الرئيسية » مقالات » مشكلة العلم الجديدة ومقالة (علم بلا دولة) القديمة

مشكلة العلم الجديدة ومقالة (علم بلا دولة) القديمة


















 






طرحت من جديد مشكلة العلم العراقي . السيد مسعود برزاني رئيس اقليم كردستان أشار الى أنه سيرفع العلم العراقي في كل مكان من كردستان بشرط أن يتغير ويمسي علم العراق وليس علم صدام. من جهة أخرى تقرر تكييف العلم الحالي بتغيير خط جملة الله اكبر من هذا الذي خطته يد صدام حسين الى الخط الكوفي. هل هذا الاجراء سيحل مشكلة العلم؟ نشير هنا الى مقالة الكاتب والناقد الفني سهيل سامي نادر القديمة تحت عنوان (علم بلا دولة) والتي تتناول  المشكلة التي أثارها استبدال العلم الحالي بالعلم الذي صممه المعماري العراقي المعروف رفعت الجادرجي والتي انتهت بالاخفاق . الناقد سهيل سامي نادر رأى أن مشكلة العلم سياسية اتفاقية وليست رمزية الا في حدود معينة. إن اتفاقا وطنيا على النظام السياسي ونظرية الحكم تحل المشكل . الا يسمعون ؟ ولكن لنقرأ ما كتبه الناقد قبل نحو ثلاث سنوات ، فمقالته تجمع ما بين حدة مزاجه وردود فعله المباشرة ، وما بين التحليل النفسي والسياسي لمشكلة تغيير العلم ، وأخيرا التحليل الجمالي للعلم الذي صممه الجادرجي ونقده له.( المحرر)


علم بلا دولة!


  سهيل سامي نادر


مدخل مستاء

في اليوم الذي نشرت فيه صورة العلم العراقي الجديد في الصحف سألني بقال اعتدت شراء حاجيات البيت منه: ما رأيك بالعلم العراقي الجديد؟
فوجئت، فلم اتذكر رؤيتي لعلم، ولم أكن أعلم بوجود مشروع علم. سألته مستغرباً: أي علم؟!
ضحك وهز يده مستغرباً وقال: أنت صحفي عظيم.. من أيام صدام كنت لا تدري وما زلت لا تدري!
أخبرته وأنا أتصنع المرح أن الصحفي آخر من يعلم!
في البيت تذكرت إنني في اثناء العمل رأيت شكلاً فاتراً وسمعت هسهسة من حولي تتحدث عن علم جديد.
 إنني ولا شك بطيء الاستجابة ، وأحياناً بطيء التفكير، أعاني أنواعاً من النسيان، بعضها من طبيعة دفاعية. إن (الوهلة الاولى) تشكل عندي مشكلة ، فأنا لا أسمع ما أسمع، ولا أرى ما أرى، لا أعول على ما أسميه لحظة التسجيل فهي من المفاجآت، ودائماً ما أسمع في ذهني في مثل هذه اللحظات كلمات تعني : في ما بعد.. في ما بعد!
لكن دعوني أقول إن حالاتي الشخصية ليست معقدة بقدر تعقيد الحالة العراقية التي إذا ما انغمر المرء فيها فإن عقله لن يستطيع أن يتثبت من الاشياء التي يراها أو يسمعها. إن الحالة العراقية هي مجموعة هائلة من أعمال التسجيل، وما يفاجئك فيها أكبر مما تعرفه حقاً أو تعتقد انك تعرفه . في خمس دقائق تسمع الأهوال : اختطاف طبيب معروف، محاولة اغتيال فلان وعلان، ذبح عائلة بكاملها، ثلاثة انفجارات، تخريب الكهرباء. اذا كنت تصدق أو لا تصدق فحياتك كلها تضحى خبراً من الأخبار.
