الرئيسية » مقالات » الاغتراب وحياة الإنسان

الاغتراب وحياة الإنسان

الاغتراب يعني تهميش الإنسان،وحرمانه من وسائل ومستلزمات لها علاقة وارتباط بشعوره وإحساسه ورغباته وذاته،وقد انتزعت منه هذه الوسائل والرغبات والمستلزمات غصبا،ورغم أرادته ورغباته،وفرضت عليه أساليب لا تنسجم مع طموحه ورغبته وأرادته وإنسانيته،،كأبعاد الإنسان عن محيطه وعائلته ووطنه،أو إجباره على القيام بعمل لا ينسجم مع رغباته وأرادته،وقد تدفعه الحاجة أو الضغط لأداء ذلك العمل، بسبب العوز والحاجة من أجل سد رمقه وجوع عائلته ،أو حجر حرية الإنسان ومنعه من أبداء رأيه وحريته في التعبير عن قناعاته،أو حينما يكون عاجزا عن تحقيق طموحاته ورغباته وأحلامه.
يعرف علماء النفس،الشخصية الإنسانية”بأنها مجموعة منظمة من الأفكار والسجايا والميول والعادات والرغبات والأحلام التي تميز إنسان ما عن غيره وأن الشخصية الإنسانية عبارة عن تكوين حركي ومحاولة مستمرة في سبيل التوفيق بين الرغبات الإنسانية الطبيعية،وقواعد المجتمع المفروضة عليه،والتي في بعض الأحيان تفرض عليه وتحتم احترامها وطاعتها” ويقول علماء الاجتماع” أن التناقضات في النظام الاجتماعي الواحد سوف تتسبب بحلول نظم اجتماعية جديدة من أعمالها الأولى “السلوك المغترب”وذلك ناتج عن تحكم نظم وعلاقات اجتماعية يخلقها نظام خارج عن سيطرتنا فأن ذلك ما يشار إليه بأنه الاغتراب”.
ويرى ماركس”أن أحد الطرق التي يستغل بها الإنتاج الرأسمالي للعمال هي أن يجعلهم يشعرون بغربتهم عن أنتاج أيديهم وتتعدى تأثير الرأسمالية السلبية مكان العمل إلى حد كبير فهي تتخلل كافة مجالات الحياة السياسية والاجتماعية حتى العلاقات الأسرية،كما تشمل العلاقات الإنسانية وحرية الفرد التي تتحكم بها وتفرض طبيعة النظم الرأسمالية بعدم السماح والقدرة عند الإنسان بالوصول إلى إمكاناتهم الكامنة والمبدعة التي تعبر عن ممارسة رغباتهم وأرادتهم الحرة التي يرى أنها أجزاء أساسية من الطبيعة البشرية”.
أن الآثار النفسية التي تتركها ظاهرة “الاغتراب” على الإنسان وتجعله مهمشا وانطوائيا وكئيبا،وينتابه شعور وإحساس بسوء الحظ،مما يجعله أن يكون محصورا ويعيش في مجتمع”صغير” عائلته أو مجموعة مختصرة من أقربائه أو زملائه ،يجد فيهم نفس الصفات والانعكاسات النفسية التي تنسجم مع رؤاه وتطلعاته من خلال ظروف الوجود نفسها،لذلك فأنه يعيش في بيئة ينسجم ويتناسق معها من خلال مجموعة من البشر تحمل نفس الأفكار والرؤى والتطلعات،وهذه البيئة والجماعة تكون أساسا جامدة غير متحركة ومتشائمة ومنطوية على نفسها،وهذه الجماعة بالرغم من أنها تتشكل من بشر بأشكال مختلفة،لكنهم يشغلون الأفق الاجتماعي الضيق،ولذلك ستكون حالات الوعي الفكري والتطور الذهني ومستواهما من نفس السمة نفسها،فهي مشتركة بينهم جميعا تكون مغلقة ومرتبطة بالأشياء نفسها،فهم يشاهدون نفس الوجوه وذات المكان بشكل يومي وروتيني،مما يؤثر في وعيهم وتطورهم ويخلق أمراضا نفسية لديهم،لأنه يشاهد ويستمع ويمارس المزايا نفسها ويتحدث بأحاديث تتكرر في جميع الأوقات،إضافة لمشاهداته،فأنه يشاهد نفس الحيوان والشجرة أو الجدول،وذات المنظر دون أن يتغير شيء من مسارات حياته،مما يجعل صور الأشياء ثابتة وجامدة لتكرار مناظرها ومشاهدها يوميا،على الرغم منه،وتصبح مملة نافرة كما في عمله وحياته اليومية،مما يؤدي به أن يصبح شخصية محدودة وجامدة ،وبعكس ذلك أن وعي الإنسان ينمو وينضج ويتطور حينما تتبدل طبيعته وعمله وحركته ومخالطته للناس من خلال الأحاديث المختلفة ،وتنامي وتطور وعيه وإطلاق طاقاته وإبداعاته لأن إمكانياته تنتشر في منطقة واسعة ومتشعبة مما يجعله يشاهد فضاآت واسعة والاحتكاك ببشر يختلفون في رؤاهم وتفكيرهم،على عكس الإنسان المنغلق المنطوي على ذاته،ويعيش في مجتمع ومحيط ضيق،كما أن ظروف الحياة ليست نفسها في كل زمان ومكان مما يؤدي إلى تنمية وتطور الوعي الإنساني وتنامي مداركه من خلال المكونات الأكثر تباينا واختلافا بين مكان وآخر وزمان وآخر،وكلما ازدادت الفروق والاختلافات بين اللوحات الفردية يزداد وعي الإنسان ومداركه من خلال الاختلاف والنقاش والاستدلال ونخلق منه شخصية جديدة وفعالة تشعر بذاتها ومكانتها وإنسانيتها وهذا ينتج من خلال مشاركة الإنسان بالفعاليات والعلاقات الاجتماعية.
وتحضرني أبيات للشاعر زهير بن أبي سُلمى تتجسد فيها معاناة الإنسان العراقي فيقول :
ثلاث يفر الصبر عند حلولها

