الرئيسية » مقالات » العراق .. من دولة البعث إلى دولة العبث..

العراق .. من دولة البعث إلى دولة العبث..

وصف الرئيس الأمريكي جورج بوش تعديل قانون اجتثاث البعث إلى قانون المساءلة والعدالة، بأنه خطوة مهمة نحو المصالحة في العراق.. وإن لم يبين الرئيس بوش مفهوم المصالحة الذي له وزن خاص على ضؤ ما يجري هناك من أحداث دموية فظيعة.. ولكن السؤال هل يستطيع هذا القانون المعدل السماح بعودة القياديين من حزب البعث المنحل إلى وظائفهم دون أن يطرأ ذلك بشيئ في الأوضاع؟ سؤال سنحاول البحث عن إجابته..

-1-

إنّ أية مقاربة أو محاولة إصلاح للوضع الذي سينتهي إليه هذا التعديل، لايخلو في طبيعة الحال من غموض ومفارقات ومزالق يصعب تحديد اتجاه مؤشراتها واستشراف نهاياتها المحتملة، لأنها تتعلق بتحقيق المصالحة المذهبية.. ولأنّ عندما يحضر (المذهب) في مجال الخطابة والممارسة السياسية الفعلية في العراق، فالأمر يختلف جذرياً.

ويمكن تلمس ملامح ذلك، من خلال تركيز القادة العراقيين على مسألة حكومة الوحدة الوطنية، في حين أنّ لذلك التركيز ما يضمر من مآرب بمحددات عديدة، منها المصالح الاقتصادية والسياسية لكل الأطراف المؤتلفة في حكومة المالكي من جهة، ومن الأخرى محافظتهم على استدامة منابع الاثراء التي تدر مصالح للقادة أنفسهم، الخاصة، والتي يغطونها بمغازلة توجهات شارعهم من حين لآخر بجرعات مالية وايديولوجية.. لهذا يبدو أنّ ما تم تحقيقه -إلى الآن- ينطوي وعلى نحو ما على ما لا يمكننا أن نسميه بكلمة المصالحة، لا بل هو مجرد خطابات سياسية مبنية على مبدأ بذل كل ما هو ممكن لتلافي وقوع ما هو أسوأ منه الآن، عليهم.

-2-

إنّ إرساء دعائم حكومة الوحدة الوطنية، وحقيقية ومستدامة في البلاد، قد يستحيل إنجازها بدون البعثيين، وذلك بالنظر إلى عدد من الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي تعذر ويتعذر ايجاد بدائل عنها. وإن كان كلام من هذا القبيل سيكون موضع حفيظة كثيرين من العراقيين، على اعتبار أن الفترة جرائم وحروب الإبادة الجماعية قد حدثت إبان فترة حكم البعثيين، أو حتى في العمليات الإرهابية التي تطال المدنيين يومياً في العراق. وحتى لو سلم بتلك الاتهامات الخطيرة، فإنّ أكثر مبادئ السياسية الأولية بداهة هو إذا أردنا أن نصنع سلاماً أهلياً حقيقياً، ينبغي أن نصنعه مع الخصوم، وحتى مع أشدهم، وليس مع نسخ منسوخة منا، حيث التطابق في الرؤى والمواقف والتوجه، وهذا ما تفعله حكومة المالكي إلى الأن..

ثم من المعروف أن البعثيين لهم امتدادهم في نسيج مختلف تكوينات المجتمع العراقي، وما زال يتمتعون بالتنظيم والانضباط كشبكة متجانسة في الخفاء، وبالتالي يتعذر حل أزمة مستعصية عمرها خمس سنوات عاجزة عن ايجاد حل، دون وضع اعتبار لهم. لهذا فإنّ عقد أية تسوية معهم سيجعلهم يتخلون عن الجماعات المسلحة المتشددة من ناحية ومن الأخرى سيتم بها قطع السبيل أمام المنشقين منهم المنخرطين في الجماعات الارهابية الملوثة أيديهم بدماء العراقيين، فضلا عن قدرتهم على ضبط عناصرهم دون تردد أو تذمر منهم.

-3-

وعدا هذا.. أرى لربما لا جدوى من هذا القانون المعدل، الذي يظهر أنه لن يغير من الوضع كثيراً.. لأنّ القانون المعدل بحد عينه لم يشر ولم ينه الخلاف بين القادة البعثيين وبين من يضمرون لهم الكراهية المقيتة، منذ أمد طويل.