العقل لا يشتري بالجملة ولا يبيع بالجملة، فهو ليس متجراً. إنه اختزالي عن اقتصاد، ونسّاء عن تدبير، وخطّاء عن لا مبالاة، ولا أدري عن غضب أو تعب أو تعمد. إذن فقد رأيت العلم الجديد لكن عقلي ركنه على الرف.
في عز الليل توضحت الصورة أكثر، واستعدت لحظة سقوط عيني على التصميم المنشور في احدى الصحف فرأيت فيه – وأحلف إن هذا هو انطباعي الأول – علامة لفندق في اسطنبول. وماذا يعني لي فندق في اسطنبول. لا شيء! لكن لماذا في اسطنبول؟ من يدري.. هناك بحر، وهناك فنادق سياحية تحافظ على الهوية الاسلامية، لعلها ترفع هلالاً أزرق، وتقدم رقصة المولوي الدراويشية أمام الأجانب!
بعض الاشكال تستلم بلحظة تسجيل اعتباطية ، والعقل على طريقته يملأها بصور متولدة من تشابهات وخواطر ومساخر.
رب سائل رصين يسألني: لماذا اخترت أن تبدأ كتابتك عن العلم من هذه اللحظة الشخصية؟
حقاً.. فما دامت اخترت الكتابة، فبامكاني اختيار خطة تضع اشتباهاتي الشخصية في الظل، وأظن من يعرفني يتوقع مني أن أكتب عن العلم الجديد من وجهة نظر النقد الفني بوصفي واحداً من المهتمين بالفن . لكن دعوني أعترف لكم بأنني مستاء من الحياة ، مستاء من ذلك الاسراف غير المتوقع من الغباء الذي يحيط بنا ، مستاء من المفاجآت، من حصصنا الصغيرة، من التهميش، من الكبت ، ومن حالات الكتابة التي تتظاهر بالموضوعية.
دعوني أوضح ما يحدث لي الآن، فقد وضعت تصميم العلم أمامي ورحت أتأمله، فإذا بي أشعر بان تسجيلي الاعتباطي ممكن، وهو ليس سيئاً لكتابة لا تخشى الاعتراف باستيائها مما يدور حولنا والذي نكاد نجهله، وإنني سوف أكتب على اية حالة ، من دون رغبة في أن أخسر استيائي، لكن مع الاخلاص للتوقعات الرصينة التي أحطت نفسي بها أو وجدتني فيها رغماً عني. إنني مدرك بأن الموضوع الذي سأتناوله حساس وشائك، لكنني مدرك ايضاً بنني إذا لم أكن مخلصاً لنفسي في تناوله على ايقاعي الداخلي فلن أخلص منه.
تقف أمام لوحة فنية وتقرر: لا تعجبني! من وجهة نظر النقد يكاد الحكم السابق يليق ببنت صغيرة (أكاد اسمع ضربة قدم مستاءة على الارض). لكن هل تعتقدون أن الناقد الفني لا يتبني مثل هذا الحكم؟ إذا كان يعرف ماذا يفعل فهو يؤجله مستبقاً اياه بالوصف والتحليل والتعليل، يفسره ويدلل عليه ، ويقنع قراءه.
هذا ما سوف أفعله هنا، وباسم اسبابي الذوقية والجمالية والسياسية والديمقراطية والسوسيولوجية، مع الفارق، هو إنني أقدم الحكم من أجل الحفاظ على نقاء استيائي.. وها هو بالكامل : هذا العلم لا يعجبني!


