الرئيسية » مقالات » نحو استعادة الشوارع , من أجل كل الحرية للجماهير , نحو بناء الديمقراطية من الأسفل !

نحو استعادة الشوارع , من أجل كل الحرية للجماهير , نحو بناء الديمقراطية من الأسفل !

يصر الجميع دون استثناء على ضرورة حل كل مشاكل مجتمعاتنا خاصة قضية بناء النظام السياسي بعيدا عن الشارع , لا بد من الحراك الفوقي “الهادئ و الرزين” داخل النخبة أو بين أقسام النخبة , لا بد من أن تبقى الجماهير تحت وصاية النخبة !..مع تفاقم أزمات الأنظمة القائمة على حالة استبدادية عائلية تطرح النخب بدائلها “الديمقراطية” تماما كما ولدت هذه الأنظمة نفسها التي تدخل طور الأزمة المزمنة اليوم “وطنية , قومية” أو “إسلامية” , فالنخبة التي ادعت يومها أنها قومية تستبدل اليوم بنخبة “ديمقراطية”..هذا لا يفترض من الشارع أن يقوم بأي شيء سوى أن يستمع إلى النخبة أو القوى صاحبة الامتيازات و يختار بينها عبر صناديق الانتخابات , لكن أليس هذا تقدما “هائلا” مقارنة بالواقع القائم ؟ هذا صحيح , و هو صحيح فقط لأنه هذه هي الحجة الوحيدة التي يمكنها أن تبرر واقعا سيئا بأن تنسبه إلى واقع أشد سوءا..هناك مركزة مطلقة لفكرة الدولة و لموقعها , يتساوى في ذلك الماركسيون و الليبراليون خاصة النيو ليبراليون منهم و طبعا الأصوليون , لا داعي للاستغراب فالنتيجة المطلوبة واحدة في كل الأحوال , الماركسيون أو اللينينيون يرون أن كل الفعل المقاوم للوضع القائم يجب أن ينصب على النضال السياسي في النهاية و هذا النضال السياسي ينصب على السلطة , أن تكون سلطة “صديقة” في مرحلة أولى وصولا إلى الاستيلاء على السلطة لصالح “البروليتاريا” باسم ديكتاتورية البروليتاريا بغض النظر عن درجة قهر الجماهير أو تهميشها و إفقارها و حتى إلغائها الفيزيائي , النيو ليبرالية من جهتها تريد دولة على ذات الشاكلة تقريبا لكنها تشكل النقيض في اهتماماتها , إن النيو ليبراليين يريدون دولة لا تتدخل في شؤون الاقتصاد إلا لصالح الملكية الخاصة , دولة لا تتدخل لتخفف الفقر عن كاهل الجماهير بل تتركهم تحت رحمة “القوى الطبيعية” للسوق و لا حتى لتبعد شبح الموت “الطبيعي” عن هؤلاء البشر أو حتى لتجنب أية كارثة بيئية تنتج عن “التطور الحر” لقوى السوق لكنها ستتدخل بقسوة و دون رحمة للدفاع عن الملكية الخاصة أي عن أساس سطوة الرأسمالية و ستعاقب أي خارج على هذا “القانون الأوحد للطبيعة” بقسوة لكنها لن تتدخل لتعالج مريضا واحدا خارج آليات السوق مهما كانت نتيجة ذلك , دولة يجب أن تملك ما يكفي من المركزة و القوة ليس فقط باتجاه داخلها بل باتجاه العالم بأسره , لا يمكن الحديث عن دولة عسكريتارية مدججة على هذا المستوى ليس فقط اليوم بل على امتداد كل التاريخ البشري أكثر من الولايات المتحدة و حليفتها الشرق أوسطية إسرائيل اليوم..