الرئيسية » مقالات » جادة الضوء

جادة الضوء

مقالات لنفس الكاتب


جاء عباس باني إلى حافة العالم مثلما يجيء المرء إلى حافة الماء في أمل العثور على الطمأنينة. أعطى ظهره إلى عراق مولده ولم يتوقف سعيه إلا في غرب الأرض الأوربية، هنا، حيث فرنسا تنتهي برمال ( فنديّة ) ممنوحة إلى هياج المحيط العظيم. رحلة بدون رجعة ممكنة ستدوم بعض عشرة سنوات. كان هذا زمن الاكتشافات ، اللقاءات والتجارب. كان هذا، أيضاً، زمن المحاولات والحيرة وبعض الأحيان الشك. تاركاً بلاده، أهله وثقافته ومن ثم العيش… الرسم ! مسيرته الطويلة منثورة بمحاولات براقة في سينما التحريك، أفلام قصيرة، بدايات غالباً بدون غد، متابعات واعدة لكن غير مكتملة، ثم في بعض المرات، ثمة عمل مميز في التصوير أو في النحت له ذوق النادر.

إن جرح الهجرة عميق وليس لذاكرته معاناة الزمن. إن انفتاحه، قليلاً فقليل، على الثقافة الأوربية، لم تجعله أبداً أن يتجرد من طبيعته الشخصية؛ يعرف باني إنه يحمل دائماً في ذاته خمائر لعمل خطر ومؤلم.

روحه قلقة لا تنسجم مع فن يستند على الخطابات. إنه يريد من خلال أعماله أن يقول لنا صراخاً بأي حال. التصوير هو حالة طوارئ. فكل صورة هي في تشخيص ضروري يروي مأساة الأحداث؛ المذابح، التعذيب وجنون الرجال المدفوعين بحب الحروب يسكنه إلى حد الهوس.

تحت فرقعة خطوط ألوان الباستيل تولد، بالرشق، هيئات لحقل واسع من الانفعالات. وباتجاه السماء التي لا يأتي منها سوى النار، تلتفت مجاميع الوجوه متضرعة إلى الضياء. هذا البناء العمودي وهذا التوتر الشبه متصوف ينتظم من الأسفل إلى الأعلى، الذي يكرس باني له المهم من عمله. فإذا كان الطفل، بشقاوته البريئة، يسائل الأم، فالرجل بكفيّه المبسوطتين، إيماناً بنزاهته، يتوجه دائماً بدعائه إلى الفضاء.

تهب على أوشحة النساء المنتظرات ريح من العنف. في وضعية عفيفة، هن يقدمن، في تحد لقذارة الحرب رجاء جمالهن. عشاق بعيدون، امرأة ـ أم أو امرأة أخت، تحتفظ نماذج الفنان بلغز أجسادهن. اللحم العاري ظاهر بالكاد، إذ يفضّل نحت الطيات المتحركة لأجسادهن التي تغلفه والتي تكشف عنه حيناً. أسلوب في الإثارة الشهوانية والتغريبية، التي تسمو بالعمل من عمق الرماديات وتجعله رائعاً.

يمارس باني، دون اكتفاء، براعته في مجالات عدة، لكن لقاءه الغرامي كان مع فن الحفر، الذي قدم له سنداً يعادل قدره موهبته وطموحه. إن الرسم المحفور بالعمق أو بالبروز، الذي يمر تحت يديه، يشترط على الفنان بأكثر من موهبة، فبالإضافة إلى قوة الفكرة تأتي قوة الذراع التي لا يمكن دونها الانتصار على صحراء اللوحة.

توجد، في إنجاز أي مطبوع، حركة تدشين تسبق العمل الفني وتحدد اتجاهه. بالهجوم، بالحفر النهائي الذي لا رجعة منه، يمنح باني في جسد النحاس أو الخشب ذاكرته الخاصة التي تستعير جادة الحبر، حيث الذوبان، حيث الاختلاط، حيث البلل. إطلاقاً، فالموضوع الذي عفت عنه أدوات الحفر، يأخذ هنا معنى انفعالي.

كانت أعمال البداية في الرسوم، في الباستيل، في الزيت ومن ثم في أعمال النحاس، تحمل في ذاتها وعداً بعمل ناضج. لكن في أعمال الحفر على الخشب، يفتح باني لنفسه جادة من الضوء. الخشب بين يديه، إنه لا يحفر، بله ينحت ويقطع. يبسط توازن القيم حتى التطرف، مركزاً على الضوء الضروري. إن انبساطه في العمل قاده إلى متعة عبر من خلالها عن مواضيع جديدة. صيادي سمك أقوياء ـ أصدقاءه ـ ينشطون حول صيد سمك هائل، المخمور النائم يدع ظهور خيال حلمه القاسي في الشبكة التي احتوت على صيد خيالي، الأثر الأسود القافز لقط ـ قط المشغل ـ أو أيضاً، طيران بعض الطيور المارة التي تعبر عن نظرة لحالة تحليق ذاتي.

لا تزعم أعمال باني، التي ولدت في انفعالات الاضطراب، أبداً، التعبير عن الرعب ولا حتى عن الموت. إنه شاعر متعة العيش، لولا اختياره بوعي حاد ولطيف تصوير الشروط الإنسانية.

من الموضوع إلى الأسلوب، إنه يغامر متأرجحاً على خيط حساس في معارضة محسوبة بين عنف وشهوانية، ففي هذا العطاء، يستوحي مما يطمح إليه. لا يرينا باني الظلمات إلا من أجل تحقيق تدفق ضوءه بشكل أفضل.

خطه الغنائي، ألوانه الملتهبة، بهاء الشخصيات تتضمن بقوة مشاعر المصور. رسالة معنونة للعالم مثلما إلى نفسه؛ إن الجمال الغزير في هذا العالم سيكون في يوم ما مسموحاً.

فن بهذا الحسن يدعونا أن نشاركه هذه الأمنية وهذا الأمل.

أنظر موقع الفنان عباس باني حسن : www.abbas-bani-hasan.com


=====


 *( Jean Plichart )[1] فنان تشكيلي فرنسي راحل ، كتب هذه المقالة في نيسان عام 1994.