الرئيسية » مقالات » العدالة الاجتماعية أساس بناء الدولة الديمقراطية

العدالة الاجتماعية أساس بناء الدولة الديمقراطية

إن الحديث الذي يتردد صداه عاليا وقويا في العراق منذ الحرب الأخيرة ولحد الآن يتمحور حول مفهوم الديمقراطية ومدى إمكانية تطبيقها في العراق حتى أصبح حديث الشارع بعد أن تناولته وسائل الإعلام بكافة أجهزتها المقروءة وغير المقروءة , وتضاربت الآراء حول جدوى تطبيق الديمقراطية مابين مؤيد ومعارض خاصة و إن الواقع يشير إلى انتكاسات وإخفاقات مستمرة .
لاشك أن الديمقراطية حق ثابت للوجود الإنساني كما إن الحرية هي حق ثابت للإنسان إلا إن دولة مثل العراق الذي يتميز بتعدد قومياته وأديانه وأعراقه أحوج ما يكون إلى تطبيق مبادئ الديمقراطية , إلا إن الديمقراطية العراقية تسير بالاتجاه المعاكس رغم الشعارات البراقة لهذه المفردة , لان ما ينقصنا هو فهمنا لحدود هذه الكلمة , فطالما لايزال هناك من يؤمن بان الديمقراطية ما هي إلا فكرة قادمة من الغرب لاتنسجم والواقع العراقي فلا جدوى من تطبيقها عراقيا , قد يكون أصحاب هذه النظرية على حق لامن حيث مفهوم ودلالة الديمقراطية إنما من ناحية مدى ملائمة الجو والمناخ العام للعراق لتقبل فكرة الديمقراطية , إن الديمقراطية العراقية تستلزم ـ وهذا شرط أساسي لتحقيقها ـ توفر الأمن والأمان ودعم مبادئ حقوق الإنسان , فمنذ إعلان الأحزاب والقوى السياسية التي ظهرت على الساحة السياسية بعد نيسان 2003 عن أجنداتها السياسية المتمثلة بإطلاق الحريات العامة ودعم مبادئ حقوق الإنسان في ظل عراق ديمقراطي تزدهر فيه المساواة ويتحقق العدل التي يتطلع إليها كل إنسان منذ أمد بعيد ,إلا إن الإحداث التي تلت بعد ذلك اثبت عكس ما تم الإعلان عنه بسبب القصور في إدراك الأوضاع المعيشية والاجتماعية حتى بدأت تطبيقات النهج الديمقراطي تسير عكس التيار لابسبب عدم جدوى الديمقراطية إنما لازدواجية الشخصية العراقية , فالمشكلة في التطبيق لا في المبدأ في الأسلوب لا في المنهج , ويرجع السبب في ذلك إلى إن الفئات والتيارات السياسية التي كانت تشكل جبهة المعارضة أيام النظام السابق عانت الظلم كثيرا من ذلك النظام مما دفع بقادتها إلى الاستئثار بمنجزات السلطة الحالية خوف تكرر الماسي عليها وتعويضا عما فاتها من مكاسب وهذا ما يظهر جليا في نظام المحاصصة في توزيع الوظائف العامة بعيدا عن الكفاءة والمؤهلات حيث أصبح السعي لخدمة المصالح الفئوية أو الشخصية على حساب العمل من الوحدة الوطنية وعاد نظام احتكار الوظائف العامة وأصبح قائما على التمييز والمحسوبية كما كان في النظام السابق إن لم يكن اشد من ذي قبل , أما الفساد المالي والإداري المستشري في اغلب إن لم نقل في جميع المؤسسات الحكومية فقد أصبح حديث الناس في زمن أبيح فيه كل شي حتى شكلت ظاهرة خطيرة تهدد أركان المجتمع وتزعزع حالة الاستقرار والتقدم وتضعف ثقة المواطن بالمؤسسات الحكومية طالما كانت تهدف إلى تحقيق المصالح الشخصية على حساب الموارد العامة من خلال التلاعب والسرقة والتي لم يعلن لحد الآن عن الإجراءات الرادعة للحد من انتشارها , أما مسالة الفقر والبطالة التي استشرت في جميع أنحاء البلاد والتي كانت من أولى أسباب انتشار الإرهاب البشع الذي يتباهى ببطولته وينسب هذه الجريمة أو تلك إلى تنظيماته المخزية وسيادة ثقافة الاستبداد والظلامية والفاشية الذين يحاولون بشتى الوسائل إجهاض قيم الديمقراطية والأفكار الليبرالية فلم تتخذ أية إجراءات لاحتوائها في حين نرى إن الكثير من الدول المتقدمة تسرف في تمويل عاطليها عن العمل من خلال شبكة الحماية الاجتماعية لتحسين مستوى شعوبها وتجنب أثار الفقر وما يترتب عليه من مشاكل .
صحيح إن الديمقراطية ليست سلعة جاهزة تستورد من الخارج ليجري تطبيقها في دولة ما , إلا إن الصحيح أنها تجربة عالمية أثبتت نجاحها وأصبحت جزء من مفهوم الحضارة المتقدمة وهي السبيل الوحيد لكل الدول الساعية للتطور وهي تتطلب تضافر الجهود الخالصة من كل الأطراف من خلال احترام وضمان الحريات العامة واحترام سيادة القانون وتحقيق العدل والمساواة ومنح الأقليات والمكونات الدينية والعرقية والسياسية كافة حقوقها من خلال نشر مبدأ التسامح وعدم رفض الآخر وتهميشه والإيمان بالمبدأ الديمقراطي لجميع الأطياف مهما كان حجمه للمشاركة في جمع الأصعدة والأنشطة وعدم التجاوز على أي استحقاق شرعي لأية جهة من خلال سياسة الانفتاح , واعتماد مبدأ المواطنة واعتماد مبادئ مستمدة من مفاهيم الديمقراطية الاجتماعية أي العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين بعيدا عن أي تمييز.
إن عملية التغيير نحو الديمقراطية تستلزم المزيد من الوقت للتخلص من المفاهيم الفردية مما يتطلب إشاعة الوعي ونشر مفهوم الديمقراطية واحترام الرأي الآخر مهما كان الاختلاف لان الديمقراطية تحتاج إلى أرضية خصبة ومراحل زمنية متعاقبة لإزالة كل أثار العنصرية وترسيخ مبدأ سيادة القانون وتعزيز دور المنظمات المجتمعية المدنية , واتخاذ الإجراءات اللازمة لتعويض ضحايا الإرهاب والعنف السياسي , وإعادة الأعمار والتنمية وتحسين الاقتصاد وتحقيق أقصى فائدة ممكنة من الموارد العامة لجميع الشعب , وهذا يتطلب وعي بمفهوم الديمقراطية وفسح المجال لكل المجموعات العرقية والدينية التي تشكل أقلية اجتماعية أمام الغالبية لإيجاد موطئ قدم ونبذ الخلافات التي تكرس الفجوة وتسعى لتمزيق الوحدة الوطنية .
فيا ترى أين نحن من تلك الديمقراطية و من الوحدة الوطنية.