تمت إعادة إنتاج الدولة في العراق بسرعة أكبر بكثير من المرتين السابقتين : بعد هزيمة الدولة العثمانية و بعد سقوط الملكية , طبعا بالاستفادة من مجمل التجارب السابقة , كان حمام الدم سريعا هذه المرة و مفجعا , وحدها نخبة مصابة بكل هذا الاستغراق في الذات و في نقاشات سفسطائية عن الشكل الأمثل للدولة , عن حكم الجماهير بشكل “ديمقراطي” , يمكنها ألا ترى ما يجري , مليون إنسان كانوا ضحية إعادة التأسيس “الديمقراطية” هذه..وقفت هذه النخبة , كما هو متوقع , على الهامش محاولة التدخل “الفكري” في كيفية إعادة الصياغة هذه حتى أن قسما منها , لعله الأكبر , ما يزال مقتنعا أن الجميع سيلجأ إليها في نهاية المطاف كمن يملك في جيبه خاتم سليمان..اليسار يريد اليوم بعد طول انتظار و مراقبة ما يجري عن بعد أن يدلي هو الآخر بدلوه , إنه يجمع صفوفه من أجل تشكيل تجمع انتخابي “يساري ديمقراطي” , هكذا تعاني النخبة اليسارية سابقا من استحواذ تام في إطار حتمية الوضع القائم , لا تستطيع النخبة أن تخرج من حدود الوضع القائم , من جديد تجد نفسها محشورة وسط عقائد دينها الجديد المطلق : النيو ليبرالية و لا تستطيع التفكير خارج أسوار ديمقراطية القوى صاحبة الامتيازات , التي تسمى اليوم بالديمقراطية التمثيلية , من الغباء فعلا حتى الاعتقاد اليوم أن أي تجمع انتخابي خارج إطار القوى الأساسية صاحبة النفوذ في المؤسسات الدينية الشيعية و السنية قادر اليوم على أن يشكل قوة جدية على الأرض بدون تغيير كامل قاعدة و صيغة النظام , بدون الانتقال إلى ديمقراطية جماهيرية , من دون تفعيل الشارع , بدون مواجهة “الديمقراطية التمثيلية” من أعلى أي سلطة القوى صاحبة الامتيازات , إما وفق الشكل النيو ليبرالي السائد اليوم أو اللينيني البائد , بديمقراطية من أسفل , بحرية الجماهير..في سوريا قامت النخبة بتشكيل جهاز بديل أعلى للدولة مع إدراكها لتفاقم أزمة النظام , لا يوجد أي مجال للشك في أن إعلان دمشق خاصة بعد مؤتمره الوطني هو صيغة حكم بديل “ديمقراطي” عن النظام الذي يتداعى و يستشعر الخطر فيحاول الانقضاض على خصمه الضعيف بشراسة , و لهذا بالذات فإننا نرفض منافسة اليسار اللينيني و القومي لقوى إعلان دمشق على هذه الصيغة البديلة لأن هذه المنافسة ليست جديرة بقوى تغيير جذري رغم إصرارنا على الدفاع عن أفرادها كضحايا لقمع النظام المتزايد برهابية واضحة , لم نكن بحاجة لأن يؤكد السيد محي الدين لاذقاني من قناة الحوار في لندن أن إعلان دمشق بمثابة حكومة ظل جاهزة لتحقيق انتقال سلمي نحو “الديمقراطية” , هذا واضح بكل جلاء , لقد جرى اختزال العشرين مليون في ما يزيد قليلا عن المائة و خمسين شخص و يريد جزء من النخبة هنا أن يعيد تأسيس التراتبية الهرمية في المجتمع وفقا لمقاييس جديدة , أن يجعل المقياس الأساسي للمواطنة و القابلية للمشاركة السياسية , أو كما وصف أحدهم أبرز شخوص هذه النخبة بأنهم “رجال دولة من طراز رفيع” , بمقياس عدد سنوات الاعتقال السياسي و قد يضيف البعض سنوات النفي , هذا المقياس الجديد يعني أن العشرين مليون سوري غير مؤهلين لحكم أنفسهم لمجرد أن النظام اكتفى بوجودهم