الرئيسية » مقالات » حين يخون وزير التفريط بالجولان والاسكندرون الأكراد في سورية

حين يخون وزير التفريط بالجولان والاسكندرون الأكراد في سورية

في ظل مضي دمشق في انتهاج سياساتها التوتيرية الابتزازية في لبنان بالدرجة الأولى وفي العراق وفلسطين عبر رفض المبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية المتفجرة ووضع العصي في عجلتها بما بات يهدد بتفجير الوضع كليا في لبنان عبر الإمعان ودائما عبر التنسيق الكامل مع طهران في عرقلة وتعطيل الاستحقاق الرئاسي اللبناني بما يقود إلى سيادة الفراغ في قمة هرم الدولة اللبنانية ويعرض تاليا البلد الهش الصغير لخطر حرب أهلية جديدة ما آنفكت دمشق وطهران وحلفائهما في لبنان من قوى 8 آذار ( مارس ) عن التلويح والتهديد بها .
وقد ترافق هذا التصعيد السوري في الخارج مع تصعيد داخلي لا يقل حدة وطيشا لجهة تشديد القبضة الأمنية المشددة أصلا في الداخل عبر الشروع في جملة اعتقالات واسعة لنشطاء ومعارضين سياسيين كفداء الحوراني ورياض سيف وكتاب ومثقفين ديموقراطيين كأكرم البني واللافت في إطار هذه الممارسات السلطوية المتشنجة هو تسريب السلطات السورية لوثيقة سرية موجهة من وزير الدفاع حسن علي تركماني إلى كبار ضباط الجيش وهذه الوثيقة الخطيرة في استهدافاتها ومراميها المبيتة لجهة النفخ مجددا في بعبع الخطر الكردي الداخلي المتحالف مع إسرائيل تشير إلى أن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي قد زار كردستان العراق حيث قام بالتعاون مع حكومة الإقليم الكردي العراقي بتسليم قياديين في حزبي يكيتي والاتحاد الديموقراطي ( وهما من أكبر الأحزاب الكردية في سورية وأكثرها فاعلية ونشاطا ) مجموعة هواتف تجسس نقالة لإدخالها إلى سورية كي تقوم يضيف وزير الدفاع السوري العناصر المؤيدة لكلا الحزبين الكرديين المذكورين أعلاه من المجندين الأكراد في الجيش السوري بتقديم تلك الهواتف التجسسية إلى ضباطهم ومرؤسيهم كهدايا وهنا فان السيد وزير الدفاع يستحق تهنئة على خياله الواسع عبر فبركة روايته المسلية هذه وحبكها بطريقة مغرقة في الافتعال والتلفيق بما يدل على مدى الرثاثة والانحطاط اللذان وصل إليهما العقل السلطوي البعثي المتخشب لدرجة لا يحتاج المرء معها إلى تفنيد هذه الرواية السخيفة والساقطة مبنى ومعنى غير أنها رغم تهافتها وعبثيتها تحمل دلالات خطرة جدا لجهة تخوين الأكراد وهي ربما تشكل توطئة لحملة قمع واستهداف جديدة للشعب الكردي في سورية وحركته التحررية خاصة وأن الوثيقة تتهم حزب يكيتي الذي هو الحزب الأكثر فاعلية وشعبية وجرأة في برامجه وطروحاته الداعية إلى حل سلمي ديموقراطي للقضية الكردية في سورية على قاعدة اتحاد اختياري بين الإقليمين العربي والكردي في إطار سورية ديموقراطية تعددية وهنا فقد كان السيد فؤاد عليكو سكرتير حزب يكيتي واضحا مؤخرا عندما أكد أن