المؤقت والدائم

ازاء الحالة العراقية التي نناقشها كل يوم أخبرني صديق بأنني بدأت أضرب الرقم القياسي باليأس. كنت يائساً منذ أيام الجبهة الوطنية التي علمت قبل الأوان إنها مؤقتة، مثل شهر العسل، مثل السلام، مثل علمنا الجديد. ومنذ أيام الازدهار الاقتصادي بسبب ارتفاع اسعار النفط علمت قبل الأوان إن هذا الازدهار مؤقت، وأكثر من هذا، سوف ينتهي بكارثة. لست بصّاراً، لكن من يثق بالبطرياركيات العربية الجديدة إنما يقع بوهم كبير، فهي غير قادرة على البناء الدائم، وهي في لحظة تهد كل شيء بنته بقوانا نحن البؤساء ابناء المدن المتحضرة. إنها قوية علينا، نصرها المؤزر قائم على تصفية الخلافات السياسية بالذبح وبخلق خلافات من طبيعة خانقة مستترة لا حل لها الا بالموت والانهيار بعد دفعها إلى الخارج . وهذا ما حصل تماماً . اليوم ، بعد أن اجتزت الستين من العمر، ورأيت ما رأيت، أجدني قريباً جداً من جملة قالها الرسام الاسباني (غويا) بحق بلده : لا يرجى من اسبانيا ولا يرجى لها!
هذه الخاطرة ليست من دون معنى، فها هم يعطوننا علماً بلا علم سابق أو اعداد أو معرفة. ومن جديد نعرف أنهم ما زالوا يقررون بالنيابة عنا . إن البطرياركيات تتناسل بصرف النظر عن مفردات الخطاب ، فالجسم الاجتماعي واحد، والمرض العراقي متجذر.
لقد فاجؤونا إذن . المفاجأة الثانية هي أن يقال لنا : ولكن هذا العلم مؤقت! فمن سمع بعلم مؤقت؟ ولماذا كل شيء في العراق مؤقت؟ لماذا يتصرفون كخبراء في التجريب وليس خبراء تأسيس؟ لماذا كل هذه الرهافة الديمقراطية في حين جرى كل شيء في العتمة؟ وما حكاية هذا (المؤقت) الذي يمشي في البلد ببطء المؤقت، بغموضه، بصراحته الصادمة غير المعهودة، بقابليته على تخويفنا؟ مجلس الحكم مؤقت، والدستور مؤقت، والعلم مؤقت، والوزارة مؤقتة. دعوني أقول: أنا الآخر مؤقت.. وهذا ليس تضامناً مني بل اقرار بواقع ، فأنا زائل، بينما الفضاء الذي اشغله موجود لغيري . إن بعضاً من لباب المشكلة يكمن هنا.
دعوني أوضح هذه الفكرة : من الوجهة الاجتماعية تحافظ  الأدوار والوظائف على استقرار قوي في حين أن الأشخاص الذين يمارسونها يتغيرون بالموت أو الاقالة أو المرض أو التقاعد. هكذا تعمل الدولة : الادوار والوظائف تستمر والشاغلون يتغيرون. الديمقراطية بعكس الدكتاتورية تلتزم بالمواعيد لكنها من أكثر الأنظمة التي تصف الادوار والوظائف وتعزلها عن شخصيات شاغليها ومناقبهم وتصرفاتهم ، ومن دون أن تتصرف كزائر. في بلد مخرب كالعراق تصرفت نواة السلطة الجديدة (مجلس الحكم) كأنها في زيارة مما أضعفها وجعلها تخسر زخمها الأول، ثم ها هي تتصرف بتناقض، فهي تظهر علماً من تحت أبطها وتدعي إنه علمنا، ثم تقول إنه مؤقت، أي إنه راحل برحيلها، وبهذا المعنى فهو علمها وليس علمنا، وهو من ثم ليس علم الدولة ولا المجتمع.
من المؤكد إن اللحظة السياسية الحالية مؤقتة بالمعنى الدستوري للكلمة، لكن هذا لا ينفي عنها صفة اللحظة البنائية التأسيسية لأسباب مفهومة. فسما يقام اليوم – على علاته – سوف يبنى فوقه وتحته ومن حوله. هكذا هي الحياة التي تنبثق من حياة وتفضي إلى حياة وتؤسس لها. من يؤسس حتى لو كان مؤقتاً من الناحية الدستورية يتعامل مع اشياء دائمة ضمن تحولاتها السياسية والاقتصادية. إن تأسيسات الماء والكهرباء والمجاري التي تقام الآن ، والتي نعرف إنها سوف تتقادم ولا تلبي احتياجات المستقبل ، لا نصفها بمؤقتة إلا إذا أردنا خسارة ثقة الناس بها. من يسهم بمسؤوليات الحكم في دولة دستورية أو غير دستورية (والعراق كله كان يدار بالاشارات والرموز والخطب وبمؤسسات تبدو قوية من الخارج إلا انها فارغة من الداخل) لا يفهم بالسياسة الاجتماعية إذا ما واصل الظهور بمظهر التجاربي غير الواثق بما يفعل، واكثر من ذلك، يشرح أسباب ذلك علناً. إن هذا لا يجعله مخلصاً لنفسه ولا ديمقراطياً بل يهد ما يبنيه في كل لحظة ويخيف من يعمل معه.
لا مفر من الاستطراد، بالاحرى لا مفر من الاستياء، ولسوف الخص استيائي بالاسئلة الآتية: إذا كنتم مؤقتين فلماذا تتبنون علماً أصلاً، وكيف نفهم ظهور علم مؤقت لمجتمع دائم إن لم نعده راية لجماعة محلية تريد أن تميز نفسها كما يحصل في العشائر؟ ما دلالة علم مؤقت بالنسبة للقيم الرمزية التي يحملها والتي يظن اصحابها إنها تمثلنا؟ ألا يوجد سياقان مختلفان بين تبني علم مؤقت ووجود تمثيل رمزي بدلالة وطنية فيه؟ لماذا لم نعلم بوجود مشروع هذا العلم؟ لماذا لم يعرض مشروع وطني رمزي يحظى بأهمية خاصة على الحركة الفنية التشكيلية وعلى جمهرة كبيرة من مثقفي العراق؟
هناك الكثير من السيئات في العراق، ابتداءً من وجود قوات احتلال وانتهاءً بوجود عروض هائلة من التخلف الاجتماعي والثقافي والحضاري تسيح في الشوارع، مروراً بالارهابيين الذين لا يميزون – عن تعمد – بين العراقي والاميركي، وبين منشآت الكهرباء الوطنية والدبابات الاميركية.. وايضاً وايضاً.. بوجود سياسيين هواة لا يعرفون ماذا يحدث في بلدهم، ولا يخشون أن يبدو مضحكين.