ويذهل منها عقل كل لبيب


خروج اضطرار من بلاد يحبها

وفرقة أخوان وفقد حبيب




ويقول الشاعر نزيه أبو عفش عن الاغتراب :
الظلم منفى لأنه يجعلك غريبا ً عن الآخر القريب إليك والمجاور معك
ويقول المفكر إدوارد سعيد : ( المنفى هو الحياة خارج النظام المألوف )
ويقول الشاعر محمود درويش : ( المنفى أمكنة وأزمنة تغير طبائع أهلها ) .
إن الاغتراب يعني حرمان الإنسان من قيمه الروحية وإن هذا الحرمان يحرم الإنسان من جميع رغباته وغرائزه وعواطفه الطبيعية الإنسانية ويتحول الى آلة عقلية جامدة ويصبح غير قادر وعديم الإحساس بأي مشاعر غير تلك المشاعر التي تمليها عليه قوانين معينة وأن السعادة الإنسانية تعتمد على المبادئ الأخلاقية ( القيم الروحية ) كما تعتمد على الرفاهية المادية والاستقرار النفسي والطمأنينة وأن ( القيم الروحية ) متماسكة لا مجزأة فالسعادة مرتبطة بالفضيلة ، والفضيلة مرتبطة بالعدل ، والعدل مرتبط بالسعادة والاستقرار .
إذا كان في هذا العالم عوامل وأسباب تدفع الإنسان بالاقتناع بحتمية القدر والظروف وفرضها عليه فإن هنالك أسباب وعوامل لا تستطيع الوقوف ضد حدوث مثل هذه الأقدار والأضرار وتخفف أو تمنع حدوثها وأن هذا المسلسل عبارة عن حلقات متضادة ومتنافرة يمكن اكتشافها وتقليل ضررها بواسطة العقل المدرك والمدبر والواعي الذي يستطيع الإنسان بواسطته أن يتكيف مع تطورات الحياة وتقلباتها والتي تؤدي الى سلسلة من النتائج التي تعجل بتطور المجتمع عبر آلاف التحولات والتقلبات التي تساعد أيضا في تقدم الحياة وتطورها وتؤدي الى دفع مسيرة التاريخ الى أمام .
أن أي شيء في الكون لا يتصرف أو يتحرك إلا وفق قوانين معينة تتيح لمن يدركها الوصول الى الأهداف والأسباب والعوامل لتلك الظاهرة لأن العقل البشري ومكوناته من الوعي والإدراك والفهم الذهني والمعرفة بالواقع الموضوعي الذي بواسطة القوانين وإدراكها ومعرفتها وتطبيقها بحيث تتوافق وتتناسق مع الحركة الشاملة للمجتمع وتطوراته بالرغم من أن لكل ظاهرة في الوجود خصوصيتها وفي نفس الوقت لها مسبباتها وعواملها والحلول المضادة لها عن طريق القوانين الموضوعية التي تتحكم بهذه الظاهرة التي تعتمد على ديالكتيكها في الوصول إليها ومعرفتها والتي تؤدي إلى ظهور ديالكتيك جديد مستوحى من تلك الظاهرة حسب القوانين والحقائق العلمية المادية المرتبطة بها والذي يؤدي إلى اكتشافها والتحكم بها .

