الرئيسية » مقالات » لماذا أُناصر الشعب الكردي وقضيته ؟

لماذا أُناصر الشعب الكردي وقضيته ؟

توارد الأفكار والأبداع والكتابة والنقد والنقاش والحوار كل هذا يوحي للكاتب ان يصيغ افكاره في إطار يخرج على شكل مقال او محاضرة او دراسة .. الخ وفي هذا السياق اكتب في شؤون وهموم عراقية مختلفة ، منها ما يعانيه شعبنا العراقي عموماً وما حل بشعبنا الكلداني في مدن العراق من اعتداءات ، مما نجم عنه نزيف الهجرة التي كانت بوصلتها ذات اتجاه واحد نحو مغادرة الوطن . فكان الخلل الديموغرافي الخطير المهدد لوجود شعبنا الكلداني على أرضه ووطنه العراقي .
وأكتب ايضاً مقالات عن الشعب الكردي الذي طاله الظلم ، وحرم من حقه في إقامة دولته المستقلة أسوة بشعوب المنطقة التي شكلت كياناتها الدولتية بعد الحرب العالمية الأولى .
لكل ما اكتبه ردود أفعال مختلفة بين مؤيد او ناصح او ناقد او ناقم على ما اكتبه وفي حالات تصل الرسالة الى تخوم التهديد .
وحين كتابتي لبعض المقالات عن الشعب الكردي وأقليم كردستان كان ثمة من يستفسر عن سبب اهتمامي وأنا كلــداني بالكتابة عن المسألة الكردية ، وهل ذلك أشارة للأنسلاخ من القومية الكلدانية ؟ وأقول ان الأمر ليس كذلك فأنا كعراقي كلــداني اعتز بكل القوميات العراقية منها الكردية والعربية والتركمانية والآشورية والسريانية والأرمنية ، لكن بجهة أنسنة الفكر القومي ألا يحق لي ان اناصر قضية شعب يطمح الى تقرير مصيره ؟ ان كان هذا الشعب ، الشعب الكردي او الفلسطيني او اللبناني او السوداني …
لقد قرأت مقالة للأخ العزيز أدو كليانا تحت عنوان : الى الكاتب حبيب تومي مع التقدير . واستشفيت من كلماته نبرة المودة والأخلاص مع مكاشفة وصراحة ، وهذه باعتقادي حالة مطلوبة ، فهو يقول أنني اخذت منحى جديد في الكتابة اذ عكفت للكتابة عن القضية الكرديـــــة فحسب وهو يقول بصراحة :
( أنا لايمكن لي أن أتهم كاتبنا بأي شيء رغم وجود حالات كثيرة في الوطن والخارج من تغيير في النهج والافكار بتأثير من السلطة الغير المحدودة أو المال الوفير حد البذخ في شمال عراقنا الحبيب كردستان. ولكن يبقى هذا السؤال مطروحا لكاتبنا ما هذه الحمية الزائدة في الدفاع عن الاكراد؟؟) . انتهى
يا صديقي العزيز أدو كليانا لم يبق من العمر كثيراً لكي يكون لي اطماع في جمع ثروة مالية او إشغال منصب وظيفي ، فأنا من هذه الناحية مدين لملك النرويج الذي يمنحني راتب تقاعدي يغنيني عن طلب المال ، وجل طموحي يتركز في الكتب وهي اثمن هدية عندي ، وانا طماع شره في مسألة القراءة وجمع الكتب وهذه هوايتي . فأرجو ان تطمئن بأنني حينما اكتب عن الأكراد وقضيتهم ليس من أجل المادة لأنني اصلاً لست بحاجة اليها ، لكن هناك اسباب أخرى للكتابة عن الأكراد ، فحين التقي بأصدقاء أكراد أعرف نفسي بأن قوميتي كلدانية ، لكن أكتب عن القضية الكرديـــــة لأنني صرفت أجمل سنوات عمري في خدمة القضية الكردية وهي سنوات العمر من 20 ـ 26 ، فعدسة الذاكرة لا زالت مسلطة على احداث ليست المعارك اهم لوحاتها ، إنما كانت هناك لوحات كثيرة رسمت خيوطها في نسيج الحياة وتجاربها ، لقد كان التناكب على المبادرة والتضحية والشجاعة والصدق والصراحة وألأخلاص ، لكل هذه المناقب خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها ، فالحياة كانت جميلة وصافية لا تشوبها أدران الأطماع والأكاذيب والأنتهازية ، كان ثمة امتحان يومي ولا بد من اجتيازه بنجاح ، برغم ان هذا النجاح في تلك الأوضاع الخطيرة قد يكون ثمنه فقدان الحياة بأية لحظة .