في سجنه الكبير دون سجونه الأصغر , هكذا تؤسس النخبة لشرعيتها , إن إعلان دمشق ليس نخبة نضالية بمعنى أنه لا يريد أساسا سوى التغيير السلمي المتدرج , إنه ليس نخبة – طليعة تبحث عن قيادة نضال أو ثورة و هو نفسه يتحاشى الحديث عن أي نضال ضروري ناهيك عن ثورة , إنه لا يطالب الشارع بأي تحرك جدي و لا يعتبر الشارع أساسا هو المكان الذي ستحسم فيه الأمور, لا شك في أن الشارع مدعو ليمارس دوره السلبي المنفعل في قضية التغيير اليوم انطلاقا من هذا الخطاب , للإنصاف لا تريد النخبة من الشارع سلبية دائمة لكن ليس قبل أن يكون أمام الشارع مجموعة خيارات جاهزة من القوى التي سيطلقها سقوط النظام ليختار من بينها عبر صندوق الانتخابات..قد يرى البعض هذا مبررا بسبب ضعف الشارع الشديد في مواجهة قهر النظام , و قد يرى البعض أنه لا داعي للنضال أساسا فالنظام بحكم الساقط فعلا , ربما ؟ لكننا و خلافا للكثيرين نمثل المعارضة الحازمة لكل من هذا النظام و تلك المعارضة دون أن نتوانى للحظة عن الدفاع عن هذه المعارضة ضد قمع النظام , و ذلك بقصد تثبيت حق النخبة و الجماهير في الدفاع الشرعي عن النفس في مواجهة القمع و كجزء من إعداد الجماهير للمعركة الحاسمة , معركة تغيير النظام من أسفل بيد الشارع تغييرا جذريا نحو تحقيق ديمقراطية الجماهير..إننا من بين كل القوى لا نخشى سقوط النظام أو انهياره تحت كاهل أزماته المتفاقمة بل و خاصة و لا سيما تحت ضربات الجماهير..إننا و خلافا للتغيير المتدرج نرى في التغيير من أسفل الشكل الوحيد التقدمي للتغيير في سوريا و من الواضح أن الكثير من اليساريين يعتبرون هذا طفولة يسارية مستخدمين التوصيف اللينيني المفضل , إن المغامرة بأي شيء خارج الحراك الفوقي هو رعب لأولئك اليساريين الذين يتساوون في الموقف من فعل الجماهير الحر مع النيو ليبراليين و الأصوليين , إنه غير مضمون و خطر و قد يعزز قوى العدو , هكذا يمكنك أن تفكر إذا كانت الدولة وحدها تستحوذ على تفكيرك و يجب أن تبقى و بأي ثمن بأيدي “صديقة” , عندما لا تكون قضيتك هي حرية الجماهير , عندما ترى قضية التغيير على أنها تكاثر عمودي للطليعة السياسية للبروليتاريا وصولا إلى الاستيلاء على السلطة نيابة عن الجماهير و ليس على أنها تولي الناس مباشرة لأمور حياتها , لهذا تحديدا يسمينا اللينينيون عفويين لأن أي شيء آخر غير السيناريو السابق هو عفوية طفولية بالنسبة إليهم..خلافا لكل هذا فإن السيناريو أو مشروع السيناريو الذي نعمل من أجله هو أن تتولى الجماهير مباشرة إدارة شؤون حياتها عبر مؤسسات ديمقراطية تبنيها هي نفسها بمبادرتها الخاصة من أسفل , إننا ندعو الجماهير إلى القيام بدور مختلف عن مجرد الانتظار و المراقبة عن بعد كما يدعوها لذلك “بديل النظام الديمقراطي” , أو مجرد الاكتفاء بنهب مؤسسات الدولة عند سقوطها بانتظار ظهور مؤسسات الدولة الجديدة , إننا ندعوهم فورا للاستيلاء على المصانع و على الأراضي , على الثروة الوطنية و وسائل الإنتاج