المشكلة السياسية

المشكلة السياسية التي أثارها هذا العلم ، وهي بالمناسبة سيكولوجية جمعية أيضاً، تتقدم عندي على المشكلة الفنية، فالاخيرة ليست ملحة ، ولا يدقق فيها الناس، بل أصحاب الاختصاصات الفنية والثقافية.
العراقيون منقسمون سياسياً اليوم بشأن عدد كبير من القضايا في حين أن المسألة الرمزية مثل الاعلام والرايات وما شابه هي من المسائل الاتفاقية ولها وضع خاص في الدستور أو الحياة الجمعية. وما دمنا لا نحركها فهي تظل في موقعها الخاص، أما إذا وخزناها – في شروط من التفاعل المجتمع ي – فعلينا أن نتوقع حالتين : افراغ الرموز من الدلالات حتى اليباس أو شحنها بالدلالات حتى الفيضان. إنها تضحى موضوع مناضلة تغطي على المصالح والاوضاع الواقعية.
تمتاز الحالة العراقية بغياب الدولة، إلا أن اديولوجيتها ورموزها وسلوكها تقاسمتها جماعات المصالح التي اعتمدتها الدولة. إزاء ذلك فان الجماعات المناهضة لقوى المصالح القديمة استخدمت هي الاخرى بعض هذه الرموز، والعناصر الايديولوجية الخاصة بوظيفة الهيمنة، بعد أن اعادت قراءتها وحررتها من مرجعها الاصلي وأخذت تستخدمها في الصراع السياسي.
إن الطريقة التي تم فيها الاحتلال الاجنبي وسقوط الدولة المأساوي، ثم حل الجيش وقوى الأمن الداخلي، حرر قوى ما قبل الدولة والقوى الهامشية التي أظهرت حتى الآن شهية قوية إلى السلطة ، واستخدمت أساليب السلطة السابقة نفسها لأنها كانت في الحقيقة واحدة من التوزيعات الخاصة بالدولة السابقة التي استعانت بها في بعض الاوقات ، أو أنها أسهمت في ظهورها بسبب أفقها الثقافي ولا مبالاتها الكارثية.
إزاء ذلك يقدم الاحتلال الاميركي يومياً مادة هائلة لمناضلات هذه القوى مجتمعة ، في حين ظهر عامل جديد لم يكن في الحسبان، وهو المصالح الاقليمية التي ثبت أن لها موقعاً لا يستهان به. وقد دللت الاحداث أنه جرى التعبير عن هذه المصالح بطريقة خطرة لا تبالي بالمستقبل العراقي كدولة ومجتمع موحدين.
لقد اختار مجلس الحكم اسوأ فترة لتغيير العلم الوطني، فجميع هذه القوى في عز نشاطها، ليس بسبب اقتراب موعد تسلم السيادة فقط ، بل بسبب الاخطاء الشنيعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال أيضاً. لقد حط الاحتلال من قضايا سياسية واجتماعية من الطراز الأول إلى مستوى المعالجات الأمنية وسياسة العلاقات العامة، وقد ظهر جلياً ثقلها وكلفتها العالية على الحياة الاجتماعية والسياسية والأمنية في البلد . إزاء ذلك ظهر مجلس الحكم معزولاً في الشارع وبلا برنامج سياسي واضح، ومن المؤكد أن سلطة الاحتلال وبعض القوى في المجلس اضعفا عن تعمد الموقع السياسي له واثارا الشبهات بشأن شرعيته. ولقد ظهر واضحاً في الأزمة الأخيرة أن الشرطة التي يعتمدها هذا المجلس في فرض القانون والنظام كانت هزيلة جداً، وبلا اعداد سياسي، ولا خطة عمل، ولا قيادة سياسية وفنية. ولعل ذلك لم يكن غريباً، فاكثرية هذه القوة جاءت من أوساط ثقافية متأثرة بقوى ما قبل الدولة. فضلاً عن وجود عناصر فاسدة فيها. كما أن المشكلة التي تتصدى لها أكبر منها، فهي مشكلة يحلها السياسيون وليس الشرطة، إلا أن السياسيين عندنا كانوا مقيدين، والغريب أنهم قيدوا أحزابهم أيضاً.
يرمز العلم إلى الدولة، والسيادة الوطنية، أما مواصفاته الشكلية واللونية والرمزية فهي نتاج توافقات ومواضعات وتمثلات مجتمعية سياسية. لكن هذه المواصفات لا تستطيع أن تعمل ولن يكون لها قوة تمثيل إلا بوجود نظام سياسي يقرها، ويفرضها بقوة القانون، وأحياناً بالقوة العسكرية، وقد تنتظم بتشريعات دستورية تعرفها وتشرحها وتقوي شرعيتها وتشيعها في تقاليدها الاحتفالية فضلاً عن استدخالها في الانظمة التربوية والتعليمية (إن مجلس الحكم لا يمتلك كل هذا!)