إن اكتشاف هذه الظواهر هو بالتأكيد نتيجة التطور العقلي والوعي الفكري الخلاق لدى الإنسان مما مهد له السبيل لسيطرة على جميع عوامل الطبيعة الفطرية الخارجية والداخلية للمجتمع ويعتبر المحرك الأساسي والفعلي لها هو الوعي الفكري الخلاق الذي عرفته الإنسانية منذ القرن السادس عشر والذي استطاع من خلاله المفكرين والباحثين من إعادة تفسير مفاهيم العقل والعلم والمعرفة عموما ً . إن الخريطة الواقعية والموضوعية للمجتمع لا غنى عنها بالنسبة للفكر والعمل ولكننا في بعض الأحيان قد نصوغ رؤيا واجتهادات ونتصرف معها بلغة الحقائق الموضوعية ولكنها قد نظلل أنفسنا في بعض الأحيان وتؤدي الى نتائج عكسية وغير صحيحة حيث تكمن في عقولنا خلفيات وترسبات افتراضات وانحياز وأحكام مسبقة وتراكمات وتحاميات مزاجية وعاطفية قد تشكل لدينا رؤيا واجتهادات للواقع الموضوعي والتي نعتبرها صحيحة وواقعية نظريا ولكنها قد تلعب دورا خاطئا ورجعيا ومخالفا للواقع الموضوعي إذا ما طبقت في غير شروطها التاريخية من حيث المكان والزمان ولذلك فإن الخرائط التي تعكس الحقائق المتطورة وكيفية حكمنا على أهميتها ودراسة مزاياها لذلك نحتاج الى خرائط ذات نماذج واضحة لكي نكون قادرين على :
1. الترتيب والتعميم بشأن الواقع الموضوعي .
2. فهم العلاقات السببية بين الظواهر .
3. رسم الخرائط التي نستطيع بها التوقع والتنبؤات بالتطورات المستقبلية والذي نفرض تغيير التكتيك من حالة الى حالة أخرى إذا تطلب ذلك حسب تغير الواقع .
4. التميز بين الأهم والمهم والأولويات على الساحة السياسية العراقية .
5. بعد دراسة الظاهرة من جميع جوانبها واحتمالاتها السلبية والإيجابية وظروفها الموضوعية المحلية والإقليمية والدولية نستطيع رسم الخريطة التي تساعدنا في رؤية أي الطرق نسلك لتحقيق أهدافنا .
إن الواقع الجديد والمرحلة الراهنة تستوجب وتجعل جميع القوى الحية أمام الواقع والمسؤولية التاريخية ببناء تحالف متين وعريض لا يقتصر على القوى التقدمية واليسارية والديمقراطية والوطنية بل يشمل ويضم منظمات المجتمع المدني والجمعيات والنقابات وأن تكون جبهة جماهيرية واسعة .
إن الأيام تترى والأحداث تتسابق مع الزمن وتستعرض الأجيال أمام منصة التاريخ وسينطق التاريخ حكمه الذي لا يرحم فيذم هذا ويمدح ذاك ….