الرئيسية » مقالات » أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟الحلقة الثالثة

أين ألتقي وأين أختلف مع الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل ؟الحلقة الثالثة

كيف يفترض أن يتعامل العراق مع العولمة؟

يشخص الصديق الفاضل الأستاذ سيّار الجميل العولمة بأنها ليست سوى مرحلة من مراحل التطور التاريخي للرأسمالية على الصعيد العالمي تمارس دورها وتأثيرها على العالم كله. وهذا صحيح تماماً وأتفق به وأشرت إليه. وهي لا شك تختلف في تأثيرها على العالم باتجاهين: أحدهما يمس الدول المتقدمة والدول المتخلفة أو الدول النامية , والثانية الطبقات والفئات الاجتماعية الغنية والفئات الاجتماعية والشعوب الفقيرة في الدول المتقدمة والدول النامية في آن واحد. وإذا كانت لها أكبر الإيجابيات على الدول المتقدمة وأصحاب رؤوس الأموال والاحتكارات الرأسمالية الكبرى , إذ هي التي تجني ثمار منجزات الثورة العلمية والتقنية وثورة المعلومات , فأن الكثير من السلبيات يصيب الدول النامية بسبب عجزها عن الاستفادة القصوى من شروط وقوانين العولمة الرأسمالية وبسبب مستوى تطورها الضعيف وسياسات حكومات أغلب هذه الدول , إضافة إلى العراقيل التي تضعها الدول المتقدمة في طريق الاستفادة من جوانبها الإيجابية من قبل الدول النامية , بسبب تلك الرغبة الجامحة في السيطرة على اقتصاديات ومصائر شعوب هذه البلدان. ولكن هذه الحقيقة الناصعة لا تحرم , بهذا القدر أو ذاك , شعوب وحكومات الدول النامية من إمكانية الاستفادة من الجوانب الإيجابية في العولمة كعملية موضوعية , إذا ما توفرت القوى الحاكمة الوطنية وإذا ما انتهجت سياسات عقلانية جادة لتنمية مستديمة في هذه الدول وبذلت أقصى الجهود لتجنب العديد من السلبيات التي يمكن أن تعيق تطور اقتصاديات الدول النامية بحيوية وفعالية وديناميكية مناسبة , وإذا ما فكرت بإقامة تكتلات اقتصادية تساعد على تحقيق عملية تنسيق وتكامل اقتصادي في ما بينها , كما في حالة الدول العربية أو دول التعاون الخليج على سبيل المثال لا الحصر.
لا ينفع شعوب وحكومات الدول النامية إدانة العولمة أو إنزال أللعنات بها وبمروجيها , كما لا يمكن رفضها , فهي عملية قائمة ومتطورة وهي خاضعة في تطورها لقوانين اقتصادية موضوعية , ولكن السياسات العولمية الدولية توضع وتدار وتمارس من جانب النخب الحاكمة المعبرة عن مصالح الفئات الأكثر غنى من البرجوازيات المحلية للدول المتقدمة وعلى الصعيد الدولي. ولهذا يفترض أن تفكر شعوب وحكومات الدول النامية , ومنها العراق , في سبل وعي واستيعاب فعل تلك القوانين الاقتصادية الموضوعية العامة والخاصة وحركتها والقواعد المنظمة لها وسبل التعامل معها , وأن تعي أيضاً السياسات التي تمارسها الدول الكبرى لدفع منافع العولمة صوب مصالحها. وفي مثل هذه الحالة يمكن وضع تلك السياسات التي يمكنها أن تنفع هذا البلد النامي أو ذاك وتتجنب بالقدر الممكن سلبيات السياسات العولمية التي تمارس على الصعيد العالمي. ولست ممن يعتقدون بأن المرحلة التي تمر بها الرأسمالية العالمية هي المرحلة الرابعة والأخيرة , إذ لكل مرحلة أطوارها وخصائصها