الرئيسية » مقالات » في الذكرى الأربعينية لرحيل الأستاذ كامل الجادرجي

في الذكرى الأربعينية لرحيل الأستاذ كامل الجادرجي

على مدى أكثر من أربعة عقود احتل الشخصية الوطنية والديمقراطية اللامعة الأستاذ الفاضل والراحل كامل الجادرجي موقعاً بارزاً ومتميزاً في قلب الحركة الفكرية والسياسية والصحفية الوطنية العراقية مشاركاً بفعالية فيها ومؤثراً في مجرى حركتها وقائداً رئيسياً لواحدة من أبرز الحركات الديمقراطية العراقية التي برزت في جماعة الأهالي أولاً وفي الشعبية ثانياً ثم تبلورت في الحزب الوطني الديمقراطي في اعقاب الحرب العالمية الثانية وبالتحديد منذ العام 1946. لقد شارك الأستاذ الراحل الجادرجي في الحياة السياسية وزيراً ونائباً ومعارضاً , حراً طليقاً وسجيناً يعيش حريته الفكرية ومواقفه السياسية بالرغم من سجنه , كاتباً وصحفياً ومفكراً ومثقفاً رفيع المستوى. قاد الحزب الوطني الديمقراطي سنوات صعبة تميزت بالمقاومة الجادة لسياسات العهد الملكي غير الديمقراطية ومن أجل إقامة مجتمع مدني ديمقراطي حر. كان الراحل اشتراكياً إصلاحياً لم يهادن على مصالح الوطن والمجتمع , عرف الواقع العراقي ومستوى الوعي وطبيعة المرحلة وشخص المهمات والقدرة على التغيير وسخر صحيفة الحزب دفاعاً عن قضايا الشعب والديمقراطية والسلام العالمي ورفض الحروب والقواعد العسكرية. ساهم بوعي ومسئولية في تشكيل جبهة الاتحاد الوطني التي رافقت الحركة العسكرية لإسقاط الملكية , ولكنه رفض قيادة العسكر للمسيرة السياسية العراقية وأدرك مخاطرها والعواقب الوخيمة المحتملة. وكان الرجل واعياً لطبيعة العسكر وما يمكن أن يؤول إليه الوضع في العراق إن واصلوا قيادة البلاد في أعقاب ثورة تموز 1958 , رغم تقديره لوطنية عبد الكريم قاسم. طالب بتنحي العسكر عن السلطة ووضع الدستور الدائم وإجراء الانتخابات , ولكن لم يصغ له العسكر ولم يأخذ برأيه قاسم. وقف إلى جانب حقوق الإنسان وحقوق القوميات ورفض استخدام السلاح في مواجهة مطالب الشعب الكردي القومية العادلة وأدان الحرب التي بدأ بها قاسم ضد الشعب الكردي في العام 1961/1962 , رغم نداءات الديمقراطية للعراق والسلم لكُردستان التي رفعها الحزب الشيوعي ووجدت تأييداً لها في الأوساط الديمقراطية العراقية.
لقد وقف الراحل الجادرجي إلى جانب تغيير الاقتصاد العراقي وبناء الصناعة الوطنية والإصلاح الزراعي ودافع عن الطبقة الوسطى ودورها في الحياة الاقتصادية وشدد على ضرورة القطاع الخاص , ولكنه لم يهمل أهمية ودور قطاع الدولة في العملية الاقتصادية في بلد يملك ثروة وطنية كبيرة ينبغي لها أن تبقى في يد الدولة وتستخدم لمصلحة الشعب وتطور وازدهار البلاد.
تميز الراحل برفضه للنظم الديكتاتورية والسياسات الفردية بمختلف صرها وأشكال ظهورها في العراق ورفض التعاون مع جميع الحكام الذين مارسوا تلك السياسات , بما في ذلك وابتداءً من فردية عبد الكريم قاسم ومروراً بدكتاتورية وشوفينية البعثيين والقوميين الذين تربعوا على عرش السلطة بين 1963 إلى حين رحيله في العام 1968, وتعرض الجادرجي , بسبب مواقفه الفكرية والسياسية المبدئية الصارمة , إلى إرهاب واضطهاد حكم البعث والقوى القومية.
يفترض في ذكرى رحيله أن تذكر العراقيات والعراقيين جميعاً بالمبادئ الرصينة والقويمة التي تبناها ودافع عنها وناضل من أجلها الأستاذ الراحل كامل الجادرجي , وأن تكون هاديةً ودافعة لرفاق حزبه القدامى والجدد الذين أعادوا تأسيس الحزب مرة أخرى بعد سقوط نظام البعث الدكتاتوري برئاسة الأخ الفاضل والصديق الأستاذ نصير الجادرجي , ومعه مجموعة من خيرة قياديي وكوادر الحزب الذين شاركوا في النضال على امتداد الفترات المنصرمة , والمعروفين لنا جميعاً , في تنشيط الحزب وتحديثه وتطوير علاقاته بالشعب وبالقوى الوطنية ومهمات المرحلة.
إن مبادرة ومشاركة الحزب الوطني الديمقراطي بإصدار نداء “مدنيون” يشير إلى إدراك قيادة هذا الحزب للواقع العراقي , مع بقية القوى التي شاركت في هذه المبادرة , وأهمية إعادة تشكيل التيار الديمقراطي العراقي وتعبئة المزيد من الأوساط الشعبية والمثقفين والديمقراطيين العراقيين حول هذا النداء , ثم تطوير الفكرة لعقد مؤتمر موسع يمكن أن تشارك فيه قوى وشخصيات عراقية نسائية ورجالية لكي تدفع بالعملية السياسية في العراق صوب الديمقراطية ومن أجل وضع حد للإرهاب والطائفية والمحاصصة القائمة على هذا الأساس والخلاص من الفساد المالي والإداري ومن ثم الخلاص من وجود القوات الأجنبية في البلاد.
في الذكرى الراهنة لرحيل الجادرجي يتمنى الإنسان أن يجد الحزب , الذي شارك في بنائه وقاده سنوات طويلة , رغم كل المصاعب والانشقاقات والإرهاب , أن يستعيد ويأخذ دوره ومكانته في الحياة السياسية العراقية ويساهم في إغناء الحياة الديمقراطية وفي بناء الدولة العراقية المدنية والاتحادية الديمقراطية المنشودة.
31/1/2008 كاظم حبيب