منذ تأسيس الدولة العراقية جرى تغيير العلم الوطني عدة مرات حتى من دون أن يحظى باهتمام شعبي أو يثير ضجة، وقد جرى التغيير احياناً بلا تكييف دستوري يبررها. فالشرعية في دول انقلابية هي محض تقييم، والتأييد الشعبي يستحصل بوسائل العنف والهيمنة الاديولوجية وتوزيع المصالح والمكاسب والمهرجانات والاحتفالات والالعاب الرياضية والتقادم، ثم تطغي الحياة اليومية على كل شيء وتعزز النسيان المريح فتمر الاشياء وتنزلق وسط الذهول واللامبالاة.
والحال إن مجمع الرموز والألوان في الاعلام والرايات تنتظم وتملأ بالدلالة وأعمال المواضعة والتعريف والوصف بما يجعلها تعمل كنظام تعبيري صغير، ثم يمنحها التفاعل السياسي والمجتمعي قوة الرمز والشرعية، كما تمنحها الدولة الحماية بما يقوي من هيبتها وتعاليها وتماسكها الرمزي مشيرة إلى كيان كلي شارحة نفسها بنفسها.
في الايام الباردة بالمعنى الاجتماعي والسياسي والنفسي للكلمة، أيام الهدوء والسلام والرخاء واللامبالاة، لا تضغط الرموز الرسمية أو الوطنية على وجداناتنا على نحو اعتدائي أو تحريكي أو استيقاظي، أما في الازمات والكوارث والحروب والتعبئة فتراها اكثر نشاطاً، وثمة قوى سياسية ، النظام مثلاً، له مصلحة في ذلك. انها تنشط احياناً إلى حد أنها تستولي على حقل لا يعود لها.
بعد هذه الشروح، ما الذي حدث حقاً؟ لقد طرح مجلس الحكم علماً جديداً في شروط سيئة من انعدام السيادة وتدني مستوى الأمن الاجتماعي للمواطنين وظهور تعارضات وانشقاقات اضافية على المستوى الوطني، مما جعل (القضية الرمزية) تنشط على نحو قوى الانقسام السياسي واعطاه مادة جديدة للصراع والعنف والتعبئة والاعداد السياسي، واكثر من هذا، قوى التمسك المعاند بالرموز القديمة، لأنها أضحت تعوض سيكولوجيا عن غياب الدولة وخطابها السياسي القديم وآيديولوجية الهيمنة خاصتها.
في اجواء غير عقلانية وصراع يستخدم العنف والتمسك الحرون بالرأي والتأويل المفرط لا يمكن تذكير اولئك الذين تمسكوا بالعلم القديم بالملابسات السياسية التي انتجته والتي ادت بنا إلى الحالة الراهنة. في زمن الاحتلال والتعاسة والعنف لن يتوقف الناس وقفة تأمل واع على تاريخنا السياسي وملابسات الخطأ والصواب للحكام والنزاعات حول الرموز والدلالات. ولأنه لا توجد أية خطة للتهدئة الاجتماعية، والمصالحة الوطنية، والاتفاق على الثوابت الوطنية الاساسية، فلن تعدو الشروح العاملة في المسألة الرمزية غير كلام ضائع.
أنا لم أعجب من قوى سياسية – مهما كان اسمها – رأت تشابهاً بين العلم الجديد والعلم الاسرائيلي. المسألة ليست بصرية بل سياسية وسيكولوجية مجتمعة. الناس ترى ما لا ترى حقاً في ايام الأزمات. لكن دعونا نعترف بوجود التباسات متوفرة بالعلم الجديد يسرت مثل هذه الرؤية، فهناك توافقات ولاسيما في اللون الابيض الطاغي على العلم، بيد أن التنظيم الشكلي والرمزي مختلفان بين العلمين. لكن هناك (مصيبة) لم تلاحظ يسرت تلك الرؤية أيضاً ، مصيبة صنعها اولئك الذين قاموا بالاعلان عن العلم الجديد من دون احتراس كاف مما يمكن أن تهدره الطباعة في اللون. فقد نشر العلم في صحف أحالت اللون الأزرق القوي إلى أزرق فاتح مما أضاف إلى تداعيات الاشتباه مادة جديدة للتأويل. لقد تسنى لي أن أرى نسخة مصغرة أصلية عن التصميم وشعرت أن هؤلاء السادة أضافوا إلى اخطائهم السابقة خطأ جديداً بسبب عدم الانتباه.
ثمة اخطاء متراكمة اقترفها اولئك الذين عنوا بالاعلان عن العلم الجديد: الاعداد السيئ، المفاجأة، التوقيت، وصف العلم بأنه مؤقت، طريقة النشر، اعداد الناس، نسيان ما هو جمعي وسياسي وسيكولوجي. أما التصميم فلن اسميه خطأ بل مشكلة.. وهو مشكلة حقاً.