والتحولات التي تجري فيها في رحم الطور والمرحلة التي سبقتها. وكل المؤشرات المتوفرة تؤكد بأن الرأسمالية لا تزال تمتلك مقومات استمرارها على الصعيد العالمي , وأن تركها لموقعها لصالح علاقات إنتاجية أرقى وأكثر تناغماً مع القوى المنتجة المتطورة باستمرار ما يزال بعيد المنال. لقد كانت الأحزاب الشيوعية وبعض قوى اليسار الأخرى , وأنا منهم , متفائلة جداً بقرب غياب الرأسمالية من على وجه الأرض وقرب انتصار الاشتراكية على الصعيد العالمي , بل بلغ الأمر ببعض المتفائلين السوفييت ممن كان في قيادة الحزب والدولة إلى التصريح بأن الاتحاد السوفييتي قاب قوسين أو دنى من ولوج مرحلة الشيوعية , في وقت كانت الدولة السوفييتية ومعها بقية المنظومة الاشتراكية تسير على خط بياني ينحدر بها سريعاً صوب الهاوية أو النهاية لهذه التجربة الغنية وذات الدروس الثمينة لكل الشعوب والتي لم تكن في كل الأحوال كما حلم بها ماركس. لقد كنا , وأنا منهم , نتحدث عن رغباتنا الإنسانية الجميلة التي كانت بعيدة عن الواقع وعن قرب المنال. ولا شك في أن بعضنا ردد ذلك بحس إنساني نبيل , رغم أنه لم يستطع التعرف على كيفية ولوج هذا المجتمع الشيوعي في وقت كانت أوضاع المجتمعات السوفييتية ومستوى حياة الناس وتطورهم بعيدة كل البعد حتى عن مستوى الدول الرأسمالية المتوسطة التطور وبعضها قريب جداً من مستوى حياة الدول النامية , وخاصة بعض الجمهوريات الآسيوية التي تسنى لي زيارتها في النصف الثاني من العقد التاسع من القرن الماضي.
من تابع الوضع في العراق على امتداد ثلاثة عقود يعرف جيداً بأن العراق قد حُرِمَ , في ظل هيمنة البعث الصدامية على الدولة والمجتمع , من الانفتاح على العالم ومن الاستفادة من التطور والتقدم العلمي والتقني ومن التفاعل والتلاقح الثقافي والفني. وقد تجسد ذلك بشكل صارخ مع بدء الحرب العراقية الإيرانية , ولكن بشكل أخص حين فُرض على المجتمع العراقي الحصار الاقتصادي الدولي الظالم والذي عانى منه المجتمع , ولكنه لم يلحق أي ضرر فعلي بالنخبة المستبدة الحاكمة , بل كان الشعب ضحية تلك السياسة البعثية وذلك الحصار الدولي. إلا أن العراق واجه سياسات العولمة الرأسمالية قبل سقوط النظام وبعده بطرق مختلفة ومن جوانب كثيرة , ومنها الحروب والحصار الدولي.
ليس هناك أمام العراق في المرحلة الراهنة وفي الظروف التي يمر بها من طريق غير ولوج العولمة. إذ ليس هناك أي مهرب منها ليس بالنسبة للعراق حسب , بل ولجميع الدول. وبتعبير أدق فأن العراق قد دخل العولمة من أوسع أبوابها , شاء ذلك أم أبى, وهو يعيشها يومياً كما يعيش بها العالم كله , ولكن العراق يعيش اليوم بها من خلال السلبيات التي ترافقها أيضاً ويصعب عليه التمتع بإيجابياتها بسبب سياسة قوى الاحتلال والإرهاب الدموي والطائفية السياسية السائدة والخراب الاقتصادي والفساد المالي والوظيفي الذي كان ولكنه تفاقم منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة. ولا شك في أن بعض أبرز هذه الظواهر كانت موجودة في ظل النظام السابق وتفاقم بعضها لاحقاً وبعد سقوطه , ولكن النظام ألصدامي كان السبب الرئيسي في وجودها أو في نشوئها.
والسؤال هو : هل في مقدور القوى الحاكمة في العراق أن تستفيد من العولمة الرأسمالية السائدة , أم أن سياسات العولمة تعيق ذلك حقاً , أم أن طبيعة الحكم ذاته يعيق ذلك؟
أن الإجابة المدققة عن هذه الأسئلة تؤكد اشتراك جميع تلك العوامل وغيرها في إعاقة الاستفادة الفعلية من إيجابيات العولمة الرأسمالية بالصورة المنشودة والتي يمكن بلورتها بالنقاط التالية:
* التخلف الكبير في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والفكري وفي وعي الإنسان بشكل عام الذي يعيق إمكانية الاستخدام العقلاني لمنجزات الثورة العلمية والمعلوماتية وتجلياتها في العولمة.
* الإرهاب الدموي الإسلامي الدولي وإرهاب قوى التدمير الداخلية التي ما تزال تواصل نشاطها التخريبي في العراق وغياب الاستقرار والأمن للسكان بحدود كبيرة , رغم التحسن الأمني النسبي الذي طرأ في الفترة الأخيرة.
* طبيعة الحكم والطائفية السائدة والوعي الديني المزيف والمشوه ودور المؤسسات الدينية والسياسات التي تمارسها الكثير من القوى السياسية الإسلامية والطائفية والعشائرية والتمييز الديني التي تحرم المجتمع من القدرة على الاستفادة من جوانب العولمة الإيجابية.
* وأخيراً وليس آخراً السياسات التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة التي تستهدف الحصول على المزيد من الأرباح والنفوذ و”المصالح الحيوية” على حساب الشعب العراقي وتقدمه. والسنوات الخمس المنصرمة تؤكد ما ذهبنا إليه.
وعلينا أن نتذكر باستمرار بأن أحد جوانب العولمة قد برز في ذلك التحالف السياسي والعسكري الذي أسقط الدكتاتورية الغاشمة والشوفينية الجامحة والاستبداد الدموي العنصري والطائفي لنظام صدام حسين في العراق وفتح الباب على مصراعيها لتغيير واسع ممكنٍ في العراق. لا شك في أن طريقة إسقاط النظام وما أعقبها من سياسات مارستها قوى الاحتلال في فترة بول بريمر وما بعدها قد خلطت كل الأوراق وأساءت التصرف وعمقت الهوة والمحاصصة الطائفية في المجتمع وقللت من فرص تجاوز المصاعب الراهنة وأضعفت القوى الديمقراطية في البلاد.

كيف يُفترض أن يتعامل العراق مع العولمة

يفترض في المسئولين عن العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجارية حالياً في العراق أن يعرفوا جيداً طبيعة العملية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية والبيئية والعسكرية الجارية على الصعيد الدولي , باعتبارها عملية موضوعية أولاً , وكذلك طبيعة التناقضات والصراعات الدولية في ضوء التباين في السياسات والمصالح في ما بين الدول المراكز الرأسمالية الثلاثة واتساع قاعدة الدول الكبرى وشمولها , إضافة إلى روسيا الاتحادية , الصين الشعبية والهند ثانياً , وأن يعوا ويشخصوا طبيعة السياسات والمصالح التي يفترض أن ينتهجها العراق وسبل التعامل مع الجانب الموضوعي من العملية ومع السياسات العولمة التي تمارسها الدول الصناعية الكبرى ثالثاً. إذ أن مثل هذه المعرفة الجيدة من المستلزمات الأساسية للاستفادة من هذه العملية. يشير واقع العراق الراهن إلى التشخيصات التالية:
1. يتطلب واقع العراق الراهن, ارتباطاً بالتدهور والتخلف الشديدين في القوى المنتجة المادية والبشرية السائدين في البلاد وتشوه شديد في البنية الاقتصادية والاجتماعية وتراجع شديد في عملية التراكم البدائي للرأسمال في الاقتصاد الوطني , من المجتمع وجميع قواه السياسية الديمقراطية والواعية , أياً كانت مواقفها الفكرية والسياسية, أن تعي بأن العراق يقف أمام مهمة التحول من العلاقات الإنتاجية الراهنة والمتخلفة والمشوهة وما قبل الرأسمالية إلى العلاقات الإنتاجية الرأسمالية الأكثر تطوراً وتقدماً, بغض النظر عن المواقف المتباينة للقوى السياسية المختلفة من العلاقات الإنتاجية الرأسمالية , وبغض النظر عن موقف كل منا من العلاقات الرأسمالية , على وفق ظروف البلاد الملموسة. إذ أنها عملية موضوعية ولا يمكن القفز فوق المراحل واختزالها كما كنا نتصور وتصور آخرون أيضاً وارتكبنا, وأنا منهم, من جراء ذلك , أخطاءً غير مبررة. ومن المؤلم أيضاً أن البعض لا يزال يتصور ذلك ويسعى إلى سراب دون أن يعي الحاجة لمثل هذه العلاقات لأي تطور لاحق للعراق.
