الرئيسية » مقالات » قراءة في كتاب الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة للدكتور محمد عبد الرحمن يونس

قراءة في كتاب الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة للدكتور محمد عبد الرحمن يونس

قراءة : رجاء إبراهيم سليمان
قاصة وكاتبة ومترجمة
الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة من أحدث كتب الباحث الدكتور محمد عبد الرحمن يونس، الذي صدرت له دراسات عديدة في حكايات ألف ليلة وليلة، ونشرت في المجلات العربية بالإضافة إلى كتاب آخر صدر سابقا عن مؤسسة الانتشار الأدبي في لندن وهو الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة.
ويحتوي كتابه الجديد الاستبداد السلطوي على المحاور الرئيسة التالية:
مقدمة
مـدخـل.
1ـ في بعض ملامح سلطة الحكّام الرجال في ألف ليلة وليلة.
أ ـ بعض ملامح شخصيّة الخليفة هرون الرشيد.
ب ـ ملامح شخصيّة الخليفة عبد الله المأمون.
ج ـ ملامح شخصيّة الخليفة عمر بن عبد العزيز.
د ـ ملامح بعض الشخصيّات السلطويّة الأخرى في ألف ليلة وليلة.
2 ـ استبداد نساء ألف ليلة وليلة ـ نماذج ثريّة وسلطويّة.
أ ـ في بعض ملامح السيّدة زبيدة زوجة الخليفة هرون الرشيد.
ب ـ ملامح إحدى جواري السيّدة زبيدة.
ج ـ بعض ملامح استبداد إحدى الملكات الأسطوريّات في الليالي.
3 ـ ملامح بعض النساء السلطويّات الزواني و بعض ملامح الإيديولوجيا الرجوليّة المعادية لهنّ في ألف ليلة وليلة.
4 ـ سلطة الحكاية وسلطة القتل في ألف ليلة وليلة.
في المقدمة يتحدث الكاتب عن الدوافع الرئيسة التي دفعته لتأليف هذا الكتاب وعن مصادره ومراجعه التي اعتمدها في الدراسة، وعن سبب اقتران الفساد السلطوي والاستبداد الجنسي في دراسته الأكاديمية،يقول ” ويرجع سبب اقتران الاستبداد السلطوي بالفساد الجنسي في كتابي هذا إلى أنّ وجود الجماعات السياسيّة التي تحكم مدن ألف ليلة وليلة وتدير شؤونها، تقوم على رأسها سلطات فاسدة باطشة متجبرة تحركها شهواتها الجنسية وتتحكم في قرارتها ، وتبطل إعمال العقل، إذا حضر الجسد الشهواني المكتنز إثارة وجمالا جنسيين، وعلى الرغم من كل ذلك، نجد أنّ سكّان مدن ألف ليلة يعتقدون أنّ ملوكهم أو خلفاءهم هم ظلّ الله على الأرض، والأوصياء على شريعته. ونظراً لأنّ سلطات هذه المدن سلطات استبداديّة فإنّه يُلاحظ أنّ قوانين هذه المدن وأعرافها وتقاليدها تتشكّل بالدرجة الأولى تأسيساً على قوانين سلطة القصر ورغباتها، قبل أن تُستمدّ من رغبات الشعب وآماله وتطلّعاته.