  المشكلة التصميمية

ثمة حالة قصدية انتجت تصميم العلم الجديد الخصها بهذه الجملة التي اصيغها كأنها كلام مباشر للمصمم : أريد علماً مختلفاً عن جميع الاعلام العراقية السابقة!
انه قرار شجاع ولا شك، لكنه يثير مشكلة مركبة إزاء المصمم ، فلكي يكون مخلصاً لحالته القصدية عليه أن يستبعد الاعلام العراقية السابقة كلها بما فيها من رموز وموحيات ومواضعات معروفة، وعلى نحو ما عليه أن يبتعد ليس عن منطقة التاريخ الرمزي المعروفة حسب، بل وعن المجتمع الرمزي الذي كان يستولي عليها أو يستوحيها أو ينشطها.
كان عليه أن يبحث عن مستودع آخر إذن، فأين يجده؟ سوف يجده على مستويين غير متماثلين: أولاً، بتحليل الحالة القصدية نفسها بوصفها دالة تفسير وتبرير كبيرة وايجاد تأويلات وعناصر منها قادرة على الانفتاح على القيم البصرية. ثانياً، توليد طاقة ذهنية واستيهامية والتوفيق ما بينها. فالذهنية توفر صياغات تعليل، والاستيهامية توفر لوناً عاطفياً خاصاً بالتجربة التصميمية.
أرى أن المصمم وضع نفسه في حالة رهيفة وصعبة. فالاستبعاد ألغى عناصر جاهزة لها رصيد تاريخي ومجتمعي، مما القى بالكلف الاقتصادية التعبيرية على عاتق مستودع غير مؤسس بعد، ولا يمتلك إطاراً مرجعياً واضحاً، وعلى المصمم نفسه أن يكتشفه ويلتقي بعناصره الشكلية والرمزية، وأن يضع بنفسه تعاريفها وتوصيفاتها.
تتوفر في هذه النتيجة امكانيتان، الأولى أن يصطدم المصمم بمشكلة الندرة، فنحن إزاء علم وطني وليس علماً شخصياً. والثانية أن ينتقل المصمم من مستوى الرمزية الحضارية إلى مستوى المواضعة الدلالية. وهذا ما حصل نسبياً – هذا إذا عتقدنا إن الشكل الايقوني (الهلال) يفلت من صفة المواضعة. والحال إن مشكلة الندرة تؤدي إلى مثل هذا التحول تحت ضغط القرار التصميمي الأول.
هذا التحول ليس سيئاً في ذاته، لأن من وجهة نظر ما، يمكن عد ألوان أعتمدت في أعلام سابقة كمواصفة دلالية وليست رموزاً. لقد كان علم الامويين ابيض وعلم العباسيين أسود ، وقد دمجها علم الثورة العربية مع اللونين الأخضر والأحمر، واعلامنا العربية المشرقية هي بوجه عام تنويعات من ذلك العلم المركب. ومشكلة التقييم هنا هي إننا لا نستطيع اتخاذ قرارات بشأن تركيبات جمعية رمزية أو اتفاقية. إن التقادم والاستخدام وأنظمة التربية والتعليم والعادات تستطيع محاججة أي تقييم. وما نراه مواضعة في اطار تحليلي تاريخي قد يتخذ صورة الرمز. لا يمكن التقليل من شأن الذاكرة الجمعية مع اننا نعرف أن فيها الكثير من التركيبات الزائفة بسبب السلطة وانظمة القهر والهيمنة الايديولوجية.
انني متيقن من أن المصمم المثقف رفعت الجادرجي يعرف هذه الملاحظات لكن قراره الخاص متولد من المأزق العراقي الذي له امتدادات تاريخية، ولاسيما منذ انشاء الدولة العراقية عام 1921.
 أعد رفعت الجادرجي من الجماعة البغدادية على المستوى الثقافي والجمالي . ولعل أفضل ما في هذه الجماعة نزعتها التأليفية الاختزالية التي نراها متجسدة عند جواد سليم. لقد صمم هذا الفنان الكبير شعار جمهورية 14 تموز 1958 بجمع عناصر رمزية وايقونية واتفاقية في تصميم واحد، وهو لم يخش التمثيل ، فخطوط الشمس السومرية البابلية المتعرجة هي اشكال تمثيلية لا تخلو من سذاجة لكنها حيوية، هناك ايضاً السيف العربي والخنجر الكردي والسنبلة والعجلة المسننة. في العلم الوطني – ولست متأكداً ما إذا كان قد صممه أيضاً – نجد الوان الدول العربية المشرقية نفسها ، تتوسطها النجمة العربية الثمانية ، واللون الذي في وسطها يشير إلى القومية الكردية.
