الرئيسية » مقالات » جامعة بغداد والتأرجح الاكاديمي بين العمل الحر المستقل والظاهرة الروزخونية

جامعة بغداد والتأرجح الاكاديمي بين العمل الحر المستقل والظاهرة الروزخونية

 مـزقـي يا ابنــة العــراق الحجــابا
                      وأسفري فالحيـاة تبغـي انقــلابـا
مــــــــــزقيه واحرقـيه بلا ريــث
                     فقــد كــــــــــان حـارسـا كــذابـا


المؤسسة الاكاديمية روح المجتمع المدني الحديث وقلبه النابض يشغل الاكاديميون موقعهم الطبيعي فيه بالإسهام الجاد في تاريخ العراق المعاصر عبر المؤسساتية الاكاديمية وباقي المؤسسات المدنية،سواء كان ذلك عن طريق المهنة – الاختصاص أو من خلال أدوارهم السياسية كمواطنين مشاركين في الشأن العام او عبر نشاطهم في الحركة الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية.المؤسسة الاكاديمية وطنية ديمقراطية الطابع وحرة ذات شخصية متميزة،وهي جزء من حركة شعبنا الوطنية لا تنفصل عنها وتناضل من اجل سلامة العمل الاكاديمي في بلادنا.
مع انقلابات اعوام 1963 و 1968 نضحت بلادنا بمراتب البورجوازية الصغيرة المتخلفة المتقنعة بالأقنعة القومية والدينية،المستترة غالبا بستار الفكر القومي والديني والمتشبثة عبثا بأسطورة الاحتكار السياسي والمنجرة عمليا(بالرغم من حسن نية غالبية قواعدها)الى مواقع الرجعية،اليمينية والوسطية،المعادية للديمقراطية.وهذه البورجوازية الصغيرة تعاني من ازدواجية رهيبة بين شعاراتها الشكلية وبين سلوكها الحقيقي المعرقل لأي تطوير فعلي للتقدم الاجتماعي والنهوض السليم المعافى للبناء المؤسساتي المدني،بسبب اصرارها على القيادة الانفرادية والتزامها ثقافة القطيع الاقصائية ومعاداتها الهستيرية للديمقراطية وتمشدقها بالروزخونية والتحاصص الطائفي.الارتداد الفكري لنصف قرن من الزمن،بقدر ما هو أداة من أدوات المعركة الاجتماعية،يعكس بنفس الوقت هذه المعركة وينطوي على نفس منابعها وجذورها الطبقية والاجتماعية.وجامعة بغداد – اول مؤسسة اكاديمية في بلادنا واكثر مؤسسات التعليم العالي عراقة مرآة خالصة لهذا الارتداد الفكري الذي بدأت طلائعه مع رحيل الدكتور عبد الجبار عبد الله ومحاولات التصفية الجسدية لخيرة اساتذتها من حملة الفكر العلمي ومحاربتهم،وجهود الطغمة التكريتية الحاكمة لتحويل أبناء الشعب الى قطيع من الأرقاء مغسولي الأدمغة والى بوق إعلامي تهريجي،ومن ثم تسلط العقل الطائفي السياسي الذي لازال يؤرخ ويعيد كتابة التاريخ واستحضار مأزقه وفق أسس وتصورات ومقاصد أضيق مما كان في الماضي في سبيل تهيئة فرص البقاء والتحكم في رقاب الناس،الامر الذي اسهم كل ذلك في تآكل جامعة بغداد وبقية المراكز الأكاديمية وتحولها الى ميدان للنشاط المخابراتي ارتبطت قياداتها بالأجهزة الأمنية والحزبية الحكومية.وتأرجحت الاستقلالية الاكاديمية مع اجترار الفكر البورجوازي الرجعي وتدنت الثقافة الاكاديمية وباتت أسيرة التبسيط الجامد لإشكاليات الوسط الاكاديمي .
الصدامية و الروزخونية وجهان لقطعة نقود واحدة هي السفسطائية،ليجر الانتقال من حصص ودروس الثقافة القومية الفاشية في العهد الصدامي الى العبر الروزخونية الاستسلامية الانبطاحية في العهود التالية.لقد تحولت كليات جامعة بغداد حالها حال بقية الجامعات العراقية باستثناء الكردستانية الى بوق طائفي تفترشه الكراريس والكتب الطائفية،ليجر تحميل لوحات الاعلانات فيها والتي من المفترض ان تكون وسائل اعلامية اكاديمية ومهنية،وتحوي أسماء الاساتذة والتبليغات الجامعية،تحميلها بدلا من ذلك الفتاوي ومنها مشروعية الحجاب والفتاوي البليدة.وبدل صور اسحق بن حنين والفارابي وابن سينا والفراهيدي وابن خلدون ونيوتن وغاليلو وآينشتاين ومندليف ومدام كوري يجري تعليق صور خميني وآل الحكيم والصدر.الاعتداءات الاجرامية والاختطافات والاغتيالات تطال الاكاديميين،والتفجيرات الارهابية تطال الجميع!أبهذه الذهنية والعقلية المسيطرة على بعضهم والوضع الامني الاكاديمي المتردي تريدون ان يقف التعليم العالي شامخا؟.
