الرئيسية » مقالات » الحركة الشيوعية واستحقاقات المرحلة

الحركة الشيوعية واستحقاقات المرحلة

في رسالة حول ” برنامج غوتا ” قال أنجلز : ” إن البرنامج الرسمي لحزب من الأحزاب يتسم ، على وجه العموم ، بأهمية أقل مما تتسم به أعماله ، ولكن البرنامج الجديد هو دائماً بمثابة راية ترفع أمام أنظار الجميع ، وعلى أساسها يرى العالم الخارجي الحزب . ولذا ينبغي في مطلق الأحوال ألا يكون البرنامج خطوة إلى الوراء ” .
انطلاقاً من هذه المقولة وما يطرح من أفكار حول حزب من طراز جديد وإعادة وحدة الشيوعيين و دورهم أرى بأن الحركة الشيوعية (اليسارية) اليوم تمر بأزمة حادة ، حيث انقسمت أحزابها ويفقد العديد منها جماهيرها ويتخلى البعض الآخر عن مبادئها وعن برامجها وأهدافها وعن طابعها الطبقي وتعرضت مصداقيتها لدى الجماهير للاهتزاز أو يفقد ثقة الجماهير ، ومن حافظ منها على اسم الشيوعية تنازلت عن ثوابتها ودخلت في صفقات لتبيض الأخطاء حتى لو كان ذلك على حساب برامجها وأهدافها وثوابتها التي أصبحت برسم المقايضة . ويعود ذلك بالأساس إلى :
 طرحها للأفكار المادية وإنكار كل ما هو روحي وديني وبذلك فقدت الكثير من الأصوات المؤثرة وسط بلاد قامت أساساً على تلك الأفكار الروحية ( الشرق ) .
 جمودها الفكري على النظريات والنتائج للمراحل السابقة للثورة المعلوماتية والعولمة ، وعدم انفتاحها للتفكير الجديد وإهمال التجديد الفكري .
 إخفاقها في بناء المثال الواقعي وتحقيق حلم الجماهير ، بمجتمع العدالة حتى داخل هيئاتها .
 فشلها في تطوير الماركسية وعجزت عن خلق مثال أفضل للاشتراكية و إلغاء الاستغلال داخل قياداتها وانتشار المحسوبية والزعامات فتزعزعت ثقة الشباب والمثقفين بهم وبذلك خسرت الكثير من مؤيديها
 عدم أخذ الواقع المتباين في كل منطقة بعين الاعتبار وخلق حلول موضوعية لمسائلها والاعتماد على العامل الخارجي (النظريات السوفيتية) .
 الارتكان إلى صف السلطة عملياً ورفع شعارات مضادة نظرياً مما أفقدتها ثقة الجادين من الجماهير فسهلت انقياد الجماهير إلى السلطة .
 ممارسة نوع من التقليد بوعي منها أو لا لممارسات الحزب الحاكم وأساليبها التي تنتقدها ومشاركتها لسياساتها ” حزام العربي ” مما دفعت بالجماهير إلى التهرب منهم وعليهم إلى الأنظمة الحاكمة ما دامت تحمل نفس السياسات ” السلطة والحركة الشيوعية ” .
 فشل الأحزاب الشيوعية في إقناع جماهيرها من الأقليات بأنها المدافعة والمعبرة عن حقوقهم في وجه سياسات التي تمارسها السلطة بل دخلوا معها في جبهات فأعطوا الشرعية في تمثيل سياسات السلطة على الشعب.
 خلو نضال الأحزاب الشيوعية من موقف واضح وصريح بخصوص القضايا المصيرية ” القضية الكردية ” والقول بأن جميع القضايا تحل في ظل الاشتراكية علما أن السلطة أيضاً يرفع شعار الاشتراكية0
 عدم مراعاة الخصوصية القومية للكرد كما تم مراعاتها لغيرهم” نشرات كردية ، دورات اللغة الكردية . التاريخ الكردي ، التراث والعادات ..” مما عززت قناعة الأكراد بالأحزاب الشيوعية على أنها المعبرة والممثلة للإرادة العربية فقط .