2. أن يجري فهم واستيعاب وتعامل واع ومسئول مع القوانين الاقتصادية الموضوعية للرأسمالية في مرحلة التطور التي يمر بها العراق من جهة , والتي يعيشها العالم المتقدم من جهة أخرى , لكي يتسنى للمسئولين وعي مواقع التوافق والاختلاف وما يمكن ممارسته في العراق لتجنب التناقضات والصراعات والصدام الفعلي بين أفعال القوانين الموضوعية والسياسات التي تمارسها الدولة والقطاع الخاص في مختلف المجالات. إذ أن مراحل تطور الرأسمالية متباينة من بلد إلى آخر رغم كون القوانين الاقتصادية للرأسمالية واحدة , ولكنها متباينة في مستوى تطورها وفعلها. ونحن نعرف تماماً أسباب تأخر نمو الرأسمالية في بلادنا والمرتبطة بعوامل تاريخية في دولة مشرقية وعوامل جديدة داخلية وخارجية.
3. وأدراك هذا الواقع والتعامل الواعي والفعال معه يعني بدوره الاعتماد الواسع والفعلي على القطاع الخاص والقطاع المختلط في عملية التنمية الوطنية المستديمة وفسح المجال لهما لأخذ دوريهما الفعليين في العملية الاقتصادية بمختلف مراحلها.
4. ولكن هذا لا يعني إلغاء أو إهمال أو عدم الاعتماد على قطاع الدولة في المجالات الاقتصادية التي لا يكون في مقدور القطاع الخاص النهوض بها أولاً , وفي القطاع المرتبط بالموارد الأولية التي يفترض أن تبقى في العراق في إطار ملكية الدولة مع إمكانية المرونة في سبل استثمار هذه الموارد ثانياً , إذ أن هناك أكثر من أسلوب ووسيلة في التعامل مع الشركات الأجنبية للاستثمار في قطاع النفط الخام والغاز الطبيعي وبقية الموارد الأولية المتوفرة في باطن الأرض العراقية أو على سطحها شريطة أن تكون مصالح العراق هي البوصلة التي يهتدي بها النخب الحاكمة.
5. يضاف إلى ذلك أن العراق لا يملك البنية التحتية الضرورية لنمو وتطور القطاع الخاص , سواء أكام محلياً أم إقليمياً أم دولياً , في حين سيكون في مقدور قطاع الدولة توفير هذه الأرضية المناسبة , خاصة وأن الدولة تمتلك النفط كمورد مالي أساسي لعملية التنمية المادية والبشرية وللسنوات القادمة.
6. أن يفسح في المجال لرؤوس الأموال العربية والإقليمية والدولية التوظيف في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية. وليس الهدف من هذا الموقف هو التناغم مع شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي غير المناسبين للمرحلة الراهنة من واقع وحاجات التنمية في العراق , بل تفرضها ضرورات تعجيل التنمية الاقتصادية والبشرية لاقتصاد خربته السياسات غير العقلانية والحروب والدكتاتورية الجامحة والحصار الدولي , إذ أن الاقتصاد والمجتمع يعانيان اليوم من تخلف شديد وبنية اقتصادية واجتماعية متخلفة ومشوهة ومخربة في آن واحد. فالاقتصاد العراقي كان ولا يزال وسيبقى لفترة غير قصيرة اقتصاداً ريعياً واستهلاكياً في آن ويعاني من نسبة عالية جداً من البطالة المكشوفة والمقنعة , ويبقى لفترة غير قصيرة مكشوفاً على الخارج , خاصة وأن الطبقة الوسطى التي أتى عليها النظام السابق لا تزال ضعيفة.