كردستان سورية هي حقيقة جغرافية – تاريخية ما عاد ممكنا حجبها والتغطية عليها لدواع واعتبارات سياسوية فارغة فضلا عن حزب الاتحاد الديموقراطي الذي هو في حقيقة الأمر بمثابة وريث لحزب العمال الكردستاني في الساحة الكردية السورية أو بعبارة أدق هو يمثل واجهة لحزب العمال في كردستان سورية وعليه فان إقحام اسم هذين الحزبين الرئيسيين لم يكن بأي حال من الأحوال اعتباطيا بل هو يندرج في سياق التضييق عليهما واستهدافهما ومجمل الحركة الكردية أكثر فأكثر عبر إعادة إحياء الاتهامات والافتراءات السلطوية المستهلكة المبتذلة ولعل التهمة الأسهل والجاهزة دائما وأبدا في هذا الإطار هي تهمة العمالة لإسرائيل والارتهان لأجندة الصهيونية العالمية وبروتوكولات حكمائها بهدف كسر إرادة الصمود والتصدي اللامحدودة في “سورية الأسد” التي لا تكتفي بهضم الحقوق الكردية وقمعها ومعاداتها في الداخل السوري فقط بل انها ترفض تلك الحقوق الكردية العادلة وتعاديها في كل أجزاء كردستان إذ أن الوثيقة الصادرة عن وزير الدفاع السوري ( الذي كان من الأجدر به بدلا من إضاعة الوقت في تأليف ونشر هذه الرواية الخنفشارية أن يسعى إلى استرجاع الأراضي السورية المغتصبة والمسلوبة في الاسكندرون والجولان وتحريرهما من الاحتلالين التركي والإسرائيلي ) تتهم صراحة رئيس حكومة إقليم كردستان العراق السيد نيجيرفان البارزاني بترتيب اللقاء بين رئيس الموساد وممثلي الحزبين الكرديين السوريين ( يكيتي والاتحاد الديموقراطي ) فالحال أن هذه التهمة الجديدة تندرج في إطار المواقف والسياسات السورية المعتادة المناوئة للتجربة الديموقراطية في كردستان العراق والساعية إلى تخريبها وتدميرها ويكفي التذكير هنا بالموقف المستهجن عربيا ودوليا للرئيس السوري بشار الأسد إبان الأزمة الحادة الخيرة على الحدود التركية – العراقية عندما حرض أنقرة على أكراد العراق ودعم علانية أي عملية عسكرية تركية في إقليم كردستان الذي هو جزء من العراق الذي لطالما تغنى البعثيون بعروبته وهتفوا لها وذرفوا الدمع مدرارا على وحدته وسلامة أراضيه .
والمفارقة هنا أن النظام السوري الذي ما فتئ يتوسل إسرائيل ويستجدي التفاوض معها لا زال يزايد داخليا على الشعب السوري عبر النفخ في قربة مثقوبة بألف ثقب ألا وهي قربة المعركة الوجودية وليس الحدودية بحسب الرطانة البعثية مع “الكيان الصهيوني” والتشديد على أن لا صوت يعلو على صوت تلك المعركة الوهمية الدون كيشوتية ذلك أن الجبهة الإسرائيلية – السورية في الجولان لم تشهد منذ عقود إطلاق رصاصة واحدة ولو طائشة من قبل دمشق التي ما برحت تتشدق بصمودها وتصديها ودعمها واحتضانها لقوى الممانعة والمقاومة لمقارعة الاحتلال وحلفائه وأعوانه في العراق ولبنان وفلسطين لكن شريطة أن تبقى جبهة الجولان المحتل صامتة صمت القبور الأبدي دون مقاومة ولا ممانعة ولا حتى صمود وتصدي .