وإذا كان حكّام ألف ليلة وليلة خلفاء أو ملوكاً يستشيرون وزراءهم أو قادة جيوشهم العسكريّة، أو خاصّة المقرّبين منهم في بعض الأحيان، فإنّ هؤلاء الحكّام يظلّون في نهاية المطاف أنانيين و فرديين وطغاة يتعاركون لأجل النساء، ويبددون أموال دولهم للحصول على هاته النساء اغتصابا أو امتلاكا.. ومن هنا بدا لي أنّ دراسة ملامح حكام ألف ليلة وليلة يجب أن تكون متزامنة مع دراسة ملامح الجانب الجنسي الشبقي لدى هؤلاء الحكام”.ص 9
أمّا في مدخل الكتاب فيتحدث
عن دور السلطة التاريخي والسياسي والمعرفي في مجتمعاتها، وتعريفها ومفهومها ودروها في استعباد شعوبها، وقدراتها الخاصة التي تعينها على فرض سطوتها واستبدادها على هذه الشعوب منطلقا من المصادر التاريخية والحديثة التي أرخت للسلطة عرفتها وحددت مفهومها، ويقول في الصفحة 17 و18 مايلي: ” و قد عُرِف عن السلطة، و من خلال تاريخها الطويل، احتقارها لمواطنيها، و تسخيرهم لخدمة مصالحها الشخصيّة؛ إذ رفع الحكام سيف البغي على رقاب شعوبهم، و عاثوا فيهم فساداً وتخريباً و تسلّطاً و إرهاباً، و حكموا بلدانهم حكماً استبداديّاً فرديّاً، و عدّوا أنفسهم أوصياء وأسياداً، و أصحاب سلطة مطلقة على شعوبهم. و يروى أنّ ملك فرنسا لويس الخامس عشر وقف في الثالث من آذار (مارس) 1716م أمام برلمان باريس قائلاً : » في شخصي وحده تجتمع السلطة، و لي وحدي تعود السلطة التشريعيّة دون منازع أو حسيب. النظام العام بمجمله، يستمدّ وجوده من وجودي، و أنا حاميه الأول. شعبي و أنا واحد. حقوق و مصالح الأمّة، التي يجرؤون على جعلها جسماً منفصلاً عن الملك، هي، بالضرورة، متّحدة بحقوقي ومصالحي أنا، و لا ترتاح إلاّ بين يدي. «.
و عندما يتحدّث الملك لويس الخامس عشر، معظّماً نفسه بكلّ هذه الفردية، و السطوة المطلقة، فإنّه لا يختلف كثيراً عن أيّ خليفة أمويّ أو عبّاسيّ، أو طاغية معاصر؛ لأنّ الحاكم الجائر يظنّ نفسه الإله المتوّج بالمنعة و السطوة، و ما على بني البشر إلاّ طاعته، و طاعة أولاده و نسائه و جواريه و أفراد قبيلته. و من هنا فإنّ السطوة المطلقة التي يمارسها الحاكم المستبدّ على أفراد شعبه، و قدرته السحريّة الماكرة على تطويع الناس لأن يكونوا خدماً أذلاّء تابعين له، منقادين لأوامره انقياداً مطلقاً، جعلت كثيراً من الناس في العصور القديمة يتصورون أنه لا بدّ من أن يكون الحاكم من طبيعة غير طبيعة البشر، فهو من طبيعة إلهيّة، وهو إله أو ابن الإله. و هو يحكم بتفويض مباشر أو غير مباشر من الله. “.
وتحت العنوان الموسوم بـ ” بعض ملامح شخصية الخليفة هارون الرشيد ” يقول: ” يبدو الخليفة هرون الرشيد السياسيّ السلطويّ في ألف ليلة و ليلة طائشاً نزقاً، يضرب و يقتل متى يشأ، و يعفو عمن يشأ وفق مزاجية حادّة، و هو يُصدر أوامره الظالمة في لحظات طيشه و غضبه، التي تنفجر دائماً، و قلّما تهدأ. ففي حكاية » علي نور الدين و أنيس الجليس «، يصمّم الخليفة هرون الرشيد على أن يصلب خولي بستانه الشيخ إبراهيم، و علي نور الدين، و جاريته أنيس الجليس، إن لم تحسن هذه الأخيرة الغناء و الضرب على العود، وإن أحسنت عفا عنهم، و صلب بدلاً منهم وزيره جعفر البرمكي. يقول الرشيد لوزيره جعفر: » والله إن غنّت الجارية و لم تحسن الغناء صلبتهم كلّهم و إن غنّت و أحسنت الغناء فإنّي أعفو عنهم و أصلبك أنت. «. ويضيف الباحث قائلا: ” «. و التساؤل الذي يمكن أن يطرحه متلقي الحكاية: ما ذنب سيّدها علي نور الدين و خولي البستان الشيخ إبراهيم ـ خادم الرشيد المطيع ـ إن لم تحسن الجارية الغناء؟ و هل مصائر الناس و حرياتهم يقرّرها، و يصادرها هوج الخلفاء و نزقهم؟. يبدو ذلك في مدن ألف ليلة و ليلة المحكومة بمجموعة من الخلفاء و الملوك و الأمراء ” . ص “30 ويعرج الكاتب على كل الحكايات التي ذكرت الخليفة الرشيد ويحللها بشكل مفصل مقارنا بين هذه الحكايات وبين سيرة الخليفة كما تذكرها المصادر التاريخية الكثيرة التي اعتمدها الكاتب في بحثه، ومن أهم الحكايات التي تبرز سطوة الخليفة حتى في عدم حضوره هي حكاية ” قوت القلوب مع غانم بن أيوب” عندما يشتد الغرام بينهما، ورغبة كل منهما بالآخر، وعندما يهمّ للتواصل الجنسي معها تشكف له عن لباسها فيبدو مكتوبا عليه بالذهب: ” أنا لك و أنت لي يا ابن عمّ النبيّ. فلمّا قرأه رفع يده«. فلما قرأه قال: ” كيف يجلس الكلب في موضع السبع و الذي لمولاي يُحرّم عليّ أن أقربه، ثمّ جذب نفسه منها وجلس في ناحية “.
