متما سكة،شبه عدمية تهدف إلى البقاء والعيش ومتعددة الولاءات.
ويستحيل تحقيق انجازات أو نتائج إيجابية في هذا المجال دون تشكيل المجلس الوطني الكردستاني الشامل ووضع خطط ودراسات وبالتالي القيام بأعمال مشتركة ضمن أطر كردستانية عامة أو على شاكلة جبهات قومية أو ممثليات تضم الفعاليات السياسية لكل جزء ومن ثم تشكيل إطار عام لها.فكيف يمكن الحديث عن الأمن القومي الكردستاني في غياب سياسة إعلامية موحدة،سيما إذا أخذنا بالحسبان أن العولمة وثورة الإعلاميات تتطلب التفاعل السريع والنشيط معها وليس التخلف عن مجريات تطوراتها.فالمواقع الكردية عامة إلى جانب دورها الكبير في نشر الوعي والثقافة القومية الكرديتين،مدعوة اليوم إلى لعب دور هام وبروح مسؤولية قومية عالية في تكريس دعائم الأمن القومي الكردستاني ،ولاسيما أخذ الحذر من العناصر المندسة التي تمارس التضليل ونشر الشائعات والبلبلة.نريد هنا الاستشهاد بمثالين من المواقع الألكترونية الكردية ودون ذكر الأسماء لتبيان كيفية التعامل مع نشر الخبر أو الدراسات التي تتعلق بهذا الجانب أو ذاك من تاريخنا:
1- اثناء اشتداد السجال والنقاش حول التدخل العسكري التركي في جنوب كردستان ومباركة رأس الطغمة العسكرية في سورية بشار الأسد لهذا العمل العدواني،نشرت إحدى المواقع مقالة لأحد الكتاب الكرد يقول فيها بما معناه:”تحريض بشار الأسد لتركيا على التدخل في دولة عربية وهي العراق”؟ والسؤال هو: هل أراق شعب كردستان هذه الدماء الغزيرة وقدم تلك التضحيات الجسام وتعرض لحملات الأنفال والغازات السامة كي يصبح العراق دولة عربية؟ مالفرق بين هذا الزعم الكاذب وتخرصات البعثيين ونفاقهم بشأن عروبة العراق؟ فهذا الكلام الذي ينافي الحقيقة يلحق أشد الأضرار ليس بالأمن القومي الكردستاني فحسب،بل بمجمل النضال الوطني الكردستاني ومسألة التحرر من السيطرة الإستعمارية.
2- لدى تنبيه مسؤول أحد المواقع الكردية حول أهمية هذا الجانب في الإعلام الكردستاني، رفض التدقيق فيما ينشره معللا ذلك في سياق مقالة عرمرمية محشوة بالكلمات الطنانة والرنانة حول الخلاف والأختلاف وتعدد الأراء،موزعا في مقالته الركيكة صكوك الغفران وشهادات الوطنية وأعطى لنفسه حق تقرير من هو أصحاب قضية ومن هو دون قضية.أليس هذا جهل تام عندما يتم خلط مسألة الأمن القومي الكردستاني في مجال الاعلام وأخذ الحيطة والحذر من العناصر المدسوسة والمشبوهة في صفوفنا وماأكثرها مع تباين الأراء واختلافها؟ فهذا الشخص الذي يحتكر الوطنية و يدعي انه صاحب القضية الكردية[ وهو فقط صاحب موقع لاأكثر،فما بالك لو كان في موقع السلطة؟] نشر عبارة خطيرة جدا لأحد السياسيين الكرد وهي:” آمد مدينة عريقة وهي لو كانت اختارت العمل السياسي السلمي والأستقلالية منذ عام ألف وتسعمائة وعشرين ولم تول الأنكليز ووعودهم أي إهتمام،لكانت النتائج أفضل بكثير مما ظهرت عليه.ويتابع السياسي “الكردي” الفطحل: هناك اتجاه يضغط في فرض نموذج وسياسة الشيخ سعيد عليه،لكنه يرفض ذلك ويتمسك بالحل الديمقراطي على أساس أخوة الشعوب” فعندما تنكر الكماليون الفاشيون لوعودهم التي قطعوها للشعب الكردي في تأمين حقوقه ثار الشعب الكردستاني بقيادة الشيخ سعيد بيران في العام 1925 لإسترجاع تلك الحقوق بقوة السلاح، وبهدف تبرير المذابح الجماعية وحرق آلاف القرى والقصبات الكردية وتهجير الكرد بقوة الحديد والنار وتحطيم إرادة المقاومة والحرية لدى شعبنا أشاع الانكشاريون الأتراك أن الإنكليز هم وراء هذه الأنتفاضة وهم يريدون تفتيت تركيا ونشروا ذلك على نطاق واسع قي الصحافة الغربية وأيدهم السوفيات حينئذ في ذلك.وبعد مرور 83 سنة يردد هذا السياسي الكردي دعايات الأتراك الطورانيين الكاذبة التي لا أساس لها من الصحة،فالشيخ الوقور والجليل والوطني البارز سعيد بيران قاد انتفاضة الكرد في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية،عندما شرع الكماليون في منع اللغة الكردية،إغلاق النوادي والمدارس والصحف الكردية واعتقال الشخصيات والمفكرين الكرد وحتى أعضاء البرلمان ونشروا دعايتهم المشينة: انه ليس هناك أكراد،بل فقط أتراك الجبال، وليس بتحريض من الإنكليز مطلقا. والذي يقول هذا الكلام ماهو سوى ألعوبة في يد المستعمرين الأتراك لضرب تجربة جنوب كردستان وإجهاض الكفاح المسلح في شماله وتشويه تاريخ الحركة الكردستانية الناصعة وجاء نشر تلك التصريحات اللامسؤولة بالتزامن مع تسرب وثيقة وزير الدفاع السوري على طريقة غوبلز وإلصاق تهمة العمالة للموساد بالحركة الكردية في غربي كردستان واللبيب من الإشارة يفهم.إننا نشك بأن نشر مثل هذه الأتهامات الخطيرة ضد حركة شعبنا التحررية هي من قبيل الجهل أو مجرد هفوة،بل أن أصحاب هذه التصريحات وناشريها يتصرفون عن سابق وعي وتصميم للإساءة إلى حركة شعبنا الوطنية ونضاله العادل. لذا إننا نهيب بالمواقع الكردية الملتزمة أن تلعب دورها في هذا المجال ونشر الوعي بمسألة الأمن القومي الكردستاني ودراسة المواد والمواضيع قبل نشرها وإخضاعها لمعايير ومقاييس معينة،بما تخدم قضيتنا ونضال شعبنا في سبيل الحرية والإستقلال والديمقراطية، أسوة بالشعوب الأخرى.

د.آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني