الرئيسية » مقالات » انقطاع الكهرباء و الغلاء و الطائفية و البشر….

انقطاع الكهرباء و الغلاء و الطائفية و البشر….

الطبقة السياسية اللبنانية اعتبرت أن خروج الناس الذين يحتجون على انقطاع الكهرباء عن بيوتهم هو عمل غوغائي , عبارة عن شغب , و أخيرا خيانة للوطن , مهددة إياهم بالفوضى و الرد “المناسب” الذي حصد بالأمس أرواح مجموعة من الشباب الذين حرمتهم الحكومة من الكهرباء و الكثير من ضروريات الحياة قبل أن تحرمهم حياتهم , هذا عدا عن من يريد تجيير هذه الاحتجاجات لصالحه لأنه من نفس طائفة أولئك الذين لا تمر الكهرباء على بيوتهم و الذين يقتلهم نار الجيش دون أن يستفز ذلك لا مجلس الأمن و لا السيد شيراك و لا حكام النفط و الزيت و لا حتى الكتاب الذين يكتبون في الصحف الصفراء المملوكة للبترودولار التي تتجاهل اليوم دماء الفقراء كما تجاهلت في الأمس مأساتهم و يبقى لنا أن نسأل أبطال الديمقراطية هؤلاء ما الذي تعنيه ديمقراطيتهم هذه التي يتحدثون عنها و يتخذونها قاعدة للغزل ببوش و حكام النفط “المعتدلين” إذا لم تكن تعني الحق بالكهرباء و لا سيما و قبل أي شيء آخر حق الحياة للفقراء..يجب التأكيد أنه في لبنان كما في معظم دولنا العربية و ربما في كثير من هذا العالم فإن حدود الفقر بل و انقطاع الكهرباء و حتى الخبز و الحق في التظاهر كثيرا ما تتقاطع مع حدود الطوائف بل و الشعوب في كثير من الأحيان , الفلسطينيون و الأكراد كأمثلة فقط , هذا يجب أن يكون حاضرا في أذهان أولئك الذين على الجانب الطائفي المقابل و الذين يعتمد الكثير على تفهمهم لمشاعر الغضب عند الفقراء من الطوائف الأخرى التي يجري وصفهم بأنهم “هراطقة , كفار و أعداء” وفقا للطبقة السياسية و طبقة الإكليروس , كما يجب أن يعرف الفقراء أنفسهم من طائفة ما أن هذه الحقيقة ليست إلا نتيجة ثانوية و ليست أصلية لواقع انقسام الناس إلى أغنياء و فقراء , إلى سادة و أتباع , إن الوقوع في فخ رؤية الصراع على أنه طائفي يسهل مهمة من يريد استمرار هذا الواقع القائم من يريد استمرار انقطاع الكهرباء و الغلاء مفروضا على غالبية الناس من كل الطوائف مقابل تمتعهم وحدهم بكل الامتيازات , تحدث سمير جعجع عن عدم وجود أية خيارات أمام حكومة السنيورة أي باختصار ضرورة القبول بالوضع القائم , بالغلاء و انقطاع الكهرباء , حتى أنه رفع من شأن هذا “الوضع القائم” عندما اعتبر أن محاولة الانقلاب عليه تعني فقط عودة سطوة المخابرات السورية على لبنان , هكذا تحاول الطبقة السياسية أن تحدد الخيارات المتوفرة أمام الناس من كل الطوائف , إما هي و معها الغلاء و انقطاع الكهرباء , أو عودة المخابرات السورية و معها الغلاء و انقطاع الكهرباء , تريد الطبقة السياسية و التي هي في نفس الوقت تشكل , أو حاشيتها أو حلفاءها , طبقة كبار التجار و الصناعيين أن تثبت أنه لا وجود حل لانقطاع الكهرباء و أن الخيار ليس بينها و بين خيار آخر يوفر الكهرباء لبيوت الفقراء و يوفر حاجاتهم الأساسية بأسعار تتناسب مع دخولهم , لكن على العكس من محاولات هذه الطبقة التعمية عن وجود خيار كهذا فهو موجود بالفعل , لكنه يحتاج لنضالكم الجريء ذا الأهداف الواضحة التي تتخطى كل حدود الطوائف إلى حدود إنسانية رحبة حدود الفقر و الجوع و الأمل بعالم أفضل لنا جميعا..