ويتابع الباحث قائلا:” لقد كان الخليفة هرون الرشيد، بنفوذه المالي و سطوته السياسيّة، و اعتباره نفسه ابن عمّ رسول الله (ص)، يتعالى و يتفاخر على كلّ أفراد شعبه و ولاته و وزرائه، و كان يحتقرهم مستهيناً بهم، و بقدراتهم. فقد كان يحتقر وزيره جعفر البرمكي، و في أصغر المواقف وأبسطها، و دونما سبب في أحيان أخرى، و كان ذا سلطة طاغية على جميع من حوله. و قد استمدّ هذه السلطة من التركيبة السياسيّة، و الطبيعة الاستبدادية، التي عرفتها الدولة العبّاسيّة”. ويضيف: ” و بالعودة إلى حكايات ألف ليلة و ليلة يُلاحظ أنّ مظاهر احتقار الرشيد لوزيره جعفر البرمكي وعدم الثقة به، تتكرّر غير مرّة. فالليالي تصوّر جعفراً البرمكي من أخلص المقربين إليه، و أنّه خادم وفيّ مشهور بالطاعة و الولاء له، و مع ذلك كان الرشيد يشكّ به، و ربّما يعود شكّه به إلى أنّ هذه القوة من الحرس التي كان يحصّن نفسه بها لم تدفع عنه هواجس الخوف من أن يهجم على قصوره الحاقدون على نظامه السياسيّ، و ينتزعون منه الخلافة”. وذا ما يبدو جليا في حكاية” علي نور الدين وأنيس الجليس”.
أما في حكاية ” علاء الدين أبو الشامات” فتظهر ملامح أخرى لشخصية الرشيد تتباين مع الوجه الاستبدادي والسلطوي الذي بدا عليها في الحكايات السابقة، ويقول المؤلف عنها: ” إذ يظهر الرشيد في أحد هذه الملامح عطوفاً كريماً، مسارعاً إلى نجدة المحتاج، شغوفاً بالسمر، مندغماً بالموسيقى”. وكذلك تصوره المصادر التاريخية أنه كان من كرماء الخلفاء، فقد كان جوادا، ويتصدق من خالص ماله مائة ألف درهم في الليلة الواحدة.
وفي حكاية أخرى يبدو متهتكا مسحورا متلصصا على جسد زوجته العاري والجميل وهي تستحم في بحيرة قصره، ويبدو أحيانا منبسطا مازحا، وأحيانا عاشقا للجواري، وبعد أن ينتهي الكاتب من تحليله للحكايات التي تتحدث عن الرشيد، والتي تصف مظاهر سلوكه، يقول في نهاية الحديث عن هذ الخليفة:” إنّ شخصيّة الخليفة هرون الرّشيد في اللّيالي شخصيّة ثرّة ساهمت في بناء عدّة حكايات، و شعّبتها، و مزجتها بالأسطورة و الخرافة و أخبار الجنّ و العفاريت، وجعلتها منفتحة على فضاءات القصور، و الجواري، وبنات التجار و الملوك و الوزراء، والتّهتّك الجنسي، و الملذّات و الخمور، والتّرف و البذخ الأسطورييّن، من جهة، و على فضاءات القتل والسّطوة و الاحتيال والفساد في بنية الحياة العبّاسيّة من جهة أخرى. وقد قدّمت هذه الشّخصيّة، في طبيعة علاقاتها مع الشّخوص الأخرى، ملامح مهمّة لبعض جوانب الحياة العبّاسيّة: سياسيّاً و ثقافيّاً و اقتصاديّاً و اجتماعيّاً”. ص 45 ـ 46.
