الرئيسية » بيستون » الفیلیة فصــلٌ آخر من التراجیدیا الکـُردیة بإقتباس مــِن كـُراس مُذکراتي

الفیلیة فصــلٌ آخر من التراجیدیا الکـُردیة بإقتباس مــِن كـُراس مُذکراتي

الفیلیة فصــلٌ آخر من التراجیدیا الکـُردیة
بإقتباس مــِن كـُراس مُذکراتي
بقلم: م. آکـو کـرکـوکي

فكرة:

یقال أنَّ البریطانیون مولعون بکتابة مذکراتهم الیومیة……..ولِما لا ؟ فلو توفرًّ للأنسان القدرة على التعبیر وکتابة كل الأفكار والأحاسیس والأحداث الذي تمر بذهنهِ في اللحظة الواحدة أو الیوم الواحد فسیُخرج مادة أدبیة غنیة جداً.
مارکیز مثلاً حوَّلَ الأحداث الیومیة لقریة “ماکوندو” الصغیرة الى رائعة أدبیة شهیرة نال من خلالهُ نوبل الآداب!!
وأیزابیل ألیندا کسبت قلوب الملایین عندما حوّلت ذکرياتها في تشیلي الي روایة ” بیت الأرواح” لتوثق مرحلة سياسية مهمة في تأریخ بلدها.
ولكن ماذا لو کتب كرديٌ مُذکراتهِ في العراق؟
بماذا سیبدء؟ وكم مُجلدٍ يحتاج ؟

حکاية:

حکایة أسترعت أنتباهي مرَّة أحُب أنْ أسُردها.
تقول، أنَّ أحدهم أستوقف كرديٌ وتناول معهُ أطراف الحدیث فدار بینهم هذا الحوار.

ألأول: قُـل لي، کیف تشعر في داخلك حول هویتك؟ أقصد ماهو أنتمائك وهویتك التي تؤمن بها ؟
الثاني: أنا کـُردي كوردستاني…….
” ثمَّ أکمل جملتهِ بعدها وقال على مضض” .. ولکنني أحمل الجنسیة العراقیة.
ألأول: هل ليَّ أن أعرف لماذا خف حماسك عندما قلت ” لکنني أحملُ الجنسیة العراقیة”.
الثاني: صدقني لاستطیع أن ألخص الأجابة بجملة ولکن أمسك هذا کراس مذکراتي أقرءهُ لعلك تجد ماهو أجابة لتساؤلك.

لم یکتفي ألأول بهذا الشخص وأنما سئل کرديٌ آخر نفس السؤال.

ألأول: ماهو هویتك؟
الثاني: أنا کـُردي كوردستاني…….
” ثمَّ أکمل جملتهِ بنبرة مليئة بتفائلٍ وأملٍ حذرین” وقال: ولکنني أحملُ الجنسیة العراقیة.
ألأول: هل ليَّ أن أتسائل عن هذا الخوف والحذر في تفاؤلك.
الثاني: همم…. هذهِ قصة طویلة… ولکن أمسك هذا کراس مذکراتي أقرءهُ لعلك تجد ماهو أجابة لتساؤلك.

أخذ ألأول مذکرات هذا الشخص أیضاً وظلَّ یسئل کل کردي یقابلهُ وکادت کل الحوارات تتشابه الـى أنْ صادف کرديٌ فیلي .
ألأول: قُـل لي، ماهو هویتك؟
الثاني: أنا کـُردي كوردستاني…….
” ثمَّ صمت قلیلاً وقال”.. أتعرف لکني لا أحمل أي جنسیة أو مستند قانوني تُعرّف شخصيتي….فأنا غير موجود رسمیاً … أنا لیس لدي اي وجود قانوني في هذهِ الدنیا .. ” ثمَّ أستطرد ساخراً”……ألیس هذا مهزلة فأنا موجود وغیر موجود!!! ….. ” ثمَّ نظرَ للأول وقال لهُ مُتسائلاً”…هل جربت أحساسٌ مؤلم وقاسي کهذا ؟؟
ألأول: نعم جربت ولکن لفترة قصیرة کنت فیها غریباً ولاجئاً في احدى البلدان ثم حصلت على جنسیة ذلك البلد.
الثاني: کنت غریبا ولاجئا في احد بلدان الغربة…واخیراً نُلتْ ماأردت.. ولکنني دون الغریب واللاجيء في بلدي؟
ألأول: ولِما؟
الثاني: لِما..هذهِ کلمة أرددها ربما مع نفسي في الیوم الالآف المرات…. على فکرة أنا أدّونْ مُذکراتي في هذا الکراس ..تفضل لربما تجد أجابة ل..لِما.

أنتهـت الحکایة.