هنا يأتي دور حزب الله و حركة أمل , القوى التي تعتمد شعبيتها على ذلك الخلط بين حدود الطوائف و حدود الفقر , ليست المشكلة في دفاع هذه القوى أو غيرها عن الفقراء , لكن تحويل قضية الدفاع عن الفقراء إلى قضية دفاع عن طوائف انتهاءا بأن تصبح دفاعا عن زعامات المؤسسات الطائفية الدينية و السياسية ليس تكريسا للوضع القائم في الأساس من حيث أنه يريد استبدال أو إضافة جزء مهمش حتى اليوم إلى الطبقة السياسية أو النخبة الحاكمة لكنه يؤدي إلى خلق وضع آخر نشاهد نسخته الحية في إيران , وضع سينتهي إلى أن يكون نسخة من الوضع القائم..يدعو جعجع إلى “احتجاجات سلمية” أي غير مؤثرة كما في الاعتصام النقابي الهادئ جدا و بالمقابل يتوعد الحريري كل من يريد استخدام الشارع بالويل , و يتحدث المعلقون الموضوعيون عن احتمالات و مخاطر الفوضى , أو انفلات الأمور من أيدي الطبقة السياسية و الجيش و حتى رجال الدين , و كأن ما فعلته هذه الطبقة و معها رجال الدين بالبلد هو حالة عقلانية ! إن الفوضى التي سببتها الطبقة السياسية في الواقع أسوأ من أي كابوس , يكفي تذكر الحرب الأهلية و أرواح أكثر من 150,000 لبناني سقطوا خلالها بمباركة رجال الإكليروس و بتوجيه الطبقة السياسية المباشر و تنفيذ رجال الميليشيات الهمجية , كان السادات قد وصف انتفاضة 18 و 19 يناير كانون الثاني 1977 بأنها انتفاضة حرامية , التوصيف خاطئ بالتأكيد لأنها كانت ببساطة انتفاضة على الحرامية..خلافا لما يؤكده الجميع فإن الوضع القائم لا يستحق من الفقراء سوى الرفض و التصميم على تغييره مهما بلغ تهويل الطبقة السياسية , في غزة المحاصرة أيضا تخلت الجماهير عن سلبيتها و دكت حدود الحصار , و في سوريا المجاورة يزداد وضع الجماهير سوءا و ترتفع الأسعار بشكل جنوني فيم يروج النظام هناك أيضا لنفس مواقف جعجع من أي تحرك شعبي في الشارع ملوحا بقبضة أجهزة أمنه في وجه ملايين السوريين “ليقنعهم” بأنه لا جدوى حتى في التفكير في مقاومة سياساته التجويعية تجاه الشعب , وصولا إلى مصر و السودان , و عودة إلى العراق و الخليج , أسعار كل ما يحتاجه الإنسان ليعيش ترتفع و تزداد و تنقطع الكهرباء و كل ضروريات الحياة عن أحزمة الفقر فيم أقلية محدودة جدا تستمر في حياة الترف الشديد خلف أبواب مغلقة بعناية..إننا مقبلون على احتجاجات أكثر عمقا و الوسيلة الأخيرة لسكان تلك القصور هي في خلط الجوع بالطائفية لعلها تحول تلك الصرخات المنادية بالعدالة و بالخبز إلى صرخات تطالب بدم الآخر الطائفي , طالما استهانت تلك النخب بدمائنا في سبيل أن تبقى الكهرباء مستمرة دون انقطاع عن قصورها , و طالما “أقنعتنا” بضرورة قتل الآخر الطائفي عوضا عن أي احتجاج على القدر الإلهي الذي شكل العالم على هذا الأساس , هم في القصور و نحن نموت على أيدي أشباهنا الفقراء لأننا لا نؤمن بما يؤمنون , هذه هي جنة هذه الطبقة و تلك الأنظمة التي على شاكلة نظام بشار و هذا هو جحيمنا الحقيقي كبشر “محكوم عليهم بالجوع و الكدح و العيش من دون كهرباء , من دون حياة كريمة” إلى ما شاء الله وفق رجال الدين من كل الطوائف ( فهذه حقيقة يقرها كل رجال الدين من المطاوعة التابعين لحكام النفط إلى المطاوعة الشيعة في إيران و حتى الإكليروس المسيحي ) و التي انضم إليهم في هذا رجال “الفكر و الثقافة” “الديمقراطيين” بل “العلمانيين” , يا له من تحالف “مقدس” للدفاع عن الوضع القائم و يا له من سبب جوهري لنستمر في الصمت و الرضوخ للواقع و الإحجام عن الاحتجاج بشكل يزعج بشار و الحريري و جعجع !