الرئيسية » مقالات » هل أخذنا العبرة من غيرها حتى نأخذها من الزنجيلي

هل أخذنا العبرة من غيرها حتى نأخذها من الزنجيلي

يقول المثل الشائع : ما أكثر العبر وأقل الإعتبار . ما من شك إن جريمة الزنجيلي النكراء الأليمة ستمر كغيرها مرَّ الكرام , وذلك بعد فاصل من صيحات الشجب والإستنكار والحداد من جانب المسؤولين عن أمن وحماية الشعب , وسرادق العزاء ودفن الشهداء وعلاج المصابين وتجهيز المتضررين وتعويضهم عن الأضرار الناجمة التي خلفتها هذه الجريمة الإرهابية التي فاقت كل التوقعات الرسمية بعد الهدوء النسبي الذي عمَّ أرجاء الوطن الجريح وتصريحات المسؤلين بأن القاعدة قد أوشكت على الإنهيار, ولم يبق منها إلاّ بعض الجيوب مبعثرة في أنحاء متفرقة من
البلاد , وتلفظ أنفاسها الأخيرة .
وفي الوقت الذي كنا ندعو الله أن يكون ما أدلوا به من تصريحات وبيانات يعبِّر عن واقعٍ حقيقي , وتفاؤل قائم على معلومات دقيقة عما يجري داخل البلاد , كنا في الوقت ذاته, نخشى أن يكون هذا الهدوء النسبي ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة . وقد وقع فعلاً ما كنا نخشاه وتوقعناه وحذرنا منه مراراً وذلك بعد سلسلة من العمليات الإرهابية الصغرى , إن صحَّت التسمية , هنا وهناك . فإذا بدوي العملية الإرهابية الأخيرة يُفيق المسؤلين المتفائلين جداً من نومهم الهانئ العميق الذي يغُطُّون في أحلامه الوردية تاركين لأبناء الشعب المكاريد الأحلام الأبدية , إنها مجرد مقدمة , ما لم نعتبر وندبِّر , لكوارث ومآسي لا نهاية لها إلاّ بنهاية العراق , لاسمح الله , أقول ذلك حرصاً وخوفاً على مكاسبَ لم نكَد نقطف ثمارها أن لا تتركوا الفرصة التي أُتيحت لكم وجعلت منكم حُكّاماً على بلدٍ يرفل بالخيراتِ والنِّعَم أن تفلت من أيدكم وأيدينا وأيدي العراقيين الأخيار الطيِّبين المخلصين لكم , فلماذا تفوِّتون هذه الفرصة الذهبيَّة السانحة التي ساقتها أقدارأغرب من الخيال لتفلت من أيديكم والحلول واضحة أمامكم وضوح الشمس وفي متناول أيديكم .
وكم قلناها وأشار إليها الكتاب والمفكرون والخبراء الغيارى من حصيلة تجاربهم الجمَّة , ومن منطلق حبهم وحرصهم على سلامة وطنهم , ولكن ما من سميع ولا مجيب . ولعل لسان حالكم ينطق بأن من يخوض غمارها غير الجالس على التل , واللّي إيده في النار غير اللّي إيده في الماء , ومن يعيش في قلب الحدث غير المتفرِّج عن بُعد وما إلى ذلك من التبريرات التي بوسع أيٍّ منا أن يغترفَ منها ما يشاء .
بيدَ ان الشعب لم يعُدْ يُطِقِ الصبر الذي نَفَدَ زيتُهُ أن تسلَّمت الحكومات الوطنية المتتالية زمام السلطة إثر سقوط الطاغية وتنفس الناس الصعداء أملاً وتفاؤلاً بالعهد الجديد الذي أشرق علينا جميعاً نتيجة أول إنتخاباتٍ ديمقراطيَّةٍ حُرَّة تشهدها البلاد لأوَّل مرة في تاريخها . فاستنشقنا الهواء النقي بشهيقٍ عميق مِلْء صدورنا ولكن ما إن أطلقنا الزفير حتى تحوَّل زفيرُنا الى زَفَرات وحسرات على المآسي بل والكوارث التي لاحِصرَ لها والتي أخذت بعصف بأرجاء البلاد طولاً وعرصا .
الحلول بأيديكم يا سادتي وأمامكم وحولكم من كل حدبٍ وصوب , فابحثوا عنها تجدونها, فإنّ كلامَنا لا يُعاد , وقديماً قال الإمام علي , كرم الله وجهه , الولايات مضامير الرجال . ورَحِمَ اللهُ من إستمع القولِ فاتَّبعَ أحسَنَه . 

فؤاد جواد
قاضي ومشرف عدلي