والواضح أن نظام دمشق قد دخل في مرحلة متقدمة من التأزم والتخبط فشرع في الضرب خبط عشواء يمينا ويسارا داخلا وخارجا وفق قاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع ظنا منه أنه بهذه السياسة الاستفزازية المتمادية سيخرج من مآزقه الوجودي ويفك طوق العزلة المحكم عليه إقليميا ودوليا وهذه الوثيقة السرية المتهافتة المسربة من الأجهزة الأمنية السورية إلى العلن ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من السياسات السلطوية العنصرية التحريضية ضد الشعب الكردي في سورية وحركته الوطنية التي ما آنفكت تنتهج طريق العمل السياسي السلمي والمدني لحل القضية الكردية في إطار سورية ديموقراطية تعددية جامعة لكل مواطنيها وقومياتها ومتصالحة مع ذاتها ومحيطها العربي ومع العالم برمته فاتهام الحركة الكردية بالارتباط بالموساد الإسرائيلي هو اتهام مخابراتي مهلهل ومفبرك جملة وتفصيلا وهو غير قابل للصرف والتسويق أساسا حتى تعول السلطة البعثية عبر تلفيقه في إحداث فتنة عربية – كردية قي سورية بما يوفر للنظام المتهالك شرعية مفقودة وزائفة قوامها التصدي للطابور الكردي الخامس وقطع دابر المؤامرة الإسرائيلية – الكردية على قلب العروبة النابض وغير ذلك من هرطقات بعثية .
وإزاء هذا التطور الخطير في اللغة الاتهامية والتخوينية للنظام بحق الأكراد في سورية فان الحركة الكردية في سورية وخصوصا حزبا يكيتي والاتحاد الديموقراطي اللذان ورد اسمهما في الوثيقة التي نحن بصددها مطالبة بتصعيد وتيرة حراكها السياسي الشعبي بغية رفع المظالم عن كاهل الأكراد في سورية وتأمين حقوقهم المشروعة والمنتهكة والتشديد على رفض وإفشال سياسات السلطة في التحريض عليهم وتأليبهم والعرب في سورية بعضهم على بعض بغية التغطية على استئثارها بمقدرات البلاد والعباد وفقدانها أي شرعية ديموقراطية وهذا ما أكدت عليه البيانات الصادرة عن كلا الحزبين الكرديين المعنيين تعليقا على هذه الوثيقة الخطيرة المشددة على تكذيبها وتعرية أهدافها المغرضة والخبيثة في التشكيك في الانتماء والولاء الوطنيين لمكون أساسي من مكونات الشعب السوري ألا وهم الأكراد الذين يريد نظام الاستبداد البعثي تخوينهم حتى وهم يخدمون في صفوف الجيش السوري الذي من المفترض شأنه شأن كل جيوش العالم أن يبقى في منأى عن التوظيف السياسي والتفريق بين منتسبيه ومجنديه على أسس فئوية أو طائفية أو قومية على اعتبار أن الجيش مؤسسة وطنية بامتياز وهي تعريفا فوق مستوى خط الانقسامات والتجاذبات والمماحكات السياسية والفئوية لكن هذه الحقائق البديهية لا يمكن إسقاطها على الحالة السورية فالرتب العسكرية الرفيعة والحساسة في الجيش السوري مقتصرة في الغالب الأعم كما هو معلوم على الضباط العلويين الذين لا تربو نسبة طائفتهم على العشرة في المائة من عدد سكان سورية والنظام الأقلوي الحاكم بعد تكريسه على مدى عقود للنعرات الطائفية والمذهبية في الجيش السوري عبر التمييز ضد السنة من العرب والأكراد وهم الغالبية الساحقة من السكان ها هو يعمل على بث النعرات القومية هذه المرة في صفوف مؤسسة الجيش التي كانت قد شهدت في الأعوام القلائل الماضية بعد الانتفاضة الشعبية الكردية في آذار ( مارس ) 2004 حوادث قتل متكررة لعدد من المجندين الأكراد في الجيش الذي من المفترض أن يجمع كل أبناء الوطن ويوحدهم دون تمييز بين عربي وكردي أو بين سني وعلوي لكن ينبغي أن لا ننسى أننا نتحدث عن سورية التي تدمر فيها السلطة الجملوكية كل القيم السوية وتسحق كافة البديهيات الوطنية والحقوقية والأخلاقية في سبيل بقاء النظام التسلطي وضمان تمكنه الاستبدادي وعافيته القمعية . 

لندن