الرئيسية » مقالات » تحالفات القوى اليسارية …وشكل الدولة العراقية المقبلة

تحالفات القوى اليسارية …وشكل الدولة العراقية المقبلة

تعيش الساحة السياسيّة العراقية أزمة سلطة حقيقية تهدد كيان البلاد بالتقسيم في ضوء الفشل الذي يلازم ألأحزاب الطائفية والقومية الحاكمة والتي عجزت حتى هذا اليوم عن ايجاد حلولاً واقعية للمشاكل التي طفت الى السطح بعد القضاء على الدكتاتورية ومحاكمة رموزها ، وساهم الأحتلال الى حدٍ بعيد في تمزيق الوحدة الوطنية بين العراقيين منذ اليوم ألأول لأحتلال البلاد والسيطرة عليها ، وعلى الرغم من أن ساحة المعارضة العراقية كانت واقعة تحت تأثير الاحزاب العلمانية واللبرالية إلا أن الولايات المتحدة فضلت ألأعتماد على الأحزاب الدينية والقومية بشكل مؤقت خوفاً من ان تساهم ايران في اسقاط المشروع ألأمريكي بسرعة إذا ما اعتمدت على القوى اللبرالية كما حدث في اليابان !
وحدة القوى اليسارية والديمقراطية في العراق ليس سهلا بل بحاجة الى جهود مكثفة تبدأ على الأقل من الأتفاق على الحوار اولاً بشكل دوري لخلق الثقة المناسبة لأستمرار هذا الحوار ومناقشة النقاط الساخنة التي تشجع على إقامة تحالف بينهم لا سيما وان الشارع العراقي اليوم بحاجة الى تحالف يطرح برنامجاً عملياً يعالج همومهِ بغض النظرعن توجّهاتهِ كانت علمانية ام دينية لأنّ حالة المجتمع وصلت مرحلة تقترب من ألأنفجار وسط انعدام الخدمات من الماء والكهرباء وانتشار الفساد وألأرهاب وقضايا كثيرة اخرى أصبح القاموس العراقي يعجُ بها ، الملامح الواضحة للدولة الحالية تشير الى انها دولة دينيّة الطراز لأسباب واضحة وهي رغبة المحتل في طمر الجوانب الحضارية عند العراقي وكذلك وجود ألأحزاب الدينية القادمة من ايران وكذلك اختفاء عناصر البعث وراء ستار الدين كي يتخلصوا من العِقاب الذي كان ينتظرهم بعد مشاركتهم في قمع الشعب ومحاولتهم ابادة بعض مكوّناتهِ …
هذهِ العوامل ساعدت في تراجع قوى اليسار والأفكار الماركسيّة بنفس القدر الذي ساهم بهِ انخراط الحزب الشيوعي في العملية السياسية التي يديرها المحتل وجعل من انصارهِ مشتّتين في التحليل الى الدرجة التي قادتهم للأبتعاد عنه ُ والتبرئ من مواقفهِ ، كما ساهم إعتماد الولايات المتحدة على القوى الدينية والمرجعيات الى تراجع ألأحزاب اللبرالية والعلمانية ألأخرى مثلما حدث مع حزب المؤتمر الوطني الذي يقودهُ احمد الجلبي وألأحزاب الأخرى كحركة الوفاق وغيرها ، فتسليم هذه ألأحزاب بالعودة الى المرجعية في النجف وأخذ رضاها ساهم في تحوّل اغلب افرادها الى جانب ألأحزاب الدينية على إعتبار انها الأقرب للمرجعية ومصدر القرار وكذلك فعلت ألأحزاب القومية الكردية التي كلما ارادت مناقشة موضوع ساخن يخصّها تذهب للمرجعية وتحصل على رضاها كي تتمكن من مناقشة ألأمر بقلب جامد وبذلك تحول العراق الى دولة ثيوقراطية الطابع دون ان تدرك الأحزاب المشتركة في العملية السياسية انها ساهمت في تعزيز هذا التوّجه من خلال العودة للمراجع بشكل عفوي …
ساهم ذلك ايضاً في إنجاح ما كانت تهدف له قوى ألأحتلال من تمزيق اي اتفاق يظهر للعلن بين ألأحزاب السياسية في العراق لا سيما تلك التي تمتلك تأثيرا مباشراً على الوضع العام في البلاد ، لقد ساهمت الدكتاتورية في تحويل المجتمع العراقي الى مجتمع قبلي عشائري الطابع وجاء الأحتلال ليكمل تحويل المجتمع الى طوائف دينية متناحرة تعكس للعالم الخارجي وجهة نظر الولايات المتحدة القائلة ان مجتمعاً متخلّفاً كهذا لا يمكن ان يفهم الديمقراطية قبل مرور عقود على ألأقل وهي وجهة نظر ساهمت القوى المشتركة اليوم في العملية السياسية في ترسيخها من خلال اعتماد اغلبها على العناصر البعثية والدينية الرجعية من التي لا تمتلك ايَّ تصور لمستقبل العراق …
لا يمكن بالطبع اتهام كل القوى الاسلامية العاملة على الساحة بانها متخلّفة ورجعية لان هناك فعلاً شخصيات وطنية تريد العمل بصدق على انجاح الدولة المدنية الديمقراطية لكن المحتل يساهم دائما في تهميش دور هذهِ الشخصيات وابعادها وحتى يتمكن اليسار والقوى اللبرالية والديمقراطية الأخرى من التأثير المباشر في الساحة فأن عليه عدم اهمال تلك الشخصيات والقوى الأسلامية التي ترغب فعلا في بناء الدولة المدنية الديمقراطية والتحالف معها في جبهة موحدة يصب اولاً واخيراً في خدمة العراق ومستقبلهِ ..