 الاهتمام بقضايا فلسطين ، فيتنام ، كوريا ، العراق … الخ وإهمال القضايا الأخرى الأقرب .
 قيام الأحزاب الشيوعية بما يشبه الانقلاب المفاجئ على العادات والتقاليد والقيم دون مراعاة الخصوصية التاريخية و الاجتماعية للبلاد .
 عدم جدية المعسكر الاشتراكي سابقاً في دعم الأحزاب الشيوعية في سوريا وتفضيلها الوقوف إلى جانب السلطة والدولة .
 تفوق الرأسمالية واستغلالها لهذه الأزمات سياسياً واقتصادياً وفكرياً .
 تحول قيادات الأحزاب الشيوعية ( القادة ) الى طبقة الرأسمالية من حيث الثروات وأسلوب الحياة ، في نفس الوقت الذي يطالبون بمحاربة الخصخصة و الرأسمالية و مؤازرة الطبقة الكادحة 0
 إهمال الجانب التثقيفي للجماهير ، و الانعزال عنه الى صفقات خاصة 0
 عدم احتكاك القيادات مع الجماهير و مشاكلها ، و الانشغال في ترف القصور0
* * * ما العمل ؟
إذا ما أرادت الحركة اليسارية ” الشيوعية ” من النهوض و الانطلاق من جديد فلا بد لها من أخذ كل ذلك وغيرها بما في ذلك إبعاد الطبقة الرأسمالية المفروضة على قيادة الحزب بعين الاعتبار وإعادة طرحها ومناقشتها أمام الجميع وبروح إعادة البناء وعلى ضوء معطيات العصر الراهن ومتطلباته لكي تتعمق وعيهم ووعي الجماهير وتتوطد حركتهم ويتصاعد نضالهم .
لقد ظهرت الحركة اليسارية ” الشيوعية “باكراً عام 1924م وكضرورة تاريخية فرضتها ظروف الاستغلال والعبودية ، ومن أجل تحقيق مجتمع إنساني بكل أطيافه وتحريرها من جميع أشكال الاضطهاد ويمكنه من تحقيق حريته وذاته كأساس لتقدم وإطلاق طاقاته الإبداعية ، وهو كأي كائن حي يولد لينجز مهمته وعند مرورها بأزمات عليه التجدد لكي يستطيع القيام بمسؤولياته التي لم يحققها بعد وغير ذلك يسير إلى الاضمحلال والجمود والبحث عن ملاجئ يقضي فيها ما تبقى من حياته ، كما تفعل الأحزاب الشيوعية باللجوء إلى صف السلطات الشمولية والأحزاب الدينية المحافظة .
وقد مرت الحركة اليسارية العالمية بظروف مصيرية أثبتت فيها جدارتها وبقيت صامدة رافضة اللجوء إلى خنادق السلطات الدكتاتورية ، ورغم كل الظروف استطاعت أن تحافظ على مبادئها حتى لو كانت داخل السجون واستطاعت أن تقدم مثال نبيل يحتذي به وخاصة في مجال التثقيف والاستمرارية على الثوابت والترابط بين الثوابت والمتغيرات .
واليوم الحركة الشيوعية السورية مدعوة لتثبت حيويتها بانتقاد نفسها وسياساتها والعمل الحثيث لتصحيح أخطائها والاستفادة منها وتجديد نفسها لبناء أكثر قوة ومصداقية وربما يكون اليوم فرصته الأخيرة لإعادة الاعتبار لمبادئها ونضالها وبناء حركة شيوعية حقيقية ملتزمة بأهداف كل الجماهير .