إن مستودع الرموز العراقية كبير لكن من وجهة نظر السياسة الآيديولوجية والتاريخ السياسي المعاصر يثير مشكلة . نحن نعرف على سبيل المثال إن انقلابيي 8 شباط في نزعتهم الارادية الغوا علم وشعار الجمهورية التموزية بالاستناد إلى مشروع سياسي وايديولوجي ليس إلا. لقد صفت ثلاث نجوم لتمثيل مشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق من دون اي مسعى لتحقيق هذه الوحدة على نحو فعلي، بل لعله جرت خيانة هذا المشروع من الجميع. إن بقاء هذه النجوم ظل يشكل عنصراً ايديولوجيا ليس له قرائن.. لكن من يهتم بالقرائن والملابسات السياسية والايديولوجية في علم رمزي؟
إن نزعة الاستبعاد في العلم الجديد تريد أن تتحرر من جميع الرموز التي جرى استهلاكها من دون يقين أو برهان أو بتعسف من وجهة نظر مثقف معاصر. وتلك هي واحدة من عناصر المشكلة الرئيسة التي نصفها ها هنا.
لقد انطلقت حركة التصميم الاستبعادية برد الاعلام السابقة إلى مشكلة الانظمة السياسية، بوصفها انظمة لم تحترم حقوق الشعب العراقي، وداست على مفاهيم الشرعية واحترام القانون وحقوق الانسان، كما داست على دساتيرها ، ومن ثم فان أعلامها ورموزها ارتبطت على نحو ما بالاستبداد . إن التاريخ السياسي العراقي من وجهة النظر هذه يمكن أن يكون استبدادياً كلياً أو جزئياً على مر العصور.
إن مثل هذا التقويم الجذري يلغي التمايزات الخاصة بما هو حضاري وسياسي، وبما هو ثقافي وفكري وعلمي وما هو سياسي وايديولوجي خاص بانظمة الهيمنة . إنني متأكد من أن المصمم يعرف تماماً هذه التمايزات ، لأنه من دون المعرفة بها، سوف يلغي التاريخ الشعبي، اي ذلك التاريخ الذي تختفي فيه الاسماء، وهو التاريخ الفعلي الذي تستند إليه الحياة الابداعية والمستمر إلى وقتنا الحاضر، والذي طالما استمد الجادرجي منه الكثير من الاستعارات والموحيات.
يبدو لي أن المصمم كان تحت وطأة التاريخ الدموي للمرحلة الماضية.. تاريخ الحروب والاستبداد الشامل ، مما جعله يقع في منطقة عمياء. لكنه كان تحت تأثير اللحظة السياسية الحالية أيضاً بما تمنحه من أمل على استبعاد واقعي للعسف والاستبداد، وهي امكانية على أية حال أو مراهنة لا نعرف حتى هذه الساعة صدقيتها.
ابتداءً من هذه التقييمات والتحليلات والآمال تبدأ المشكلة العلاماتية للمصمم، فهو اولاً في منطقة ندرة بسبب الاستبعاد، وهو ثانياً عليه أن يحدد مستودعه الخاص الذي يأخذ منه موارده، وهو ثالثاً عليه أن يجمع الموارد التي يجدها ويضعها في نظام تعبيري موزع توزيعاً قوياً، مقرراً رتبتها في التصميم ، ومسقطاً المواضعة على عناصرها.
ما حدث في التنفيذ أن الحالة الاستيهامية العاطفية هي التي انتصرت في النهاية، فالعلم أراد أن يعبر عن الرغبة الهادئة في سلام مريح ، وباستبعاده ما يذكر التاريخ السياسي القمعي، جعل اللون الابيض هو المعادل عن آماله الشخصية، أو المعادل عن السلام والصفاء. إزاء ذلك لم يجد في مستودعه (ودعوني أسميه الاستيهامي هذه المرة) غير تعينات طبيعية من صنف غير رمزي الا من بعض التقييمات الشرقية : الهلال. وباقي العلامات كالاشرطة الثلاثة تتحكم بها المواضعة. اثنان منها الازرقان الغامقان يمثلان النهرين دجلة والفرات (طبيعة) والآخر الأصغر يمثل اشقاءنا الكرد. حتى التنظيم العام يبدو مستلهماً من الطبيعة، فالشرائط تشكل القاعدة ، وفي الاعلى الهلال.. والباقي هو السلام المعمم : البياض.
