الرئيسية » مقالات » لست أنا المقصود .. بل المقصود غيري ..!

لست أنا المقصود .. بل المقصود غيري ..!

بهذه العبارة الساذجة والهادئة والمطمئنة , ولكنها المليئة بروح الأنانية واللاأبالية القاتلة , كان الكثير من الألمان قد استقبلوا ما كانت تمارسه الحكومة الهتلرية وما كانت تنفذه أجهزتها القمعية ضد الألمان المعارضين للنظام وكذلك ضد الألمان اليهود وغيرهم من البشر بعد أن وصل هتلر إلى السلطة في العام 1933 وعبر انتخابات عامة , لست أنا المقصود بما يقوم به الزعيم والقائد وأجهزته , بل المقصود غيري , فأنا بعيد عن إجراءاته وسياساته الداخلية. وفي حقيقة الأمر كانت نسبة كبيرة من السكان تعرف تماماً ما كان يجري في ألمانيا , كانت تعرف بأن وزارة الداخلية ورجال ألـ “أس أس” وجهاز “الغوستابو” وبعض قوات الجيش وقوى الحزب الحاكم تقوم باعتقال كثرة من الناس وتعرضهم إلى التعذيب الشرس وتسلخ جلود بعضهم ويموت البعض الكثير تحت وطأته , أو تدفعهم إلى معسكرات الاعتقال التي مات فيها الملايين من البشر , سواء أكان عبر التجويع أو الحرق بالأفران أو الموت تحت التعذيب اليومي أو عبر تجربة الكثير من الأدوية الجديدة الخطرة والسموم علي المعتقلين.
ولكن عمليات الإرهاب ونشر الخوف والرعب من السلطة وحملات الاعتقال كانت تتسع يوماً بعد آخر , كانت تنتقل من الشيوعيين , بعد أن تنهي الأجهزة القمعية حساباتها معهم , إلى اعتقال الاشتراكيين الديمقراطيين , وتنتقل منهم إلى الديمقراطيين المسيحيين , وبعدهم شملت الحملة كثرة من المستقلين غير المتجاوبين مع النظام الفاشي الهتلري. وإذا كانت قد بدأت باليهود أيضاً , فإنها قد اتسعت لتشمل الأقلية السكانية السنتي والروما , وهم من الغجر , ومن ثم اعتقال المواطنات والمواطنين الألمان , وبعدها انتقلت مع بدء الحرب العالمية الثانية تواصلت الحملة ضد الشعوب الأخرى التي احتلت أراضيها من قبل القوات الألمانية. ثم شملت في الواقع الشعب الألماني كله حين زجه في حرب عالمية ثانية أدت إلى موت عشرات الملايين من البشر في الحرب وفي المعتقلات النازية التي لم تختلف عن أي جحيم آخر على الأرض.
ومثل هذا الوضع ساد في العراق في فترة حكم البعثيين العرب , فالقوميين العرب , ومن ثم البعثيين العرب , مما أدى إلى نفس العواقب الوخيمة فقد بدأوا بالشيوعيين والبعثيين من أتباع سوريا والقوميين من أتباع الناصرية ومن ثم القوى والأحزاب الكردية والقوى الإسلامية السياسية. وكان النظام ينفرد بالبعض ليصفي البعض الآخر. وهكذا قتل عشرات الألوف من البشر في السجون و المعتقلات , وخاض الحرب ضد الشعب الكردي وضد سكان الجنوب والوسط , ثم حروبه الخارجية ضد إيران والكويت. وبلغ عدد ضحايا العراق في عهد النظام البعثي الذي دام 35 عاماً ما يقرب من مليون ونصف المليون إنسان. وسقط النظام الدكتاتوري والعنصري وبدأ إرهاب قوى الإسلام السياسي المتطرفة للقاعدة وقوى البعث ألصدامي والمليشيات الطائفية. وكان الموت وبدا واضحاً أن القتل موجه ضد المجتمع , ضد الشعب العراق بكل قومياته وفئاته الاجتماعية وأحزابه الوطنية وضد أتباع جميع أديانه ومذاهبه , ومع ذلك كان الموقف سلبي وسكت الناس ولم يمارسوا العمل للكشف عن الإرهابيين , فتنوع الموت واتسعت قاعدته لتشمل المزيد من البشر.
إلى متى سيستمر هذا الوضع حيث تُقتل فيه العوائل على الهوية أو من أجل نشر الإرهاب والرعب والفوضى وعدم الاستقرار ومنع عودة المهاجرين أو الانتقام لأسباب غير معروفة , إلى متى يفجر المجرمون القتلة أنفسهم ليأخذوا معهم إلى القبر المزيد من البشر البريء , إلى متى يفقد الشعب العراقي بناته وأبنائه؟ هذا السؤال ينبغي أن يجاب عليه من الحكومة العراقية , من الأحزاب والقوى السياسية و من الناس أنفسهم , من كل مواطن ومواطنة مرشحين للموت اليوم أو غداً على أيدي المجرمين القتلة القادمين من وراء الحدود أو من أبناء الوطن الذين سقطوا في مستنقع العقيدة الفاشية , سواء أكانت دينية أم غير دينية , مستنقع الخيانة الوطنية والخيانة للوطن والمواطن العراقي الذي يموت دون أن يعرف سبب موته.
إلى الأرواح البريئة التي تختفي يومياً من لائحة الأحياء وتدخل عالم ولائحة الموتى الذكر الطيب وللمجرمين القتلة من أي جنس وصنف كانوا بئس المصير وسوء العاقبة. فليس في أيدينا ما يمكن أن نفعله للناس في بلاد وادي الرافدين , إلا ما يفعلونه أنفسهم من أجل حياتهم وبقائهم على قيد الحياة ضد من يريد قتلهم يومياً ويسعى إلى تصفيتهم.
إن مشاعر الألم تعصر كل إنسان عراقي فَقَدَ أخاً وصديقاً وأختاً وزوجة أو زوجاً أو أباً وأماً أو حبيباً وحبيبة أو مواطنة ومواطناً تحت وطأة الأوضاع السائدة في العراق وعلى أيدي القتلة المجرمين , ولن يواسيهم غير إيقاف عجلة القتل اليومي , غير تقديم المجرمين إلى العدالة لتنزل العقوبة العادلة بهم , غير شروق الشمس الدافئة في سماء وأجواء العراق لتنهي سواد ليل طويل وثقيل لا يزال يهيمن على الجميع.
العراق بحاجة إلى نهوض شعبي عام , على رفض القتل ورفض الإرهابيين على التكاتف لمنع وقوع ما يقع يومياً وحماية أنفسهم والآخرين في آن , إذ أن المتربصين بالعراق وبالشعب كثرة , أولئك الذين يسعون إلى الغدر بالإنسان كثرة أيضاً يتحركون خارج الحدود ولهم أتباعهم داخل الأرض العراقية وبين ظهرانينا أو في جحورهم ومواقع اندساسهم ونحن جميعاً نتحمل مسئولية الكشف عنهم وفضح مواقعهم وهوياتهم والمساهمة بتسليمهم للسلطة.
30/1/2008 كاظم حبيب