الذاکرة:

الذاکرة الفیلیة تحمل الأعاجیب والمتصفح لها یبقــى مفزوعاً خائفاً وحائراً مشتت الأفکار.
ألأحداث فیها تنقلك من کارثةٍ الى أخرى، من عاصفة ٍ الى عاصفة ٍ الى هدوءٍ ثمَّ عاصفةٍ .

مِنْ رعب المشي على الألغام …. الى أنفلة الأبناء وصرخة الأمهات.
مِنْ مخیمات الغربة والبؤس….الى تجارب السموم الکیمیاویة على الشباب الفیلي.
مِنْ مدیریة المجازر البشریة ..الى مدیریة نزع الجنسیة.
مِنْ مظلومیة مصادرة الاملاك …الى مهزلة التبعیة والترحیل.
مِنْ فقدان الأعزاء….. الي تشتیت الأســر.
مِنْ حلم الوالدین بعودة الأبناء…. الى ذکریات عگد الأکراد وأیام الخیر.
مِنْ حقدٍ على الماضي الى أحباطٍ من الحاضر الى تشاؤمٍ بالمستقبل.

أنَّ التراجیدیا الفیلیة ورثت من أمها ” القضیة الکردیة” ،التشتت، الوحدانیة والیُتم.
وعانت ومازالت تعاني من هذه المورثات النحسة.
تفتقر الى عرّابٍ یرعاها ویتبناها ویوحدها وینقذها من الیتم والوحدانیة.
هي حقوق ومصالح کادت أن تذهب هباءاً في دوامة الفوضى العراقیة.
تقف هذه التراجیدیا في صفٍ واحد مع حملات الأبادة الآخرى في طابوراً من المُشتکین على هذه الأنظمة والحکومات والدول الفاشلة التي تسببت بخلقها، وتطلب منها التغیر والأعتذار أو الاستقلال.

محطات:

قطار الأحزاب الکردیة وبرنامج مسیرتهُ لمْ تتضمن محطات مُهمة في الجغرافیة الکردستانیة ولم تمر بها لحد الآن !!
أحدى هذه المحطات هم الآزیدیون ومحطة أخرى هم الکرد الفیلیون ومحطة أخرى هم الاقوام والادیان الاخرى في محیط کردستان. هي أخفاقات ….تستوجب الوقوف عندها.
حتى المحطة الأخرى التي کانت في البرنامج کمحطة کركوك. فأن اهالیها رکبوا القطار ولکنهم دخلوا في متاهاتٍ جعل من قادة المسیرة في عجزٍ عن أیصالهم الى مرفأ الآمان.
أما الفیلیون فمازالوا ینتظرون في محطتهم وحیدون، في أنتظار أضافتهم الى هذا البرنامج فبالنسبة لهم العیش في قطار تائه مع أمل الوصول أفضل من الانتظار وحیداً.

“السیاسيُ الجاهل” حکاية ٌ أخرى:

سمِعتُ حزبياً کانَّ یدعي أحتراف السیاسیة وهو یجیب على کرديٌ فیلي یطلب منهُ الدعم قائلاً:
” نحن نخدم مَنْ صوّت لنا!!!”.
فرد علیهِ بعضٌ من عامة الناس وقالوا:
” أتعرف یاهذا نحن لانمتهن السیاسة ولکننا لو کنا في موقعك لألتزمنا المنطق والدبلوماسیة في ردنا وقلنا
” نحن نخدم مَنْ یصوّت لنا ونحاول أن نکسب مَنْ لم یصوّت لنا!!!”.
وتدخل آخر کان بین العـامة وقال….
“حقیقة ًالسیاسیة کالأموال تحتاج لبیئة لکي تنمو و تـُستثمـر…فأنا أرى أنَّ ألأستثمار السیاسي في البیئة الفیلیة مناسب جداً…فبالرعایة والدعم لها سوف تضمن لك ثروة من الأصوات والناخبین ،وکتلة من التأیید والنفوذ في العاصمة !..
ثم أستطرد قائلاً : لقد سمعت عن رأس مالٍ جبان وممکن أن أتفهمهُ.
لكن أن یکون هناك فلسفة سیاسیة جبانة وجاهلة فهذه کارثة”.
أنتهـت الحکایة.

رؤیة:

کما هو حال کثیر من تفاصیل الحیاة الیومیة العراقیة فقد سُیس هذا الحق القانوني أيضا وباتت قضیة سیاسیة بأمتیاز.
ففي بلد ٍ یفتقر الى مؤسسات قانونیة وقضائیة تضیع الحقوق في ظل المساومات السیاسیة الرخیصة والفوضى الأمنیة.
وفي بلد ٍ ” دیمقراطي !!” دون صحافة ورأي عام،ومعارضة.
تضیع فیهِ الصرخات والمسیرات والندوات وحتى أجمل المقالات.
أنَّ اللعبة السیاسیة الیوم في العراق تحتاج عمل سیاسي جاد وأستثنائي. وقبل هذا وذاك لابد من توفر عقیدة ومنهج سیاسي للقضیة. ووعي یترسخ لدى کل الأفراد.
هذه العقیدة ستتولد عندما تبدء الاجابات على التساؤلات التالیة تأخذ طریقها لفکر الأفراد والعامة.
ویبدء بسؤال
مَنْ نحن؟
وسؤال
ماذا حصل لنا؟
وسؤال
لماذا حصل لنا هذا ومن المسؤول؟