تتكون مؤسسات التعليم العالي في العراق من 19 جامعة(منها 3 في الشمال)و9 كليات فنية(في الوسط والجنوب)و38 معهدا تقنيا(منها 11 في كردستان العراق). وفسح المجال لفتح الجامعات الأهلية بعد صدور القرار المرقم 814 في 14/10/1987 لتدريس مجموعة من التخصصات العلمية والتقنية التي يتطلبها السوق التجاري العراقي وفرصة لا تعوض أمام العوائل الثرية لقبول أبنائها من ذوي المعدلات المتدنية مقابل أجور دراسية كبيرة كرسوم،ثم انفتح الباب على مصراعيه نهاية التسعينيات بعد أن تجاوز عدد الجامعات الأهلية العشرين شملت التخصصات كافة،كما عملت جميع الجامعات العراقية وكلياتها على فتح القبول للدراسة المسائية وبأجور دراسية بدأت بسيطة وانتهت باهظة جدا كي تستطيع هذه الجامعات من تسيير عملها وشراء المستلزمات الضرورية لدوامها واستمرارها،بعد أن رفعت الحكومات يدها عن دعم التعليم بحجة الحصار والاحتلال وماشابه ذلك من ذرائع عفى عليها الزمن.لم تتخلص المؤسسة الاكاديمية العراقية ومؤسسات التعليم العالي في العراق من مخلفات الدكتاتورية البائدة،ولازال رؤساء الجامعات وهيئات رئاستها وعمداء الكليات ونوابهم ومعاونيهم لشؤون الطلبة يحاولون تسيير الشؤون الاكاديمية اعتباطا وفق الهوى السياسي القائم والولاءات المتنفذة بعيدا عن العقلية المؤسساتية العصرية،في الوقت الذي يعاني فيه الاساتذة الجامعيون من الذهنية التي كانت سائدة في نصف القرن الاخير- العقدة المستعصية في مقاومة الاشتراكية لا بالعلم والجدل العلمي بل بتعريض أصحابها الى الاهانة المعنوية والايذاء المادي.أبهذه الذهنية والعقلية المسيطرة على بعضهم والوضع الامني الاكاديمي المتردي تريدون ان يقف التعليم العالي شامخا؟.ان 80% من مؤسسات التعليم العالي في العراق تعرضت للتدمير والتخريب والنهب منذ بدء الاحتلال الاميركي عام 2003،ومن ضحايا ارهاب العهد الجديد اكثر من 230 استاذا جامعيا.واعترفت وزارة التعليم العالي العراقية باغتيال 182 استاذا جامعيا حسب معلوماتية اللجنة الدولية لحماية اساتذة الجامعات العراقية،ووفق معلوماتية رابطة التدريسيين الجامعيين في العراق ان عدد الذين تم اغتيالهم من التدريسيين الجامعيين حتى اواسط 2006 بلغ 172،وبلغ من هاجر منهم ال(3000)،واذا شملنا الاستشاريين والمحاضرين فان ضحايا الارهاب من التدريسيين الجامعيين يتجاوز 300 ضحية. ووفق تقارير المؤتمر الدولي حول اغتيال الاكاديميين العراقيين/نيسان 2006 في مدريد فان 80% من عمليات الاغتيال المعلنة استهدفت العاملين في الجامعات،ويحمل اكثر من نصف القتلى القاب الاستاذية والاستاذية المساعدة،واكثر من نصف الاغتيالات وقعت في جامعة بغداد وتلتها البصرة فالموصل والجامعة المستنصرية،و62% من العلماء الذين جرى اغتيالهم يحملون شهادات الدكتوراه،وقد قتل 75% من العلماء الذين تعرضوا لمحاولات الاغتيال.ارقام مروعة،أبهذه الذهنية والعقلية المسيطرة على بعضهم والوضع الامني الاكاديمي المتردي تريدون ان يقف التعليم العالي شامخا؟
المؤسسة الاكاديمية روح المجتمع المدني الحديث،والمجتمع المدني بوجه عام ضرورة تاريخية اجتماعية لا يمكن اعتراضه الا اذا أردنا الإطاحة بالدولة في صيرورة تكوينها الى دولة رعوية بين أحضان الفساد والطفيلية والولاءات العصبوية دون الوطنية كالطائفية والعشائرية،وهو نقيض الشمولية ونظم القطيع والحزب الواحد التي تجرد مواطنيها من الحريات الاساسية وحقوق الانسان التي تشكل جوهر أي مجتمع ديمقراطي حقيقي او مجتمع مدني حديث.يعني ذلك ان حق المواطنة هو الف باء المجتمع المدني،ويتمتع فيه المواطن بالشخصية المستقلة للرأي والعقيدة والموقف.