وتحت العنوان :” ملامح شخصية الخليفة عبد الله المأمون” يقول الكاتب:” تذكره اللّيالي في أربع حكايات من حكاياتها. و هذه الحكايات هي: حكاية » إبراهيم بن المهدي مع ابن أخيه المأمون «، وحكاية » المأمون و زواجه بخديجة بنت الحسن بن سهل «، و حكاية » الجواري المختلفة الألوان «، و حكاية » المأمون و رغبته في هدم أهرامات مصر «.
ففي الحكاية الأولى مع عمه إبراهيم بن المهدي يبدو المأمون رجلا حكيما وعاقلا، و خبيرا مجربا، ممتلئا بالحكمة و الحلم، و نبيلا و كاظما لغيظه، حيث يغفر لعمه عدم مبايعته له على الخلافة، وادعائه الخلافة لنفسه و ذلك مدة سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما،و حينما تمكن منه المأمون أشار عليه أحد مستشاريه أن يعفو عنه قائلا : » يا أمير المؤمنين إن قتلته وجدنا مثلك من قتل مثله، وإن عفوت عنه فما وجدنا مثلك عفا عن مثله «، فعفا عنه المأمون، فقال إبراهيم بن المهدي: » والله ما عفا عنّي المأمون تقرّباً إلى الله تعالى، ولا صلة للرّب ولكن له سوق في العفو يكره أن تكسد بقتلي». ص 48 من الكتاب.
و في حكاية المرأة التي جاءته تشكو ظلم ولده العباس لها يظهر المأمون فيها عادلا في إقامة الحق، و منصفا حين جلوسه للنظر في مظالم الناس، فقد كان يأخذ للمظلوم حقّه من الظّالم، حتّى ولو كان هذا الظّالم قريباً أو ابناً له. ص 48. إذ يطلب أن يجلس ولده العباس إلى جانب المرأة المظلومة في مجلس الخصوم، ثم يقضي لها برد ضيعتها التي اغتصبها ولده العباس، و يقضي بظلم العباس بظلمه لها، و يكتب إلى عامله ببلدها أن يرد لها ضيعتها ويحسن معاونتها، ثم يأمر لها بنفقة.
و في حكاية ” المأمون وزواجه بخديجة بنت الحسن بن سهل”، يطلب الخليفة من اسحق الموصلي الموصلي أن يجلس في قصر الخلافة وينتظره، وتوسوس له نفسه الشغوفة بالغناء أن يذهب إلى دار خديجة بنت الحسن بن سهل ليسمع غناءها، و هو بذلك يتحرر من سطوة السلطوي و يندفع محموما أمام غناء المرأة مستسلما لنشوة الخمرة، وفي أوج نشوة السكر يتزوج خديجة ـ من أبيها ـ على مهر وقدره ثلاثون ألف دينار و من دون أن يعود إلى رأيها، وبالتالي ستكون في قصره سلعة جميلة باهظة الثمن.
ويتابع الكاتب قائلا:” إذا كان الرّاوي في حكاية » إبراهيم بن المهديّ مع ابن أخيه المأمون « قد صوّر المأمون في صورة الحاكم الحليم والعاقل، و الكريم الذي يعفو عند المقدرة، فإنّ راوياً آخر في حكاية » المأمون ورغبته في هدم أهرامات مصر « قد صوّره في صورة الرّجل الجاهل بقيمة الآثار التّاريخيّة و الجماليّة، وعلاقة هذه الآثار بفكر الأمم والحضارات التي أنتجتها، فهو في هذه الحكاية يصمّم على هدم أهرامات مصر، التي بناها الفراعنة”. ص 62. وصورة المأمون هنا لا تتفق مع صورته في المواضع الأخرى التي يبدو فيها حكيما وعاقلا وذواقا للأدب والفن.
