الرئيسية » مقالات » المعارضة السورية ودول ( الاعتدال) العربي

المعارضة السورية ودول ( الاعتدال) العربي

شيئا فشيئا وفي بحر السنوات الخمس التالية التي فاضت بالأحداث الجسام والتحولات العميقة وأفرزت نتائج مذهلة من جراء مخاضات أليمة ووقائع دامية سلبية وايجابية فاجأت الشعوب وقواها السياسية مثل الحرب على النظام العراقي واسقاط الدكتاتورية في أصعب حلقة من سلسلة أنظمة الحزب الواحد الشمولية في الشرق الأوسط واغتيال الرئيس رفيق الحريري وطرد الجيش السوري من لبنان وفوز حركة حماس الأصولية وانقلابها العسكري وتحويل العراق بارادة غالبية شعبه الى دولة فدرالية تعددية تعترف دستوريا باقليم كردستان كخطوة أولى لحل المسألة الكردية كقضية قومية تحررية وتنامي دور الاسلام السياسي الأصولي على شكل الطائفية السياسية التي شخصها البعض بهلال شيعي وصحوة سنية مواجهة ابتداء من ايران وانتهاء بلبنان مرورا بالعراق وفلسطين بدأت تتكشف ملامح خارطة مستجدة للصراع السياسي في منطقتنا من عناوينها البارزة :
أولا – على الصعيد الرسمي بين محورين أحدهما ما عرف بمعسكر الاعتدال العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ومصر وعضوية غالبية الأنظمة العربية الأكثر قربا من القوة الأعظم الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين عموما بحكم تشابك المصالح الاستراتيجية بينها منذ حقبة الحرب الباردة على الرغم من بروز بعض التعارضات خلال سنوات ادارة الرئيس بوش التي طرحت قضايا الاصلاح والتغيير الديموقراطي وحقوق المرأة وترشيد طريقة الحكم والادارة مما أغضب المعتدلين العرب الى درجة معينة دون الوصول الى حدود المواجهة والقطيعة طبعا .
ثانيا – وثانيهما ما عرف بمحور الممانعة الذي يقوده عمليا نظام الجمهورية الاسلامية في ايران وعضوية النظام السوري والى حدود معينة امارة قطر – تلك الدولة العظمى ! – وتنطوي تحت نفوذها غالبية الحركات الأصولية الاسلامية السياسية المنتشرة خصوصا في لبنان وفلسطين والعراق .
ثالثا – رغم أن قضايا الصراع بين المحورين متعددة ومتشعبة وتتخذ أشكالا شتى الا أنها تنطلق من أسباب تاريخية حضارية – الصراع العربي الفارسي – وسياسية – حول قضية فلسطين والحل السلمي والحفاظ على الأوضاع الراهنة والأمن والاستقرار والعنف والفوضى والتخريب وعسكرة الشارع في مواجهة القانون والنظام – ومستقبل المنطقة والنفوذ والنفط والاقتصاد – بين مشروع ايراني طموح للسيطرة على الخليج والمنطقة عموما عبر البرنامج النووي والتسليح واستثمار الانتماءات المذهبية ورفض عربي دون مستوى مشروع متبلور موحد في مواجهة نفوذ ايران – ومذهبية – الصراع الشيعي السني – ومبدئية – حول المساهمة في محاربة الارهاب وتسعير بؤر التوتر ودعم الشرعية الدستورية والخروج عليها في تجربتي لبنان وفلسطين – وتكتيكية – حول محاولة محور الممانعة في استغلال الأوراق المختلفة بما فيها الورقة الفلسطينية لخدمة وضعه التفاوضي مع الغرب واسرائيل ورفض المحور الآخر لمثل ذلك الابتزاز الذي يلحق الضرر بقضايا العرب المصيرية .
