الرئيسية » مقالات » نشوء وتطور القصة القصيرة في اليمن – حوار مع باحث وروائي عراقي سلام عبود

نشوء وتطور القصة القصيرة في اليمن – حوار مع باحث وروائي عراقي سلام عبود

سلام عبود باحث وروائي عراقي مقيم في السويد, وهوأحد الكتاب العراقيين الذين طالت بهم أعوام الهجرة وتعددت المنافي ، فانطبع أدبه بطابع المنفى. عاش أكثر من عشر سنوات في اليمن وعمل باحثا في مركز البحوث التربوية. ومنذ السنوات الأولى لوجوده في اليمن بدأ اهتمامه بالأدب اليمني, وأسهم في دراسة جوانب هامة من الأدب في اليمن. ويعدّ كتابه النقدي ” نشوء وتطور القصة القصيرة في اليمن ” الصادر في السويد عام 1993 أحد نتاجاته المميزة في حقل البحث الأدبي.

ـــ هل لك أن تحدثنا عن مشوارك في الكتابة وكيف كانت البدايات؟

بدأت الكتابة في نهاية الستينيات. عام 1968 نشرت أول قصة قصيرة, وكتبت أول رواية عام 1969 ، كما ظهرت لي أول مقالة في النقد الأدبي في مجلة “الثقافة” العراقية، وكانت عن رواية القاص عبد الستار ناصر ” تلك الشمس كنت أحبها “. لم أتوقف عن كتابة القصص, لكني لم أقم بنشرها ، وظلت تجاربي في القصة حبيسة الأدراج. وعلى العكس من ذلك نشطت في نشر الكتابات الصحافية, وأخذت المتابعات الصحافية جزءا من وقتي وإهتماماتي ، لكن الجهد الرئيسي في الكتابة ترّكز في كتابتي عن الأدب القصصي في اليمن وتاريخ الحركة السياسية اليمنية, وكانت ثمرة ذلك الجهد عشرات المقالات والدراسات منها كتابي ” نشوء وتطور القصة القصيرة في اليمن “وبحثي” دراسات في الأدب القصصي اليمني ” إضافة الى دراسات في جوانب من تاريخ اليمن الحديث .

ـــ ربما يتساءل القارئ عن صلتك بالأدب اليمني ، كيف تصف هذه الصلة ؟

قبل أن أتحدث عن صلتي بالأدب اليمني لا بد لي أن أتحدث عن صلتي باليمن . اليمن عندي وطن ضروري، فيه ولدت ثانية. العراق وطني بالولادة ، واليمن وطني بالإختيار وبالولادة الحرّة . قضيت أكثر من اثني عشر عاما في اليمن. في أحلامي تختلط دائما “أزقة” بغداد بـ “حوافي” عدن, وفي مقبرتي “المنصورة” و”شِعب العيدروس” ينام أعز أحبائي وأقربهم الى نفسي. بدأ اهتمامي بالأدب اليمني منذ السنوات الأولى لوجودي في عدن. نشرت أول مقال عن الأدب اليمني عام 1974 عن مجموعة القاص أحمد محفوظ عمر ” الأجراس الصامتة “, ثم تحولت كتاباتي من المتابعات والانطباعات الصحافية السريعة الى الأبحاث المتأنيّة، وكانت نتيجتها تأليف عدد من الدراسات منها ” نشوء وتطور القصة القصيرة في اليمن ” الذي صدر في السويد عام 1993 .

