الرئيسية » مقالات » الدولة المدنية الديمقراطية بين الطموح والواقع..!

الدولة المدنية الديمقراطية بين الطموح والواقع..!

المادة (1):

جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة،
نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي.
وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق.
(الدستور العراقي/2005)

حول:

” نــداء من أجل بناء الدولة الديمقراطية المدنية في العراق ”

مدخل:

قبل أن ينظر المرء الى ديباجة النداء الموجه من قبل عدد من الشخصيات السياسية والعديد من اوساط المجتمع العراقي بمختلف طوائفه الإجتماعية، تحت العنوان أعلاه ، عليه بدءً الإشارة الى الهدف الذي أراده أصحاب النداء من وراء إصداره في هذا الوقت بالذات؛ فالنداء في عنوانه المذكور؛ يحدد بدقة الهدف الملموس من وراء إصداره، وهو بناء الدولة الديمقراطية المدنية في العراق:

1- بالتمعن بنص المادة /1 من الدستور العراقي الحالي، نجدها في جوهرها لا تخرج من حيث المضمون عما جاء في جوهر النداء المذكور ، الذي يقترب بشكل لا يقبل اللَّبس من مضمون المادة الدستورية المذكورة. و ربما هناك من يتسائل ؛ إن كان الأمر كذلك فما الحاجة للنداء المذكور.؟

2- في ديباجة النداء ، ما يجيب على هذه التساؤل ، يعززه التماهي السريع الذي أبداه الآلاف من العراقيين في التوقيع على النداء، ما يعبر عن التعاطف مع الأسباب التي تقف وراءه.

3- من هذا يمكن القول؛ بأن النداء قد إستهدف أهم نص دستوري؛ وهو المادة/1 من الدستور، التي تشكل أهم ركن من أركانه، والتي يدخل في إطارها العديد من السمات التي تعبر بهذا الشكل أو ذاك، عن الطابع الديمقراطي للدولة وشكل نظام الحكم المدني المنشود.

الباعث

وحيث يبدو أن الأمر يتعلق بنص دستوري، لدستور لا زال من الناحية الشكلية لم يكتسب دائميته، طبقاً لنص المادة/142 من الدستور نفسه، يصبح لزاماً التوقف أمام الباعث الحقيقي الذي دفع بالسادة منشئي النداء الى إصداره، خاصة وأن جلهم من مؤيدي العملية السياسية أو من المشاركين فيها. ولا يمكن تفسير ذلك إلا من زاويتين:

1- ما يتعلق بالنص الدستوري نفسه؛ وهذا يفترض؛ إما أن النص بشكله الحالي لا ينسجم أو لا يتفق مع مدلولات بناء الدولة المدنية الديمقراطية، أو تشوبه نواقص جوهرية تفقده صفة وسمات تلك الدولة المنشودة كما عرفها النداء. ولكن من ديباجة النداء لا أجد ثمة ما يشير الى هذين الإفتراضين.

2- أن ينصرف الذهن الى التسويف والتلكؤ، في الإلتزام بالنص الدستوري نفسه ومحاولة التنصل من إشتراطاته، والتمسك عوضاً عن ذلك، بالمصالح الخاصة بالجهات المناط بها التقيد بأحكام الدستور وتلك التي تشرف على مراقبة مديات ذلك التقيد والإلتزام. وفي هذه الحالة، ينحصر الأمر بمسؤولية السلطة التنفيذية بكامل أجهزتها، المتمثلة بالحكومة ومجلس الرئاسة، وبالسلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب، والسلطة القضائية المتمثلة بالمحكمة الدستورية العليا.

لو سلمنا جدلاً بعدم إنطباق الفرضية الأولى كباعث يقف وراء النداء، فليس أمامنا غير الإستدلال بالفرضية الثانية، المتعلقة بالتنصل من إشتراطات الدستور والخروج عليها في حيز التطبيق، وما ترتب على ذلك من تداعيات، بإعتبارها الباعث الذي دفع بأصحاب النداء لطرح ندائهم على المجتمع العراقي والدعوة الى التوقيع عليه.

وما يعزز الرأي في ذلك، هو هذا الإندفاع السريع من قبل جمهرة من العراقيين في التوقيع على النداء ودعمه بالتعليقات والمقترحات الكثيرة، وما رافق ذلك من حملة المقالات التي سطرها عدد من الكتاب والمثقفين على صفحات الإنترنيت، وعلى إختلاف وجهات نظرهم في الموقف من دعم النداء، أو تلك الدعوات والنداءات اللاحقة وما طرحته صحيفة الحوار المتمدن لتوحيد صفوف القوى اليسارية والعلمانية.

أهمية النداء

جرياً على ما تقدم، يكتسب النداء أهميته من سلامة الباعث الذي يقف وراءه من جهة، وحجم وسرعة التأييد اللذين حضي بهما من جهة أخرى؛ فمرور أكثر من عام ونصف العام على صدور الدستور وتشكيل ما سمي ب”الحكومة الوطنية”، ومضي اكثر من أربعة سنوات على “العملية السياسية” ، سارت أمور البلاد من سيء الى أسوء وعلى كافة الأصعدة، على الرغم مما يشير اليه النداء من التحسن الأمني. أما على صعيد بناء مقومات الدولة المدنية الديمقراطية ، التي أسس لها الدستور، فمن الصعب على المرء أن يُحفز موقفاً تفاؤلياً بهذا الإتجاه، إذا ما قارن مجريات الأمور على صعيد الواقع مع الإفتراضات النظرية أو قياساً على تصريحات المسؤولين. وما أشار اليه النداء لا يشكل إلا قدراً يسيراً من واقع الحال.