وتحت عنوان: ملامح شخصيّة الخليفة عمر بن عبد العزيز.
يقول الباحث :” ويبدو أنّ هذا الخليفة كان يتمتّع بمزايا إنسانيّة و أخلاقيّة عالية، جعلته مثالاً مضيئاً للخليفة العادل الذي كرّس حياته لرفع راية الحق والدّفاع عن المظلومين من مستضعفي أمّته. و من هنا فإنّ مزاياه الإنسانيّة و الجماليّة أهّلته لأن يكون أفضل خلفاء بني أميّة وأعدلهم قاطبة، وربما أفضل خلفاء الدّولة العبّاسيّة أيضاً. وقد سئل محمد بن علي بن الحسين عن الخليفة عمر بن عبد العزيز فقال: » هو نجيب بني أميّة، وأنّه يُبعث يوم القيامة أمّة وحده «.
ويصوّره الرّاوي في حكاية وحيدة من حكايات ألف ليلة وليلة، وهي حكاية
» الملك عمر النّعمان وولديه شركان وضوء المكان «، بصورة الزاهد الصالح الورع الذي عمل على مرضاة الله، وسلك مسلكاً مغايراً للخلفاء الأمويّين قبله، فلم يثر على حساب رعيّته، ولم يُعرف عنه أنّه كان لاهياً أو مبذّراً أو فاجراً كغيره”. ص 65.
ويتابع الباحث قائلا: ” وتؤكّد سيرة هذا الخليفة العادل، كما يروي راوي الحكاية السابقة، نزاهته وعدله وزهده، ومحافظته على أموال بيت المسلمين، ورفضه إعطاء أولاده ما يثريهم أو يزيدهم مكانة ماليّة، وبطراً سلطويّاً، على غيرهم من أفراد رعيّته، حتّى أنّه أفقر أولاده مرضاةً لربّه”. ص 69.
ويرى المؤلف سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز تؤكد ” ـ أنّه كان من أكثر النّاس تواضعاً وتقشّفاً في مأكله و ملبسه، حتّى أنّ تواضعه في ملبسه بدا كأنّه أسطورة”. ص 70. لذلك نجد أنّ الراوي في ألف ليلة وليلة يشكّله حلما جميلا يحضر وبعد وفاته، وقد نال مرتبة خالدة عند ربه تليق بأفعاله النبيلة في فترة خلافته . ص 72.
وتحت عنوان:” ملامح بعض الشخصيات الأخرى في ألف ليلة وليلة، يقول المؤلف: ” وإذا كانت اللّيالي قد قدّمت بعض هؤلاء الخلفاء والحكّام في صورة الحاكم العادل، فإنّها اجترأت على حكّام آخرين ـ وهم كثر ـ وأدانتهم، واعتبرتهم أعداءً حقيقيين لشعوبهم، إلاّ أنّه من الملاحظ أنّ أهمّ ملمح يلتقي فيه حكّام اللّيالي: خلفاء و ملوكاً أو وزراء وولاة، هو ملمح المستبدّ الطّاغي الذي يرى نفسه إلهاً متوّجاً على مجموع من الرّعاع، الذين يجب عليهم طاعته طاعة مطلقة، هذا الطّاغي الذي يبيح لنفسه أن يعيث فيهم فساداً وتخريباً وبطشاً ونهباً لأموالهم وممتلكاتهم، و نسائهم الجميلات” . ص75. ثم يقوم بدراسة الحكايات الآتية: حكاية الملك مع المرأة الجميلة، و حكاية: الملك عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان، و حكاية الحشاش مع حريم أحد الأكابر، وحكاية نعم ونعمة مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وحكاية الحجاج بن يوسف الثقفي مع هند بنت النعمان، ويحللهما دارسا مظاهر الاستبداد السلطوي وعلاقته بالنساء والجنس.