لتضعها بأيدي لجان و هيئات منتخبة ديمقراطيا من أسفل , لتتولى بنفسها مسؤولية الأمن المحلي عبر هيئات منظمة جماهيريا , من الطبيعي أن هذه الهيئات يجب أن تدار بأقصى ديمقراطية و أن تكون مفتوحة للجميع , لكن هنا , بالديمقراطية من أسفل , لن يكون أصحاب الامتيازات أو القوة الاقتصادية أو المالية أو الاجتماعية أو زعماء المؤسسات الدينية كما في حالة الديمقراطية التمثيلية أسياد الوضع بل سيحضرون فقط بصفتهم الإنسانية الفردية الصفة الوحيدة التي تكسب لأي كان مكانه في الديمقراطية من أسفل , هذه طوباوية بالنسبة للنخبة مقابل مشروعها للتغيير السلمي المتدرج , هذا طبيعي أيضا , فالقوة الخارجة عن الجماهير هي الموضوع الوحيد الذي اختبرته في الفلسفة و في التاريخ و خاصة تاريخها القريب على أيدي النظام مما يجعل القوة المتجسدة في حالة فوقية خارج الجماهير و حتى النخبة نفسها هي الحقيقة الوحيدة..القضية أبسط بكثير من التعقيدات الفلسفية و التاريخية التي قد تبدو ضرورية في مقاربتها , الحقيقة أنه مع سقوط القومية و الماركسية بصيغتها الستالينية , أي مع سقوط آخر نسختين للتغيير من أعلى رغم أنف الجماهير مع التأكيد الكامل , الضمني و المباشر , على هامشية دورها و حقوقها مقابل مركزية فعل النخبة – الطليعة , تخلت النخبة عن هذين النسقين الفكريين السياسيين , عن حق على ما أزعم , لكن ضمن ذات الإطار من تغييب الجماهير و الاستهتار بدورها و ربما بحقوقها و أولوية الفعل النخبوي..استغنت النخبة عن المضمون و احتفظت بالشكل لتقبل بكل بساطة من جديد تغييرا متدرجا من فوق , تماما كما كانت الدولة الاشتراكية في المفهوم اللينيني مؤقتة و مجرد مرحلة في التدرج نحو الحرية السياسية و الاقتصادية الكاملة للجماهير لكنها انقلبت إلى غول همجي لا يختلف كثيرا في الجوهر عن سلطة السادة البرجوازيين , و استبدلت النخبة الحتمية الماركسية الصارمة بحتمية نيو ليبرالية “اكتشفت” نهاية التاريخ و الحتمية لا تتطلب أي فعل واع أو على الأكثر لا تحتاج إلى أكثر من محفزات لا يهم إذا كانت خارجية أو داخلية تماما كقوانين الكيمياء , لكن خلافا للحتميات الدينية و الماركسية و النيو ليبرالية , فإن التغيير الديمقراطي ليس حتميا , سقوط النظام وحده الحتمي هنا , أما حتمية التغيير هنا فهي مرتبطة بالناس أنفسهم فقط لا غير..هذا هو جوهر القضية , الجماهير , بكل اختصار , حرية الجماهير و تحقيق عالم أفضل لها تحديدا , و ليس صحة أي مضمون إيديولوجي متغير و نسبي في نهاية الأمر , القضية ليست على الإطلاق في إثبات أن الماركسية أو القومية أو النيو ليبرالية هي الأصح كما قد يبدو من النقد الذي يوجهه اليسار اللينيني أو القومي للنخبة المتلبرلة أو نقد تلك النخبة لليسار المتقوقع في إيديولوجيته الفوقية , هنا يمكننا أن نحاول إعادة الأمور إلى أساسها الجوهري : إما حرية الناس , أو الاستبداد و الاستغلال و الاستلاب , الحرية من أسفل أو الاستبداد المفروض دوما من فوق…