7. ويتطلب هذا الواقع وضع قانون جديد للاستثمار الأجنبي يتحرك وفق معايير دولية مناسبة ويعطي الكثير من المحفزات المناسبة دون مغالاة للتوظيف الداخلي مع حماية المصالح الوطنية وضمان تعجيل التنمية. ولا شك في ضرورة مشاركة العراق , وبضمنه طبعاً إقليم كُردستان العراق , وبمستويات مطلوبة في المؤسسات الاقتصادية الدولية , رغم احتمال بروز جملة من السلبيات التي ستواجهه الاقتصاد والمجتمع في المرحلة الأولى بسبب التباين في مستوى التطور بين اقتصاديات الدول المتقدمة واقتصاد العراق , والفجوة المتسعة دوماً حتى الآن لصالح الدول المتقدمة , إذ أن العراق سيحتاج إلى عقدين من السنين على الأقل لتجاوز تراكمات الماضي والحاضر.
8. إن ولوج العولمة يستوجب التيقن من استراتيجية العراق للمرحلة القادمة إزاء عملية التنمية الاقتصادية والبشرية وفي الموقف من النفط الخام والغاز الطبيعي , وكذلك من التقنيات التي يفترض أن تستخدم لصالح تعجيل تطور اقتصاد النفط استخراجاً وتصديراً وتصنيعاً. كما يفترض أن يلج العراق وبالطرق المناسبة في مشروعات التطوير العلمي والتقني الدولي والتعليم بمختلف مراحله وفروعه واختصاصاته ليصبح بمستوى لائق للمشاركة في تطوير سبل تطويع التقنيات ومنجزات الثورة العلمية والاستفادة القصوى والممكنة من ثورة المعلومات والاتصالات لصالح تعجيل وتحسين عملية التنمية البشرية والتعليم والبحث العلمي.
9. ولا شك في أن العراق, وهو يلج العولمة من أوسع أبوابها, يتطلب منه أن يعير أكبر الانتباه للثقافة العراقية بمختلف مكوناتها القومية ومدارسها واتجاهاتها وعلاقاتها المتبادلة والتفاعل والتلاقح في ما بينها ومع الثقافة العربية والإقليمية والعالمية, بما يسهم في تطوير وإغناء مختلف مكونات الثقافة العراقية. كما يفترض أن يتعزز ويتطور ويغتني دور ونشاط المثقفات والمثقفين العراقيين في كافة المجالات. إن الظاهرة السلبية الحادة التي يواجهها العراق تبرز في ضعف هذا الدور والنشاط لا بسبب المثقفات والمثقفين أنفسهم , بل لعدة أسباب منها : الأول , الإرهاب الدموي الذي يمنع وصول نشاطهم إلى الفئات المختلفة من المجتمع ؛ والثاني , دور الطائفية السياسية التي تتعارض في رؤيتها مع الثقافة الديمقراطية الحية والحياة الجديدة وحرية الإنسان ؛ والثالث , في دور النخب السياسية الحاكمة التي تسعى إلى تقليص وتقريم دور المثقفات والمثقفين في حياة البلاد السياسية والاجتماعية والثقافية ؛ والرابع , الدور الذي مارسته سلطات الاحتلال في إضعاف دور القوى العلمانية والديمقراطية واليسارية في الحياة السياسية لصالح قوى الإسلام السياسي الطائفية.