أمّا في العنوان الموسوم بـ : استبداد نساء ألف ليلة وليلة ـ نماذج ثريّة وسلطويّة فيرى أنه :” يكاد يتّفق معظم رواة ألف ليلة وليلة على رؤية تكاد تكون واحدة، ينطلقون منها لوصف نساء اللّيالي، وأخلاقهنّ وعاداتهنّ، وعلاقاتهنّ بالرّجال في القصور وأسواق التّجارة، وهذه الرؤية محكومة بقيم الرّجل السّلطويّ البطريركيّ الذي لا يثق بأيّة امرأة مهما كانت. ومن هذه الرّؤية قُدّمت النّساء الزّواني، و القوّادات، والمحتالات، والمتآمرات على كلّ من يقف أمام رغباتهنّ الشّهوانيّة الفاجرة، واللّواتي لا علاقة لهنّ بالعفّة والأخلاق الفاضلة، لأنّهنّ فاسدات الطّويّة والهوى، والنّساء اللّواتي هنّ أصل المصائب، و الفساد والمكر و الخديعة، و من هنا فقد رأى هؤلاء الرّجال أنّ المرأة شرّ، وأنّ الانقياد إلى رأيها و مشاورتها يعني مزيداً من الخسائر.
وإذا كانت هناك استثناءات تنظر إلى المرأة نظرة احترام لمكانتها، بوصفها أمّا أو أختاً أو زوجة صالحة و مخلّصة، فإنّ هذه الاستثناءات نادرة جدّاً، ولا تشكّل نموذجاً للمرأة الموصوفة و المُحتفى بها في اللّيالي، أو مقياساً يمكّننا من خلاله أن نتبيّن أهم ملامح المرأة في اللّيالي “. ص 115. غير أن الملمح الأساسي، وبين معظم نساء ألف ليلة ولية، وكما يرى الكاتب، هو ملمح المرأة السلطوية المستبدة والطاغية التي تمارس تسلطا على من هم دونها، وهاته النسوة محصنات بسلطات الرجال وبطشهم، لأنهن حظايا عندهم، ومن هنا فأن قدراتهن على اختراق القوانين وإلغائها وتطويعها لصالحهن كبيرة جدا. ص 116.
ومن خلال العنوان: في بعض ملامح السيدة زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد، يرى أنّها:” من أهمّ نساء السّلطة في ألف ليلة وليلة اللّواتي مارسن تسلّطاً على من دونهنّ من الجواري والإماء والرّجال، السّيدة زبيدة بنت جعفر المنصور، إذ تبرز هذه المرأة نموذجاً متسلّطاً مُطاعاً طاعةً عمياء، لا يجرؤ أحد على مخالفتها من جواري قصرها، و من رجال مدينة بغداد ونسائها”.ثم يقوم بتحليل جميع الحكايات التي ذكرت هذه السيدة، ومن بين هذه الحكايات: حكاية هارون الرشيد مع محمد بن علي الجوهري، وحكاية حسن الصائغ البصري، ويحاول أن يقرن صورتها في الليالي بصورتها كما أرخت لها المصادر التاريخية القديمة، فقد كانت في هذه المصادر تعتلي أرفع مراتب الثراء والأناقة، وكذلك في حكايات ألف ليلة وليلة تحتل نفس المرتبة، ويثبت المؤلف رأي المؤرخ ابن طباطا الذي يرى أنها كانت سديدة الرأي وحكيمة وعاقلة أكثر من ولدها الخليفة محمد الأمين. ص 126.ويرى المؤلف أنّ هذه الحكمة وسداد الرأي لم يمنعاها من من تبذير أموال الدولة العباسية على المقربين منها من القضاة والفقهاء، والعبث بها . ص 127.