فإذا كان من نتائج الإحتلال عام/2003 إسقاط وتفكيك دعائم الدولة الدكتاتورية – وهي عملية مزدوجة وضعت البلاد في فراغ مؤسساتي للدولة لا زالت آثاره السلبية قائمة حتى اليوم – ، فإن ما جرى فيما بعد، وفي ظل محاولة بناء مقومات الدولة الجديدة “العراق الجديد” ، وبغض النظر عن طبيعة تلك الدولة، قد ساهم ولا يزال يساهم بتقويض أي أسس جديدة لبناء الدولة وفقاً لما أسس له الدستور الجديد.

المعوقات

ولست هنا بصدد سرد تداعيات ونتائج المرحلة التي أعقبت الإحتلال حسب، بقدر ما أريد أن أشير الى بعض معوقات ومجهضات مقومات بناء الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة، التي وقفت ولا تزال حائلاً دون بناء نموذج هذه الدولة في عراق اليوم:

– التعويل المجتزأ على مفهوم الهيكلية الإنتخابية وحدها كأساس للإنطلاق في عملية بناء مقدمات الدولة الجديدة، وعلى أنقاض دولة أمست بلا مؤسسات.

– قبول كافة الأطراف التي شاركت في العملية السياسية على الصعيد العملي، بمبدأ المحاصصة المبني على أساس التمييز الطائفي- المذهبي والإثني في تشكيل المؤسسات الجديدة للدولة، مما وضع مقدمات لتأسيس التجزئة والتقسيم.

– إستخدام أغلبية التنظيمات السياسية من أحزاب ومنظمات لأذرعتها العسكرية (الميليشيا) في تثبيت وجودها المادي في الساحة واللعبة السياسية. وهذا ما ساعد على خلق أجواء الصراع بين هذه التنظيمات، وإنعكست مظاهره في فقدان الأمن وغياب دور الدولة والقانون.

– توظيف المؤسسة الدينية والشعائر والطقوس الدينية بديلاً عن التنافس السياسي البرنامجي المشروع، كوسائل دعائية براغماتية في السيطرة على قرار الناخبين، لما تمثله تلك المؤسسة من تأثير نفسي كبير على مستويات الوعي الإيماني في ظل تدني الوعي المعرفي والثقافي.

– تكبيل الدستور بالعديد من النصوص التي تشكل إعاقات دستورية أمام تكريس المباديء الديمقراطية، في حياة المجتمع والدولة.

– الغياب التام لدور المجتمع الدولي (الأمم المتحدة) في رعاية ومراقبة بناء أسس الدولة الجديدة . وبدلاً عن ذلك جرى التعويل على قوات متعددة الجنسيات وتحت القيادة الأمريكية، التي تمثل إمتداداً لقوات الإحتلال ، مما أعطى المبررات المناسبة للتدخل الإقليمي في الشأن العراقي، وإستشراء الإرهاب بأشكاله المختلفة، تحت ذريعة مقاومة الإحتلال، وتفشي آفة الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة الحديثة النشوء.

الختام
من كل ما تقدم، فإن أي قراءة موضوعية للنداء المذكور ، تضعنا في مواجهة مباشرة أمام مهام جسيمة تتعلق بمجمل مصير العراق إذا ما أردناه دولة مدنية ديمقراطية لا دولة مليشيات؛ وعليه فإن الأمر ليس مجرد شأن يرتبط بجهد جهة محددة من المجتمع، أو يتعلق بموضوع معين بالذات، إذا ما أراد المرء القول؛ بأن الأمر من الشمولية وتحمل المسؤولية ما يجعله يخص كافة فئات المجتمع على السواء، ناهيك عن تحمل القوى السياسية، التي أرتبط وجودها في الساحة السياسية بالعملية السياسية حصراً، القسط الأوفى من المسؤولية. فلا غرابة والحال إذا ما وجدنا بين موقعي النداء أسماء عدد من مسؤولي الأحزاب السياسية أو بعض من أعضاء مجلس النواب. وهذا ما دفع الآلاف لتوقيع النداء، إدراكاً منهم لأهمية الأمر وشعوراً بالمسؤولية الوطنية..!

وبعيداً عن أي تصورات مسبقة أو تحديدات معينة، فإن النداء كما وجدته؛ في مضمونه وشكله، لا يخاطب مجموعة بشرية معينة، ولا يستثني فئة إجتماعية دون أخرى، وغير موجه ضد قوى سياسية معينة؛ الغالب فيه وكما إعتقد، تذكير كافة القوى السياسية، سواء كانت في الحكومة أو في البرلمان، في العملية السياسية أو خارجها، أن تدرك مسؤوليتها المباشرة عن واقع تدهور الأوضاع السياسية والأمنية والإقتصادية والإجتماعية في البلاد ، وأن تستوعب مسؤولياتها وإلتزاماتها البرلمانية والحكومية، في النهوض ببناء أسس الدولة المدنية الديمقراطية، من خلال التمسك ببنود الدستور الذي صوتوا عليه وإحترام المواثيق، وإدارة الصراع بين الجميع بالطرق السلمية التي كفلها الدستور/2005 .

فهي مهمة الجميع ومسؤولية الجميع؛ ممن دعموا العملية السياسية وآزروها؛ لا تقتصر على من هم في اليسار أو من هم في اليمين؛ فمن ذا الذي يحدد من هم أصحاب اليمين ومن هم أصحاب الشمال..؟
وهل إن هدف بناء الدولة المدنية الديمقراطية وقفاً على فئة دون أخرى..؟
وهل تخلوا المجتمعات من يمين أو يسار..؟