حينما هجم تيمورلنك على بغداد والمدن الجنوبية عمل على اجتثاث شعبنا المسيحي الكلداني من مدن العراق ووجد هذا القوم الملاذ الأمين في جبال كردستان والكاتب الكلداني يوسف رزق الله غنيمة في كتابه ( نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق ص 172 ) .يقول :
فالنساطرة الذين هجروا بغداد والبصرة وكل مدن العراق ما خلا الموصل وتوابعها والتجأوا الى قمم جبال كردستان … وخربت بيعهم وهدمت معابدهم وباتت اديرتهم قاعاً بلقعاً يعشش فيها البوم والغراب وباد كل معبد لهم .
وما اشبه اليوم بالبارحة ، ورغم المسافة الزمنية لتلك العصور المظلمة إذ نحن نودع الألفية الثانية ، وندلف عتبة الألفية الثالثة . فإن اليوم يضطر ابناء شعبنا الى ترك بغداد والمدن العراقية الأخرى ولجوء قسم كبير منهم الى أقليم كردستان ، والصديق هو الذي يقف الى جانبك وقت الضيق ، فالمسألة تقضي بأبسط تجلياتها ان نشكر الشعب الكردي وقيادته على موقفهم . ومن جانب آخر فشعبنا بحاجة الى بناء علاقات صداقة وطيدة مع مختلف شرائح الشعب العراقي بما فيهم الشعب الكردي .
وماذا نفسر حينما يكتب الزميل جلال جرمكا وهو كردي عن شخصية عبد الكريم علكة الكلداني الشهم ، وحينما يكتب عن فضائية كلدانيـــة وعن كلمات معبرة للشعب الكلداني ، هل ان الزميل جلال جرمكا سلخ عن نفسه قوميته الكردية ؟ إنها فرضية سطحية لا ترتكز على اسس واقعية .
إن من يناصر قضية شعب آخر هي قضية انسانية محضة لا تقبل التأويل ، وهي شطر من لوحة الحياة العامة والمنهج الأخلاقي للثقافة ، اما من يسلخ جلده القومي هو من ينكر قومه وقوميته ويحاربهما تحت ذرائع جاهزة ، ولدينا مثال الأكراد الذين التحقوا بالقوات الحكومية تحت اسم الفرسان وحاربوا أبناء جلدتهم ، وكذلك بعض الكلــدان الذين لا يكتفون بالنأي عن قوميتهم بل يلجأون الى تخوين بني جلدتهم تحت مبررات مختلفة .
إن من حق الكاتب ان يناصر قضايا الشعوب وأن لا يسكت على القهر والتطهير العرقي والسياسي والطائفي ، وأن يكون له رأي ورؤى لكن ليس على حساب قومه . فمناصرة شعب مظلوم على مدى عقود ، هو بحد ذاته موقف إنساني لا تشوبه شائبة .
في النرويج وبلاد أوروبية أخرى ثمة شخصيات سياسية وأدبية وعلمية تناصر قضايا شعوب كثيرة وتتبرع بالأموال وتتطوع بالأعمال لمساعدة ومناصرة شعوب بعيدة عنها جغرافياً ومختلفة عنها دينياً وعرقياً ، ولا يعني ذلك ان هؤلاء سلخوا جلودهم الوطنية .
نحن نكتب بشكل عام عما يعانيه شعبنا وعن الأمن والأستقرار المفقود في بلادنا وعن غياب او تغييب الهوية العراقية الجامعة لكل أطياف الشعب العراقي . ويقع جزء من هذا الواجب على عاتق الكتّاب وعليهم ان يتحملوا المسؤولية في بلورة الواقع لتكون الصورة أكثر وضوحاً وتكاملاً ، وهذه في الحقيقة مهمة ثقافية ووطنية وتتطلب جهداً جماعياً لوضع الهوية العراقية في مكانها اللائق .
حبيب تومي / اوسلو