وتحت عنوان: ملامح بعض النساء السلطويات الزواني في ألف ليلة وليلة، وبعض ملامح الإيديولوجيا الرجولية العادية لهن. يقول المؤلف: ” ليست نساء السلطة في ألف ليلة وليلة مستبدّات طاغيات فحسب، بل يوجد فيهنّ الزواني اللواتي يخنّ أزواجهنّ كلّما سنحت لهنّ الفرصة بذلك، فهنّ يخطّطن لهذه الخيانة ويحتلن على أزواجهنّ ليذهبن إلى عشّاقهنّ، وبخاصّة إذا كانت هاته النسوة مُتَخَيَّلات، وغير معروفات في الواقع التاريخيّ، مع العلم أنّ هؤلاء الأزواج، كما يصوّرهم الرواة، أوفياء لهنّ، و مؤمنون تقاة في بعض الأحيان. “. ص 145.ثم يقوم بتحليل الحكايات التالية ودراستها وفق النهج العام الذي يسير عليه في كتابه: حكاية الحشاش مع حريم أحد الأكابر، حكاية الشاب مع الملك والأسماك الملوّنة، حكاية تاج الملوك ودنيا بنت الملك شهرمان، حكاية الملك قمر الزمان والملكة بدور، حكاية حسن الصائغ البصري، حكاية حساب كريم وملكة الحيّات. ويرى المؤلف:” على الرغم من سلطة النساء في ألف ليلة وليلة وبطشهن واستبدادهن، فإن رواة الليالي يحطّون من مكانتهن الاجتماعية، فهن دائما في وضعية تقبيل اليد لرجال السلطة، وهؤلاء الرواة يعدون المرأة بمنزلة الجارية الدونية، مهما علا وضعها. ويفسر ذلك قائلا : ” إنّ البنية الثقافيّة لرواة الليالي، بمفاهيمها و معتقداتها، هي انعكاس للبنية الثقافيّة العامّة و التجميعيّة لحضارة عصرهم و العصور التي سبقتهم، هذه البنية التي تعتقد جازمةً أنّ النساء لسن إلاّ جواري، على الرغم من علوّ مكانتهنّ الاجتماعيّة و السياسيّة، ولسن في نهاية المطاف إلاّ ملكاً للرجال، و « ما خُلقت النساء إلاّ للرجال». ص 170.
أما آخر مواضيع كتابه فقد كان بدراسة طويلة بعنوان:” سلطة القتل وسلطة الحكاية في ألف ليلة وليلة” تتكون من تسع وأربعين صفحة، يقول فيها:” ومنذ بداية حكايات ألف ليلة وليلة وعت الراوية شهرزاد أهميّة الحكاية بالنسبة للمتلقّي شهريار، وكانت قادرة على تشكيل مزيد من الحكايات الغرائبيّة والسحريّة والواقعيّة التاريخيّة بفضل قراءتها » الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدّمين وأخبار الأمم الماضين. «. وعندما فرّت نساء المملكة هاربة من شهريار ـ الذي اعتاد أن يفتضّ كل يوم عذراء من نساء مملكته ثمّ يقتلها، بعد أن اكتشف خيانة زوجته له مع عبده مسعود ـ قرّرت شهرزاد أن تفدي نفسها ومدينتها بفعل تأثير الحكاية، وقالت لأبيها: » بالله يا أبت زوّجني هذا الملك، فإمّا أن أعيش وإمّا أن أكون فداءً لبنات المدينة و سبباً لخلاصهنّ من بين يديه. «.