*** لماذا حركة يسارية جديدة ؟
إن الإنسانية تمر اليوم بأخطر مراحلها وهي بحاجة ماسة إلى حركة يسارية متجددة مبدئية منطلقة وجريئة وصادقة مع نفسها أولاً ومع مبادئها ثانيا ، تستطيع استيعاب المرحلة بكل تناقضاتها لأن السلطة ورغم كل ما أدخلتها من تعديلات على طبيعتها وأساليبها ورغم تشدقها بالتعددية السياسية و الاقتصادية لم تستطع أن تخفي جوهرها المتسلط الشمولي المتفرد وإن تغير بنيتها الأمنية الاستغلالية ، بل أن السلطة لم تستطع الاستماع حتى إلى أقرب حلفائها ” ضحاياها ” وبقيت تسير في قمعها وترهيبها وتزداد كل يوم لائحة ضحاياها باستخدام الآلاف من الصعاليك أدوات لقمع الناس “مسيرات الشموع ليلة نيروز بحلب ” .
ولم تتخل السلطة بعد عن عدوانيتها للشعب واستخدام أجهزتها العسكرية والمدنية لحماية مصالحها .فمعالم العالم الجديد لم يجد طريقه إلى سوريا بعد ، والتفكير الجديد لازال يلاقي المقاومة.
إن البشرية بحاجة إلى حركة يسارية من أجل تعبئة الشعب للنضال ضد التمييز والاضطهاد والمشاريع الاستثنائية .
إن البشرية بحاجة إلى حركة يسارية جديدة لتعبر عن مصالح جميع المضطهدين بغض النظر عن انتماءاتهم وتحقيق وحدتهم لبناء نظام جديد يسوده العدالة والمساواة وحرية الشعوب في تقرير مصيرها واختيار طريق تطورها وتجنيد كل إمكانياتها من أجل الخلاص والحرية .
إن سوريا بحاجة إلى حركة يسارية ” شيوعية ” متجددة لا تضيع الهدف والرؤية مهما تكاثفت الضغوطات والصعوبات والمغريات ، الحركة القادرة على تمزيق نسيج العنكبوت الذي لفته عليها .
إن عصرنا هو عصر الحركات الجماهيرية والمدنية وحقوق الإنسان والديمقراطية حيث تمتد عبر الحدود لتشكل تيارات عالمية تقف في وجه ممارسات السلطات الديكتاتورية والتمييز العنصري ولم تعد السلطات مطلقة الحرية في الاضطهاد والاعتقال ونفي حقوق وشن حملات التضليل رغم أنها لم تتخل عن طبيعتها وبنيتها الأمنية الشمولية بعد ولم تتخل عن أساليبها غير المشروعة لحماية مصالحها ، بعد أن تصبغها بأفكار الوطنية بواسطة أبواقها التي تجيد العزف جيداً .
إن الإنسان بحاجة إلى حركة شيوعية المتجددة الواعية لدورها ومبادئها وحقوق شعوبها والمسلحة بالتفكير الجديد المتطور بديناميكية عالية والمستفيدة من كل تراثها وتجاربها وكامل التراث العالمي لتصوغ نظرياتها وأدواتها وأهدافها .
إننا بحادة إلى التنظيم المستقل إلا عن طموحات جماهيرها والمرن القادر على تعبئة المجتمع نحو الأهداف التي تنسجم مع أهدافها .
إننا بحاجة إلى حزب متين يعتبر الديمقراطية أساساً لسياساتها الداخلية دون المساس بالمركزية الضرورية لوحدة الحزب .
إننا بحاجة إلى مدرسة لممارسة الديمقراطية وتقدم المثل للتنظيمات الأخرى ، تربط ربطاً عضوياً بين المطالب و الأهداف الراهنة مع الأهداف الإستراتيجية وتهتم بتجارب الشعوب الأخرى وإذا نظر إلى المستقبل لا يلعن الماضي بل يستفيد من تجاربه وإنجازاته لبناء مستقبل افضل .
انتهى