أنَّ النجاح في خلق هکذا عقیدة والوعي السیاسي سوف یفتح المجال على توحد الجهود والأفکار ویساعد في بناء تمویل ذاتي واعلام مسموع لایتوقف عند المقالات والصحف الألکترونیة وانما یتعداها للصحافة المرئیة والمسموعة.
الدعم اللوجستي والزخم السیاسي لهذا التکتل الجدید ممکن أن یُستمد من رواد القضیة الأم ” الأحزاب الکردية الحالیة” التي بعملها هذا تکون قد دخلت مرحلة جدیدة في العمل السیاسي في العراق وبنت لنفسها حلفاء أوفیاء خارج نطاق نفوذهم الحالیة ” أقلیم کردستان” وأکتسبت لنفسها قاعدة جماهیریة جدیدة متحالفة وداعمة لها في وسط العراق.
أما الجانب الفیلي فسوف تکون قد بدئت في طرح نفسها کواقع ورقم صعب في الساحة السیاسیة العراقیة وتصبح شریکة في أتخاذ القرارات وتستعید حقوقها.
‌ألاجابات على التساؤلات المذکورة أعلاه هو واجب کل کردي فیلي في هذه المرحلة.
فتساؤل ” مَنْ نحن؟ ” ینتظر أجابة واضحة ومهمة یتحدد بموجبهِ هویتهم في ظل التجاذبات القومیة والمذهبیة الحادة بالعراق.والحسم في هذا المجال أحسن من الاجابات الفضفاضة.
وتساؤل” ماذا حصل لنا؟” یتطلب جهد جبار لتوثیق الأحداث وتعریفهِ بالعالم، وترجمة للهذه الذاکرة لکي تکون ذاکرة مقروءة ومسموعة ومرئیة.
وتساؤل” لماذا حصل لنا هذا ومن المسؤول؟” یجعلنا علي مقربة من معرفة الحقیقة والمغزى والمسؤولیة في مآساتهم. وهو مرتبط بتساؤل من نحن؟ وأین نعیش؟
بالتأکید التساؤل هذا یقودنا أيضاً الى وقفة عند النظام السیاسي العراقي والمنطق الذي یحکمهُ.
حقیقة ً هذا المقال المتواضع لایحتمل تحلیل مفصل لهذا النظام المعقد أو سرد تأریخي للأحداث أو تقییم لأدائها.
أنما یمکننا أن نشیر هنا في عُجالة ألى ظاهرة فریدة وغریبة قلما تجدها في الدول والحکومات الاخرى…..وهو:
” أن تصبح معاداة شریحة أومکـّـون معین من مجتمعاتهِ ، کأستراتیجیة مُتبنى على صعید الدولة تورثها للحکومات المتعاقبة”.
وألا بماذا تفسر مآساة هلبجة والکرد الفیلیین ومرحلي کرکوك…و..و.. الخ.
هذه النظرة الدونیة کانت ومازالت جزء من عقلیة شوفینیة نافذة في مراکز القرار العراقي. وهي فقدت في 9-04-2003 بعض من رموزها وأدواتها ولکنها مازالت تحتفظ بنفوذ کبیر تؤثر في السیاسة الداخلیة العراقیة.

كـُراس مُذکراتي:

كـُراس مُذکراتي مازال یحوي الکثیر من الصفحات الخالیة تخونني التعابیر أن أملئها، والتراجیدیا الکردیة بهذا الفصل الفیلي الغني والمجروح یستحق أکثر وأکثر…لکنني الیوم أقتطفت منهُ المقاطع المذکورة أعلاه.
كـُراس مُذکراتي یحوي فصول أخرى أکثرها حزینة وتحمل ذکریات قاسیة ومؤلمة ولکنها دائماً وأبداً هو مرفأي الذي أتوقف عندهُ ملیاً وأقرئه قبل أن أبدي رئي بأي شيء یخص الحاضر والمستقبل.
قالها مرَّة فطحل الشعر الکردي المعاصر..شێرکۆ بێ که‌س ” دونیا به‌قه‌د کوسپی خۆم ئه‌پێووم”..مامعناه ” أنا أقیس العالم بمعیار مآساتي”…..!!!
فمن ورد في سجل أحاسیسهِ وضمیرهِ أشارة ولو بسیطة لمآساتي أذکرهُ في کراسي ومن لا….فأنني سأشطبهُ من کراسي.

وللکتابة بقیة…..

صوت العراق