10. ويفترض أن ندرك دور العولمة الموضوعية في توفير مستلزمات نشر ثقافة حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق المرأة الكاملة وغير المنقوصة سياسياً واقتصادياً واجتماعياًُ وثقافيا وتعليمياً وبالنسبة إلى حقها في احتلال مختلف المناصب في الدولة والمجتمع , وهو النقص الأكثر بروزاً وإيذاءً والذي كان ولا زال يواجه العراق منذ عقود. ولا شك في أن العولمة يمكن أن تسمح , كما جرى ويجري في مواقع كثيرة من العالم , إلى تدخل في شئون الدول بذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان , أي من الممكن أن تستخدم هذه الحقوق النبيلة كأداة بيد القوى العظمى للتدخل في شئون الدول الأخرى , ولكن هذا جانب واحد , إذ أن الجانب الثاني يفسح في المجال الدفاع عن حقوق الإنسان على الصعيد العالمي ونشر ثقافة حقوق الإنسان ورفض العنف والقسوة والاستبداد.
11. ولا شك في أن إمكانية العراق وحده في مواجهة الجوانب السلبية في العولمة الرأسمالية ضعيفة حقاً , ولكنها يمكن أن تتعزز في حالة تغير الظروف الراهنة من جهة , وفي حالة إيجاد سبل جديدة للتعاون والتنسيق والتكامل مع الدول العربية ودول الجوار وبصيغ مناسبة لهذه الدول , وليس في إطار مشاريع تريد الإبقاء على الهيمنة والتخلف , من جهة ثانية.

يعيش العراق في عالم العولمة , ولكن من مواقع التخلف والتشوه التي ولجتها دول الأطراف , شاءت ذلك أم أبت. ورغم أن هذا يعني ولوج مباشر في العملية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية والبيئية الدولية, ولكن لا يعني بالضرورة قدرة العراق على الاستفادة منها دفعة واحدة وسريعة , ولكنها يمكن إن تفتح الطريق على مصراعيه أمام العراق باتجاهات مختلفة , وعلى القوى الحاكمة تقع مسؤولية رسم سياساتها بما يساعد ويسهل عملية الاستفادة من العولمة كعملية موضوعة , وتجنب قدر الإمكان , ما يرشح منها من سلبيات.
وأول شروط الاستخدام العقلاني للعولمة هو سيادة مبادئ الديمقراطية في حياة الدول والمجتمع , إذ بدونها يصعب الحديث عن توفير مستلزمات الاستفادة الفعالة من عملية العولمة الجارية. والديمقراطية هنا تعني وجود دستور ديمقراطي ومؤسسات دستورية ديمقراطية وتداول ديمقراطي للسلطة وتعددية سياسية وحريات عامة وسيادة مبادئ حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية والحرة. وهذا يعني دون مواربة التخلي الكامل عن مشاريع بناء دولة إسلامية سياسية غير قابلة للحياة والتطور والكف عن ربط الدين بالدولة والابتعاد الكامل عن الطائفية السياسية والبنية العشائرية للمجتمع والحكم … الخ.
والشرط الثاني في هذا الجانب هو التوجه الجاد صوب تغيير البنية الاقتصادية البالية وتنمية الاقتصاد الوطني وإزالة حالة التخلف والتشوه منه ليفسح في المجال لبناء وتطوير مؤسسات المجتمع المدني ونظام اجتماعي سياسي مدني ديمقراطي في العراق.
والشرط الثالث هو استخدام الإدارة الديمقراطية والعلمية لتسيير دفة الحياة الاقتصادية والاجتماعية ومشاركة المجتمع والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتنشيط وتفعيل دور الإنسان الحر والديمقراطي الخالي من أردان الطائفية المقيتة والعشائرية والتمييز الديني والقومي والطائفي وإزاء المرأة.
إلا أن العراق بموارده الأولية وقدراته البشرية والكفاءات البشرية المتوفرة لديه من جهة , وإذا ما انفتح على الفكر والثقافة والعلم على الصعيد الدولي , سيتمكن من تعجيل عملية التنمية واختصار الزمن للخلاص من الوضع السائد فيه حالياً وليضع العراق ضمن دائرة جديدة على محيط أقرب إلى المراكز الصناعية العالمية من البعد الشاسع الذي يقف فيه اليوم. وهي مسألة ليست مهمة فحسب , بل وحياتية تحمل معها نتائج إيجابية للعراق على المدى البعيد.