ان القراءة الواقعية لعراق اليوم توحي لنا بأن من الصعب اقناع الشعب بأقامة دولة مدنية علمانية تبعد رجال الدين عن التأثير في القرار السياسي ومن يعي واقع الفكر العراقي المعاصر وطبيعة تأثير الحدث فيه يجد ان من الصعب تحرير الشعب من سطوة رجال الدين قبل مرور عقود لا سيما وان هناك الة اعلامية غربية ضخمة تقود احياء التوجهات الدينية والقومية عند الشعوب كجزء مما يسمى بالحرب العالمية على الأرهاب ، لذلك يكون من الصعب على القوى اليسارية والعلمانية تشكيل جبهة او تحالف سلمي يشترك في الأنتخابات المقبلة دون قراءة دقيقة للواقع العراقي وخضوعهِ لتأثير المعادلات الدولية ، فالواقع الدولي وألأقليمي لا يسمح بأقامة دولة يسارية في العراق لإعتبارات عديدة نعلمها لكنهُ لا يمنع او لا يمتلك التأثير في منع اقامة تحالف يساري على الساحة وينبغي ايضا فهم طبيعة اهداف القوى الدولية المتصارعة من اجل الظفر بالعراق واقامة نفوذ فيه فالولايات المتحدة لا يهمها شكل النظام الذي سيحكم العراق بعد انتهاء مرحلة الأحتلال لكن ما يهمّها فعلا هو وجود نظام يضمن لها مصالحها في الخمسين سنة المقبلة وفي المقابل لم تعد روسيا والصين مهتمة بإقامة دولة شيوعية او يسارية في العراق لكن ما يهمّها فعلا هو وجود حكومة تضمن لها الأعتراف بعقود الشركات التي وقّعت مع صدام لأستثمار آبار النفط في حقول مجنون ومواقع اقتصادية اخرى !!
لذلك ترى الدولتين في اقامة جمهورية اسلامية على غرار ما هو موجود في ايران مخرجاً لها لإبعاد النفوذين ألأمريكي والبريطاني عن العراق وتعول على أحزاب الحكيم والدعوة والصدر لتنفيذ هذا المشروع لاسيما وان ولائها يتّجهْ فعلاً تجاه ايران اكثر من الولايات المتحدة وفي نفس الوقت يجعل من ألأعتراف بالعقود المبرمة مخرجاً لأي حكومة تريد مساندة دولية في وجهِ الولايات المتحدة والغرب في المستقبل ، فيحُقق لهما ذلك سيطرة فعلية على القرار السياسي في الشرق ألأوسط إذا ما علمنا انه لن يكون للولايات المتحدة والغرب حلفاء سوى اسرائيل والاردن ونصف لبنان بينما تكون الدول التي تعارض المشروع ألأمريكي اكثر تأثيراً وتمتد من ايران الى سوريا مروراً بالعراق وحزب الله وحماس في فلسطين ويتحول اي حديث عن اتفاق سلام في الشرق الأوسط الى فراغ دون العودة لموسكو وطهران وبكين !!!
لذلك ينبغي على القوى العلمانية واللبرالية والديمقراطية في العراق فهم الواقع ألأقليمي جيداً قبل التحرك لأنشاء تحالف ما ودون وضع خطط تجاري هذا الواقع فأنهُ يكون تحالفاً انفعالياً لا يراعي حقيقة الوضع السياسي في العراق ، ان أغلب العراقيين المقيمين في المنافي يحلمون بشكل متحضر لدولتهم لكن الواقع في الداخل يقول عكس ذلك لا سيما بعد وصول الشعب الى مرحلة اليأس من وعود الحكومات التي يشكلها الأحتلال بين فترة وأخرى تحت مسمى حكومة الوحدة الوطنية !!!
هذا الواقع يفرض على هذهِ القوى العمل ليل نهار على صياغة طروحات تلامس حاجة ألأنسان العراقي للخدمات للحقوق لتوفير أجواء آمنة تمكنهُ من العمل لأعالة أسرتهِ وتربية أطفالهِ لا ان تكون شعارات رنّانة لا يفهم معظم مصطلحاتها …