الرئيسية » مقالات » شفقة متأخرة.. ومغشوشة

شفقة متأخرة.. ومغشوشة




 

تضطرني عبارات الاسى والشفقة التي صارت تتكاثر علينا، نحن العراقيين، من دول عديدة ان ابدي نوعا من شعور الخشية والارتياب من ان وراء هذا “التحول الاخلاقي” حسابات غير اخلاقية، فاقول: يجب ان لا نطمئن الى تلك العبارات ، مع اني اكره موضع هذه الـ(يجب) في الكتابات والخطب السياسية.

اكرر: يجب ان نحذر، نحن العراقيين، من الاطمئنان الى لغة الاحسان التي تفيض، الآن، علينا من كل جانب، وبعضها خال من الصدق، او كما يقال من المصداقية.. فالاحسان لوجه الله وبلا ثمن مكانه دور العبادة وليس ميادين السياسة وملفات الصراع بين الدول، او عند حاضرة تنتشر فيها رائحة بترول.

في النتيجة، ليس في اعناقنا دين للاخرين (صدقوني) سيما ان الكثير من مصائبنا (من تحت رؤوسهم) كما تقول عجائزنا، كما ان الشعور بالامتنان ينبغي (وكلمة ينبغي من اخوات يجب سيئة الصيت) ان لا يتحول من الاعتراف بالجميل الى شيء من الاذلال، حتى الى من ساعدنا في تهديم الجحيم على رؤوس اصحابه، فلهم حسابهم في ما أقدموا عليه، وكان لنا حسابنا في الترحيب برحيل حكم الشيطان على ايديهم، وإن كانت اكتافنا هي التي حملت جنازة النظام المثقلة بالخطايا الى المزبلة، وان مصائبنا- من الانفال وسواها- هي التي مهدت الطريق الى جرجرته نحو حافة السقوط.

ويجب ان نرى بعينين مفتوحتين الى حقيقة ان الدول الكبرى ليست جمعيات للاحسان والشفقة، وهي إذ تعطي باليد اليمنى تفكر الف مرة كيف تسترد عطاياها باليد اليسرى، وان لا نأخذ الارقام التي يتحدثون عنها كمساعدات لنا قيد الدفع مأخذ جد، فهم حين يتأخرون عن تنفيذ وعودهم- وهو ما يحصل- انما يتأخرون في قراءة المستقبل، مستقبلنا، بحثا عن كفالة مؤكدة، ما إذا سيستعيدون تلك المساعدات؟ وباية طريقة قصيرة سيستعيدونها؟ ومن اية خاصرة سيأكلوننا؟ انها الحقيقة (إذا شئنا الحق) وهي ما يجب، ان ننطلق منه في التعامل معهم الان وفي المستقبل.. وهي، الى ذلك، مدخل مناسب لطرد شعورنا بالمهانة حين نستمع الى سيل من اخبار الاحسان الينا من دول غنية، وحتى من دول شريكة في الجامعة العربية، هي الاخرى، كما اظن، ليست (مضارب بدو) توزع الحسنات، على قارعة الطريق، لمن تقطعت به السبل، ولنتذكر اننا عشنا خمسة اعوام عجاف..والجميع يتفرج(ولا أقول يتسلى) علينا، واغلب الظن ان الجميع، بمن فيهم الجيران، كانوا يفكرون طوال الوقت بثمن الاغاثة وعائد النجدة في المستقبل.

ويجب (يجب للمرة الاخيرة) قبل هذا، ان لا نستطيب طعم الاحسان، ففي هذا الطعم خيط من المرارة البائنة..مرارة الوجع الذي شعر به ذلك الصوفي، في ما رواه الرواة.. قال:

جاء صوفي الى حلاق، وطلب منه ان يحلق له شعر رأسه بلا أجر، تبرعا في سبيل الله، فاجلسه الحلاق، واحضر له موسى أعمى، وباشر بحلاقة رأسه بدون اهتمام، فاوجعه، وجرحه في اكثر من موضع، وفي خلال ذلك سمعا صوت بعير يجعر في الم، فقال الحلاق متعجبا: ترى لماذا يجعر هذا البعير؟ فقال له الصوفي: لعلهم يزينوه ببلاش.
ــــــــــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“ُ من يحب الشجرة يحب أغصانها”.
حكمة