ــ هل لك أن تتوقف قليلا عند هذه النقطة أعني كتاب ” نشؤ وتطور القصو القصيرة في اليمن ” ؟
أنا أعتبر هذا الكتاب مظلوما مثلي, وخصّ بإهمال لا يليق به قبل وبعد طباعته. فقد ظلّ حبيسا كمخطوط لفترة زادت على العشر سنوات ، وحصل ذات مرة على موافقة الجهات المعنية بنشر الكتب ، لكنه لم ير النور . وفي إحدى المرات أعيد لي مصحوبا بتقييم طريف كتبه خبير إجازة الكتب يقول فيه ” رغم إني لست مطلعا على فن القصة ولا على تاريخ الأدب القصصي ، إلا أني أوصي بإعادة الكتاب الى مؤلفه … !” أما الأكثر طرافة فهو نشره ضمن الكتب المدعومة من قبل مجلس الدولة في السويد، لا في اليمن .. قالت عنه المستشرقة السويدية مارينا ستاغ : ” كتاب رائد ، يسد فراغا كبيرا في المكتبة العربية . ” وأشارت اليه صحيفة الصحافة التونسية قائلة : “لعل كتاب ” نشوء وتطور القصة القصيرة في اليمن ” هو ابرز نتاجات سلام عبود في حقل النقد الأدبي ، ويعد وثيقة هامة في موضوع قلما تناوله ناقد عربي “. ولكن, على الرغم من مرور هذه السنوات العديدة على صدوره ، لم تصل الى اليمن سوى نسخ معدودة منه, وهي نسخ رديئة الطباعة. وفي أحد الأيام أرسل لي مستشرق ألماني كتابا عن القصة اليمنية فيه استشهادات منقولة عني مع رسالة إطراء مهذبة, لكني , للأسف, وجدت أن الاستشهادات أخذت من بعض الصحف والمجلات. أما الكتاب فلا ذكر له. وحدث أمر مماثل عند قراءتي إحدى الدراسات النقدية عن القصة اليمنية, فقد وجدت فيها الكثير من أفكار الكتاب نقلت من دون تحوير, لكنني لم أعثر على إشارة واحدة عن الكتاب. والأكثر طرافة أن أحد حاملي شهادات الدكتوراه في الأدب العربي, الممنوحة من إحدى الدول الاشتراكية سابقا, بنى اطروحته على ثلاثة فصول كاملة من الكتاب, اسمى رسالته “القصة القصيرة في اليمن”. كل تلك الأسباب جعلتني أهمل متابعة ما تبقى من نصوصي عن اليمن.

– أهو الشعور بالخذلان؟
الخذلان رافقنا في اليمن وغيرها, ونحن أهله. لذلك لا يمكن جعله العامل الوحيد المؤثر في سلوك وقرارات من يحترف الخذلان ويعي دوره فيه. ومن طرائف هذا الموضوع ومآسيه أني التقيت مرة بأحد الكتاب العرب وكان مندهشا من أني منحت اليمن كل هذا العمر. قال لي: تصور لو أنك بحثت في نجيب محفوظ بدلا من أحمد محفوظ عمر وفي غادة السمان بدلا من محمد عبد الولي وزيد مطيع دماج وعبدالله سالم باوزير! تخيل كيف ستكون النتيجة؟ كان ناصحا مخلصا, سعى الى تقديم خدمة شخصية صادقة, ونصائحه لا تخلو من الصحة, كما أحسب. بيد أن المشكلة لا تكمن في الصحة والخطأ. المشكلة لديّ, كانت ولم تزل, تكمن في أن أحمد محفوظ وعبد الولي ودماج وباوزير جزء من خريطتي الشخصية والعاطفية, وجزء من تضاريس وجودي. فأنا ابن كامل البنوّة لهذه الأرض. والمرء لا يختار آباءه, كما يقال. إنها شأن يتعلق بالهوية, أي انها شأن وجودي أكثر منها معادلة حسابيّة. فالأوطان, حالها كحال الكرامة, مبدأ لا يخضع لقوانين السوق.

ــ هل لك أن تحدثنا عن منهج الكتاب ؟

في فصل المراحل التاريخية تطرقت الى منهج الدكتور عبد العزيز المقالح في كتابه ” الشعر المعاصر في اليمن “, الذي رأيت فيه منجزا رائدا وتأسيسيّا في الثقافة اليمنية المعاصرة, ولكن في مادة مختلفة. وفي فصل من بحثي ” دراسات في الأدب القصصي اليمني ” نشر في مجلة الحكمة تحدثت عن المنهج ” الاعتباطي “, الذي طبع كتاب الدكتور عبد الحميد إبراهيم ” القصة اليمنية المعاصرة “, وهو جهد بحثي يستحق الثناء, له أهمية فائقة من الناحية التاريخية, لأنه رسم بعض ملامح الطريق للقادمين من بعده. في منهجي حاولت أن أتجنب قدر المستطاع قسوة التقسيمات التاريخية للظواهر الأدبية ، في الفترات الزمنية القصيرة خاصة ، وسعيت الى الجمع بين العنصر التاريخي والإجتماعي والفني في وحدة تقترب من روح المذهب الواقعي. لكنها واقعية ممزوجة بالتوثيق ولا تخلو من الأحكام الذوقية, مرد ذلك يعود الى أن الكتاب كان في الأصل مجموعة من المقالات المجمّعة, كما أنه كان يسير في درب غير مطرق. ولو عدنا الى الى تقييم الآخرين لهذا الكتاب، فإن ما كتبه الناقد العراقي ياسين النصير في مجلة المدى الصادرة في دمشق يعبر عن خصائص منهج الكتاب بوضوح فقد قال : “إن الكاتب لم يقلد أحدا ولم يعتمد منهجا مسبقا وإنما بحث القصة من خلال نماذجها المتطورة تاريخيا وفنيا . ” إن الكتاب بنفسه سيظل قاصرا ، لأن بعض الظواهر الفنية فيه احيلت الى بحثي المعنون ” دراسات في الأدب القصصي اليمني “, الذي نشر كمقالات متفرقة, لأسباب طباعية بحتة, و لم ير النور ككتاب .