». » احكّ حكاية و إلاّ قتلتك «: مبدأ جوهري في سلسلة ألف ليلة و ليلة، مبدأ القصّ باعتباره فتنة مطلقة «. و من خلال هذا المبدأ الجوهري يمكننا أن نفهم كيف تتشكّل الحكاية، وكيف يرتحل السرد حاملاً الأبطال من مدينة إلى أخرى. ومن خلال المساحة السرديّة التي تتحرك فيها الأحداث الحكائيّة ، يُفتَن شهريار بعذوبة القصّ، وسحريّة الفضاءات المكانيّة التي يصل إليها الأبطال. تحكي شهرزاد الحكاية. تتقدّم الجواري الجميلات فاردات خرائط أجسادهنّ، فيندفع الرجال مسعورين صوب هاته الجواري، ثمّ تبعدهم شهرزاد بارتحالهم مع السرد المرتحل، في حكاية جديدة، إلى فضاءات جديدة ، ثمّ تتداخل الأحداث، ثمّ يدرك شهرزاد الصباح فتسكت عن الكلام المُباح. عندها تستسلم لذراعي شهريار: » ثمّ إنّهم باتوا تلك الليلة متعانقين «.ص 177
ويثبت الباحث رأي تزفيتان تودوروف حين يقول « إذا كانت كل الشخصيّات [في ألف ليلة وليلة] لا تتوقّف عن روي القصص، فذلك لأنّ هذا الفعل تلقّى التكريس الأعلى: فروى يساوي عاش. والمثل الأكثر بداهة، هو مثل شهرزاد نفسها، والتي تعيش مادامت تستطيع أن تتابع الروي. ».ص 192. ويعلق على رأيه قائلا:” إلاّ أنّه من الملاحظ أنّ هذا الرأي لا ينطبق على كل شخصيّات ألف ليلة وليلة، و حكاياتها لأنّ الفعل روى يفقد قدرته على أن يساوي عاش في بعض الحكايات، بل يصبح هذا الفعل مساوياً للفعل قُتِلَ أو مات، لأنّ الحكاية، في بعض الأحيان، تفقد سلطتها المؤثِّرة على المروي له، وبالتالي لا تسهم في دفعه لأن يعفو عن الأشخاص المدانين بجرم، وبخاصّة إذا كان هذا الجرم فظيعاً يستحقّ مرتكبه عقوبة الإعدام، ويمسّ بشكل شخصيّ المروي له، أو أحد أفراد عائلته. ففي حكاية « عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان »”. ص 192.
ثم ينهي الباحث كتابه بخاتمة دوّن فيها مجمل النتائج التي توصل إليها من خلال دراسته الأكاديمية لموضوعي: الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة. ونذكر منها قوله:” تقوم ألف ليلة و ليلة في بنية حكاياتها على مبدأ الثنائيات الضديّة: الخير و الشرّ،الفقر والغنى، العدل و الظلم، الواقعيّ و التخيّليّ، الأمان و الطمأنينة و الخوف و فقدان الأمان، والأفراح الكبيرة و الأحزان الكبيرة … الخ. و تتوزّع هذه الثنائيّات في معظم الفضاءات التي يرتحل السرد منها وإليها. وقد أسهمت هذه الثنائيّات في جعل نصوص ألف ليلة وليلة تنفتح على مزيد من التناقضات و الاحتمالات، و تستوعب أنماطاً عديدة من الشخوص المتلاقية المتحاورة تارة، و المتصارعة المتنافرة تارة أخرى، إذ تتحرك هذه الشخوص في فضاءات مكانيّة تحمل أيضاً مزيداً من التناقضات. فعلى سبيل المثال يُلاحظ أن مدن ألف ليلة و ليلة آمنة و غير آمنة في الوقت نفسه، والملك أو الخليفة أو الحاكم فيها عادل حكيم تارة، سفيه أحمق ظالم مغرور تارة أخرى، إلاّ أنّه في غالب الأحيان ظالم باطش، نزق سريع الغضب.”. ص 225. ويقول عن هذه الثنائيات:” إنّ هذه الثنائيات ستسهم في أن تكون الأحكام والنتائج التي يفرزها هذا الكتاب قابلة لمزيد من التغاير و التناقض، و بالتالي ليست نهائيّة. و قد تكون في موضع من المواضع تؤكّد مقولة ما، لكنّها في موضع آخر تنفي هذه المقولة، ليس رغبة في النفي أو التناقض، بل لأنّ نصوص ألف ليلة و ليلة تفرز هذا التناقض، نظراً لمفاهيمها و مقولاتها المتناقضة المتغايرة من حكاية إلى أخرى، فما يصحّ قوله في تحليل إحدى الحكايات قد لا يصحّ في تحليل حكاية أخرى. “. ص 225.
ويثبت المؤلف في آخر كتابه مصادره ومراجعه التي اعتمدها في دراسته، وقد وصلت إلى مائة وخمسة مصدر ومرجع باللغة العربية والأجنبية .
ــــــــــــــــــــــــ
الاستبداد السلطوي والفساد الجنسي في ألف ليلة وليلة.
د.محمد عبد الرحمن يونس
الناشر: الدار العربية للعلوم ـ ناشرون، بيروت، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى 2007.
عدد الصفحات 248 من القطع الكبير