رابعا – يكمن اختلاف واضح بين مستويات وطبيعة تحالفات المحورين ليس على المستوى الدولي الذي أشرنا اليه أعلاه بل على المستوين الاقليمي والمحلي أيضا ففي حين نلمس اعتماد محور الممانعة بشكل رئيسي واضافة الى المال الايراني – أعلن عن ميزانية سنوية تفوق مليار دولار لحزب الله اللبناني فقط بعد حرب تموز – على عصبيات ومنظمات وجماعات حزبية وفئوية غير حكومية يغلب عليها طابع الأعمال السرية وأساليب العنف وفرق الاغتيالات والخلايا الارهابية الضاربة مثل حزب الله وحماس والجهاد وحركة أمل وتيار عون والتيار الصدري وفتح الاسلام ومجموعات البعث العراقي واللبناني والقومي السوري اللبناني وغيرها وهذا ما يشير من جانب آخر الى عقد تحالفي من نوع جديد بدأ بالظهور للعلن في بلدان المنطقة بين أصوليات وآيديولوجيات وعقائد اسلامية مذهبية قوموية يسراوية كانت متعارضة في ما مضى مقابل اقتصار محور الاعتدال في تحالفاته على النمط الرسمي بين دول وحكومات عالمية ومحلية .
خامسا – في اصطفاف القوى هذا تلتقي مصالح المعارضة الوطنية السورية في سعيها لتحقيق التغيير الديموقراطي الناجز في البلاد وبشكل مباشر مع مصالح قوى التحرر والتقدم والتغيير من أطياف المعارضة السلمية التغييرية في مختلف بلدان المنطقة دون استثناء و قوى الرابع عشر من آذار في لبنان والأطراف المشاركة في العملية السياسية الديموقراطية في العراق وقوى الشرعية الديموقراطية المتمثلة في السلطة الوطنية وحلفائها في فلسطين أما محور الاعتدال العربي الرسمي والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وانطلاقا من مواقفها السياسية وأجندتها فهناك وبدرجات متفاوتة تقارب وتباعد في الوقت ذاته بين مصالح المعارضة السورية من جهة ومصالحها من الجهة الأخرى من الضرورة بمكان وبأسرع ما يمكن رسم وتشخيص الحدود الفاصلة في الحالتين بكل شفافية وموضوعية حتى لاتبقى الأمور في دائرة الغموض والتفسيرات المتناقضة التي يتخذها نظام الاستبداد في بلادنا ذريعة لتخوين معارضيه واعتقالهم وملاحقتهم .
سادسا – عوامل التقارب التي تجمع المعارضة السورية مع محور الاعتدال العربي في الظروف الراهنة تتجسد في المصلحة المشتركة بمحاربة الارهاب بكل أشكاله ومواجهة محور الممانعة كأداة للمشروع الايراني في المنطقة الذي يشكل نظام بلادنا القطب الثاني في تكوينه ورفض التدخل السوري في لبنان وانعقاد المحكمة الدولية بشأن اغتيال الحريري والجرائم الأخرى التي نفذها المنظومة الأمنية الحاكمة في دمشق ومن شأن تثبيتها قانونيا ودوليا نهاية النظام وسقوطه ودعم السلطة الوطنية الفلسطينية والوحدة الوطنية وعملية السلام وعدم التدخل في شؤون العراق الداخلية وترك شعبه ليقرر مصيره كما يشاء , أما عوامل الافتراق غير العدائية فقد تتمثل بالتباينات حول طبيعة التغيير الديموقراطي في سورية ومسألة البديل وبالحريات العامة والعدالة الاجتماعية التي تحرم منها شعوب السعودية ومصر وغالبية بلدان هذا التحالف والمسار الاقتصادي العام وقضايا الديموقراطية وحقوق الانسان هذا بالرغم من ايماننا بمبدأ عدم التدخل في شؤون البعض واحترام الرأي الآخر وحق كل شعب في تقرير مصيره السياسي والاجتماعي وهكذا نرى أن ما يجمع الطرفين اذا صح التعبير أكثر مما يباعد ومن الممكن في مثل هذه الحالات السياسية منح الأولوية لما يحقق المشترك ونرى في هذا المجال أن أنظمة الاعتدال العربي لم تسلك الطريق الصحيح بعد المؤدي الى التسريع في عملية قطع الطريق على دابر الفتن القومية والمذهبية والحروب الأهلية وتجفيف منابع الارهاب والأصولية في المنطقة بما فيها بلدانها عبر صياغة أطر فعالة للتنسيق والتعاون في زمن اعادة انتاج التحالفات الجديدة النافعة في القرن الحادي والعشرين مع قوى التغيير والسلم والانقاذ في ساحة مفصلية مثل سورية والمنطقة عموما الكفيلة بضمان الأمن والاستقرار وصيانة وحدة وسيادة الأوطان على أسس العدالة والحرية والتقدم والتعايش .