والشرط الرابع يتلخص في الاستخدام العقلاني والفعال والاقتصادي للموارد الاقتصادية المتوفرة في البلاد من أجل إغناء الثروة الوطنية وتحسين مستوى مداخيل الأفراد وحياة ومعيشة السكان ومكافحة البطالة والفقر السائدتين في الواقع الاجتماعي العراقي الراهن من خلال تأمين علاقة توازن مناسبة بين تصدير النفط واستخدامه أولاً , وبين توزيع الدخل بين التراكم والاستهلاك , ومن ثم الانتباه للموازنات الضرورية بين مكونات كل منهما.
يفترض في المشرع الاقتصادي أن يعرف ماذا يريد للعراق خلال الفترة القادمة وعلى مدى عقدين قادمين. ووضوح الرؤية في هذه المسألة مهم جداً إذ أن السعي الأساسي يستوجب السيطرة على التناقضات وعدم فسح المجال لتحولها إلى صراعات ومن ثم نزاعات لا تحمد عقباها. وهذا يستوجب , من حيث المبدأ, السيطرة على التناقض الذي سيبرز قطعاً في إطار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية وفي إطار العولمة , وأعني به التناقض بين العمل ورأس المال, أو بين العمال , على قلتهم , والفلاحين وصغار المنتجين في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية , وبين أصحاب رؤوس الأموال , بهدف توزيع أكثر عقلانية وأكثر عدلاً للدخل المنتج بين الربح الرأسمالي أو فائض القيمة وبين والأجر بما يسهم في تخفيف الاستغلال وتحقيق الربحية الذي يساعد على تحقيق عملية التراكم الرأسمالي في الاقتصاد العراقي وعلى تشجيع التوظيفات الرأسمالية وتحقيق عدالة نسبية في توزيع الدخل القومي في آن (سأعود لمعالجة موضوع تخفيف الاستغلال وكيف يتم في مجتمع عراقي في الحلقة الخامسة بشكل أوسع , إذ أنها إحدى النقاط التي أثارها الصديق الأستاذ الجميل في حلقاته السابقة). إن العولمة الرأسمالية لا يمكن أن تكون “الرحمة للفئات الفقيرة والكادحة , ولكنها ليست الغضب المطلق على الفرد والمجتمع. ويفترض أن يعرف المسئولون في العراق سبل الاستفادة القصوى منها , حيث لا يجوز ولا يمكن الهروب من هذه العملية الموضوعية التي تشمل العالم كله , ومنه العراق , بأي حال. وسيكون الموقف رجعياً وخائباً حقاً حين يرفض المسئولون فهم ووعي طبيعة هذه العملية الموضوعية , التي هي خارج إرادة الإنسان ورغباته , ويرفضون التعامل الواعي معها , ولكن سيكون الأمر سلبياً جدياً وغير مسئول من جانب المسئولين في العراق حين لا يسعون إلى فهم وتجاوز السلبيات والصعوبات التي تخلقها سياسات العولمة التي تمارسها الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة بعيداً عن مصالح الإنسان والمجتمعات النامية , ومنها العراق. إذ أن كلا من هذين الاتجاهين خاطئ وخطير في آن , وعلينا أن نتجاوزهما لصالح العراق الاتحادي الديمقراطي الحر الذي ننشد إقامته. إن العراق بوضعه الراهن وسياساته الطائفية وتفكك قواه السياسية وصراعها عاجز حقاً عن الاستفادة الفعالة من العولمة كعملية موضوعية وعاجز عن تفادي سلبيات سياسات العولمة التي تمارسها الولايات المتحدة في العراق , رغم أن وجودها العسكري الراهن يفرضه الواقع الراهن للقوات المسلحة العراقية ولحركة وفعل قوى الإرهاب ودعم دول وقوى في الجوار لها.

انتهت الحلقة الثالثة وستليها الحلقة الرابعة.
31/1/2008 كاظم حبيب