– أخ سلام لقد طالت بك أعوام الهجرة وتعددت المنافي ، وبالتأكيد انعكس ذلك بشكل أو بآخر في كتاباتك سواء في مجال القصة القصيرة أو الرواية ، فكيف رسمت روايتك ” غزل سويدي ” معاناة المهاجر ؟

كنت مهاجرا ولم أزل. فلم أر وطني منذ ثلاثة وثلاثين عاما.
صدرت هذه الرواية عام 1995 سبقتها روايتان ومجموعتان قصصيتان. الموضوع الرئيسي للرواية يتحدث عن معاناة المثقف العربي المهاجر في بلدان اللجوء السياسي الأوروبي . وقد حاولت أن أقدم صورة مغايرة لما يطرح في الإعلام الأوربي ، ساعيا الى كشف جذور الصدام الحضاري بين الغرب والشرق, واخترت من الإله السكندنافي ( اودن ) والملقب بالأعور, وسيلة لبسط عناصر الصدام الاجتماعية والنفسية والفكرية وما يلازمها من صراع أخلاقي وديني وعرقي . والرواية تعبير عن هموم جيل جديد من المهاجرين لم يتحدث الأدب العربي عنهم وعن مشكلاتهم ، جيل اصطدم بثقافة الغرب المبطنة بالعداء للإسلام والاستعلاء على الشعوب الأخرى، والمغلفة برداء إنساني جميل. وبإختصار أردت أن أفضح الإزدواج الأخلاقي في الثقافة الأوروبية المعاصرة. وبسبب موقف الرواية المستقل , غير المساوم, الذي يفضح نفاق القوى المعادية للإسلام وللعرب والمهاجرين ويفضح في الوقت عينه الاتجار السوقي بالثقافة والسياسة من قبل الوافدين الجدد، تعرضت الرواية الى عداء ملحوظ، رغم إعتراف الجميع بأثرها الفني وعمق مضمونها.
ــ وماذا أردت أن تقول في روايتك ” سماء من حجر ” ؟

” سماء من حجر ” ترسم صورة لإنعكاسات الحرب البشعة على أوضاع الناس الاجتماعية والأخلاقية والنفسية . والرواية إحتجاج صريح وسافر على عسكرة الحياة وما نجم عنها من تدمير ثقافي وروحي وبشري لواحد من أعرق شعوب الأرض. اعتبرها المتابعون أول رواية عراقية مضادة للحرب العراقية الإيرانية, فقد كتبت بعيد انتهاء الحرب مع ايران ونشرت في 1994.

ــ هل لديك كتب أخرى نشرت أو في طريقها الى النشر ؟

… صدرت لي مجموعة قصص ” العودة الى آل إزيرج ” ومجموعة “ضباب أفريقي”, وهي قصص كتبت في اليمن واثيوبيا وأوروبا. وفي الأدب الروائي صدرت لي ” أمير الأقحوان “, و”يمامة” وهي رواية عن الأندلس, و”ذبابة القيامة” وهي تنبؤ مبكر بما يحدث الآن من تدمير واختلاط في القيم, و”زهرة الرازقي”, إضافة الى سيناريو طويل باسم ” خطوات على البحر الأحمر”. وفي مجال البحث صدر لي كتاب “ثقافة العنف في العراق”, الذي درس أدب مرحلة الاستبداد, وسيصدر خلال أيام كتاب يتمم الكتاب السابق اسمه ” من يصنع الديكتاتور” يتناول جذور الاستبداد وشروط المصالحة التاريخية من منظور ثقافي وطني, وفي الطريق كتاب ثالث متتم يتناول أزمة المثقف العراقي في ظل الاحتلال. وبعيدا عن السياسة أعكف على وضع اللمسات الأخيرة على كتاب عن الرواية العربية.


أجرت اللقاء : بلقيس الربيعي