لقد أردت في التحليل السابق أن أعيد انتاج الخبرة التي انتجت هذا التصميم وأرى أن الحالة الاستهامية للفنان قد تصلح لكتابة توصيف لاسقاطات ممتازة عن الحق الطبيعي بالأمن والسلام والهدوء الذي يجب أن يتمتع به العراقيون بعد سنوات من الحروب، إلا أنها لا تصلح، كأية حالة استيهامية، لتوليد طاقة ديناميكية في تصميم علم.
إن الموقع الذي احتله المصمم من المشكلة الفنية الدلالية خاطئ . لقد أقام تحليلاً قائماً على الحذف من دون استبدال منطقي ، بل من دون استبدال علاماتي مشبع بالدلالة، لأن ثلاثة عناصر من أربعة قائمة على مواضعة افتراضية، والرابع الايقوني منح رتبة قوية من دون تمييز خاص به، سوى أن هذه الرتبة مستحصلة من الطبيعة وهي في العلم مستحصلة من الموقع. لا أعتقد بوجود رمزية في الهلال ناتج عن التقويم القمري أو اية احتفالية متكررة في التاريخ الاسلامي من قبيل هلال رمضان أو هلال العيد على سبيل المثال. يجب التأكيد على أننا نتحدث عن هلال وليس القمر. إن الاعلاء الرمزي للأول جاء بسبب المركزية العثمانية التي عممته على العالم العربي طوال القرون بسبب الاحتلال. وهذا المثال يشكل وحده دليلاً على موقع السلطة من القضية الرمزية واختياراتها وقدرتها على توليد التذكارات.
إزاء ذلك أرى أن العلم كله هو استعارة اختزالية من الطبيعة : قاعدة أفقية عريضة مغلقة وفضاء مفتوح وهلال في الاعلى. هذا التوزيع الصلب ليس اختزالياً بل هو فارغ واسقاطاته الفنية مستهلكة. من وجهة نظر البناء الفني للعلم ثمة تعارض وعدم تناسب بين الشرائط الافقية الثلاثة التي تغلق القاعدة والشكل المنحني للهلال، إنه تعارض بين خط افقي وآخر منحن أو دائري من دون وجود تنسيق تحليلي فني بين الاثنين، فما يتحكم هو الاستعارة اليابسة وليس عملية احداث تعليل شكلي أو تعارض من طبيعة داينميكية بصرية.
إن إحدى مشكلات اللون الابيض إنه لا يجمع الاشياء بل يدفعها إلى الخارج، ولأن التصميم جزأ العلم إلى جزءين غير متناظرين مسقطاً في الجزء الاعلى الابيض شكل الهلال، فان الأخير ظهر تائهاً، وحيداً، مختلفاً، ليس له معادل. الهلال مفتوح وليس كتلة صماء. في العلم الياباني ثمة كتلة دائرية صماء حمراء اللون وسط علم أبيض. ليس هناك أبسط من هذا. وبصرف النظر عن الدلالة، تمارس القياسات بين الكتلة المركزية الحمراء والباقي من بياض العلم دور التوازن وتحفظ للعلم بؤرة دلالية قوية.
إن أولئك الذين وجدوا علاقة اشتباه بين العلم الجديد والعلم الاسرائيلي لم يمعنوا النظر جيداً، فالعلم الاول لا يخضع لتبئير الرمز أو حصره لكي لا يضيع كما إنه لا يحل مشكلة اللون الابيض كما يفعل الاخير. وإذا امعنوا النظر – ولا أظنهم سيفعلون هذا – لوجدوا أن العلاقة بين اللون الأزرق واللون الأصفر هي العلاقة الوحيدة الواضحة كعلاقة فنية لكنها من فصيلة غير بنائية بل لونية تأثيرية، وحتى هذه أهدرها اولئك الذين نشروا العلم في صحف أساءت اليها، فلو كان لوناً فاتحاً لأصبح الأمر سيئاً جداً من الناحية الفنية، على الاقل في البيئة العراقية المشمسة التي تبخر الألوان وتضيف اليها بياضاً اضافياً.. وهذه بالتأكيد مشكلة أخرى لم ينتبه اليها المصمم على مستوى فقر الالوان الواضح في العلم المقترح.
إن المصمم حل مشكلة بسيطة أما العناصر التكوينية الاساسية فقد أضاعها.
في ختام هذه المساهمة النقدية التي أرجو أن تفهم جيداً، أود أن أقول انني اتفهم دوافع المصمم ، وأنا مثله آمل ان نتحرر من سلطة الرموز والسلاطين اللذين استعبدونا باسمها .. لكن تلك قضية اخرى !
   

 
 

 

 
عن موقع كتاب العراق


تاريخ النشر       22/01/2008 06:00 AM