وتتموضع الديمقراطية في البؤرة التحكمية(Control Focus)للمجتمع المدني ومنهجية عمل الدولة الحديثة معا وتعمل على أساسها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والنقابات ومجالس إدارات الشركات والهيئات السياسية والأحزاب والمنظمات غير الحكومية N.G.O.s …الخ،وهي تتطور في منظومة العمل المؤسساتي والجمعياتي الحقوقي الحديث وتعني بالاحتكام الى البشر والعقل البشري في شوؤن الحكم وتداول السلطات لأنها التفكير السياسي الذي يعني بحكم الشعب.الديمقراطية تعاكس الغربنة لأنها هدم للتقليد وبناه بينما الغربنة توفر محاولات التكيف والتعايش بين أشكال مختلفة للسلطة دون تغيير جذري.الديمقراطية شرط قيام المجتمع المدني والضمانة الفعلية للأمن والرخاء فيه والإطار المستوعب للتعددية الاجتماعية ومدخلها الأساس الى تداول الحكم عبر الانتخابات والبرلمانية.وتلزم الثقافة السياسية الديمقراطية الحقة المنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية معا بمواقعهما في المؤسساتية المدنية وضبط دورهما بالاطوار التعبوية والتعبيرية والمطلبية والتنموية وحق المشاركة في القرارات العامة!
تتضمن المشكلات والقضايا الكبرى لمؤسسات التعليم العالي في عدم كفاية البنية التحتية والتسهيلات كالمختبرات والمكتبات،عدم كفاية المعدات في كليات الهندسة والعلوم والمعاهد الفنية،الحاجة الى انشاء قنوات اتصال بين الكليات في العراق والجامعات الأجنبية،ضعف العلاقة بين التعليم العالي وخريجيه وسوق العمل،الحاجة الى مراجعة شاملة لأنظمة الادارة في التعليم العالي بما في ذلك تكييف المناهج ومحتويات الفصول الدراسية لمواكبة تغيرات الحالة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد(من الضروري وضع خطة استراتيجية للتأكد من أن الجامعات تؤدي دور الوسيط في عملية التحول الديمقراطي وضمان وصول الجميع الى مواقعهم حسب جدارتهم ووفق أسس مهنية وليس أسس سياسية)،تخفيض الدعم الحكومي للطلبة وتشجيع القطاعين العام والخاص على الاضطلاع بدورهم في دعم التعليم العالي،والتعجيل بإجراء مشروعات وإصلاحيات اقتصادية لتخفيف الضغوط التي يعيشها المجتمع وتؤثر في تطوره العلمي.ومن المشكلات الكبرى لمؤسسات التعليم العالي ما خلفه النظام العراقي البائد من الثقافة التربوية المتهافتة عبر منظمته السلطوية الفاسدة”الاتحاد العام لطلبة وشباب العراق”بعد أن جهدت الطغمة التكريتية لحصر طاقات الشبيبة العراقية وجعلها حبيسة إرهاصات وأزمات الطغمة الحاكمة نفسها!وما اشبه اليوم بالبارحة اذ ان نشر الثقافة الروزخونية التي ترفض الديمقراطية وتعتمدها في أفضل الاحوال لغايات تكتيكية وتهريجية لا يقل خطرا عن نشر الثقافة القومية بل تفوقها احيانا في سلم التهافت التربوي!
منذ 14 رمضان الاسود وحتى يومنا هذا تفرض الطبقات الرجعية كلمتها القذرة النتنة على الطبقات ذات المصلحة في التقدم الاجتماعي بالارتدادات والنشاطات الرجعية والارهابية التي تعرقل تقدم المجتمع او البشرية والدفاع عن القديم البالي ضد الجديد الناشئ الثوري ليدفع الشعب العراقي ثمنها من دماءه الغالية ويتحمل اعباءها المادية!وروزخونية عهد ما بعد التاسع من نيسان 2003 امتداد لحركات الارتداد عن مسيرة ثورة 14 تموز ومواصلة نهج خداع الشعب العراقي بالنفعية والانتهازية وموالاة احضان مراكز العولمة الراسمالية!المؤسسة الاكاديمية وجامعة بغداد تتأرجحان بين العمل الحر المستقل والظاهرة الروزخونية نصف قرن من الزمن،ولا توجد اية بارقة امل في الافق!