الرئيسية » مقالات » في رفض الديمقراطية الأمريكية و (حرية)الأنظمة في قمعنا ,

في رفض الديمقراطية الأمريكية و (حرية)الأنظمة في قمعنا ,

تطلق اليوم مرة أخرى دفعة جديدة من الوعود الجميلة لهذا الإنسان المسكين الذي يسميه الكثيرون مواطن مجرد مواطن , في الحقيقة لا توجد أية مشكلة حقيقية عند هذا المواطن المسكين الفقير إلى الله تعالى في تحقق مثل هذه الوعود الجميلة فعلا كما انتظر منذ الأزل تحقق تلك الوعود مرة تلو أخرى حتى ظن معظم من يعتبرون مواطنين عاديين أنه لا فائدة من الانتظار قبل قدوم يوم القيامة..إن التحول من تقديس القوة القسرية القائمة على ظهور هؤلاء البشر العاديين باسم الخضوع للأمر الواقع إلى إعلاء شأن هذا الإنسان حتى بوضعيته الاجتماعية الدنيا أو المسحوقة كقيمة في ذاته كإنسان لا يستحق الترحيب فقط أو حتى التهليل , إنه ضروري لإعادة بناء الواقع على أساس مركزية دور الإنسان و موقعه في مواجهة القوة الغاشمة التي سحقته حتى اليوم دون رحمة , على أساس حريته في مواجهة قوى الاستبداد و القهر..تؤكد التجارب , المؤلمة , أن هذه القضايا لا يمكن المساومة فيها , يعني إما أن نكون أحرارا أو لا , لا أعتقد أنه يوجد احتمال ثالث نص نص يقوم على درجة متعادلة من الحرية و القهر..أما على من يريد أن يثبت أنه من الممكن قمع الإنسان و تحريره في نفس الوقت عليه أن يفسر لنا هذا الاحتمال , أي أن يكون حرا أمام أمريكا أو ما يسميه النظام السوري بالخارج و في نفس الوقت مقهورا حتى السحل و الإلغاء الكامل من النظام , أو على العكس أن يتمرد على قوى القهر المحلية المتمثلة في عصابة النظام و أن يطلب إليه في نفس الوقت أن يستسلم دون قيد أو شرط أي دون أية مقاومة أو حتى مجرد التبرم لنير قوى القهر العالمية المتمثلة بالاحتكارات الأمريكية كخيار أول أو الدبابات الأمريكية كخيار ثاني..طبعا نحن نحفظ التبريرات الإيديولوجية لمثل هذه التضحية بالإنسان بحريته و حقوقه و حياته عن ظهر قلب..ففي هذه الحالة درجت العادة على التضحية بالإنسان في سبيل قضية أكبر منه قضية تستحق أن يكون الإنسان و حريته كبش فدائها..هذا تجري ممارسته منذ فجر التاريخ و لا تتطلب سوى إقناع الناس , من يمارس القمع – الذي هو إنسان في نهاية الأمر أيضا – و من يقع عليه القمع , بأن الأخير مجرم مستحق للقمع و أن الأول ينتصر لقضية على مستوى خطير من الأهمية بمجرد أن يمارس القمع أو القتل ضد هذا الآخر , هكذا تجري الأمور منذ قرون , لا جديد حتى الآن..المطلوب فقط هو فكرة تقسم الناس إلى فرق متعادية حتى الموت و تربط إنسانية هذا الإنسان بتلك الفكرة التي عليها أن تشكل في هذه الحالة جوهر و حقيقة إنسانيته و بالتالي لا يصبح دماغ الإنسان أو قلبه مبررا لإعلانه إنسانا و لا يكون أهم عضو فيه بل قبضة يده التي يسحق بها وجه أخيه..غريب أن يظن البعض أو أكثر من ذلك , أن يتهموا الآخرين علنا بأن الناس يخاصمونهم أو ينكرون عليهم أنهم ديمقراطيين أو وطنيين..لكي ترفض أي تعبير جدي عن إنسانيتك عن حريتك , هذا يتطلب منك إما أن تكون جلادا يعمل عند جلاد أو طاغية أي أن تمتلك ما يكفي من تقديس القوة و الاستبداد و احتقار الإنسانية أو أن تكون غبيا ترفض أن يعاملك الآخرون كبشر و يمنحوك حقوقك فيما تدير لهم ظهرك..لعل هناك زاوية أخرى لهذه المشكلة التي يعانيها الكثير ممن يعتبرون أنفسهم اليوم ديمقراطيين أو وطنيين..فعندما تعتبر أنك ديمقراطي أي أن تقف إلى جانب الإنسان و في مواجهة القوى التي تقهره و تضطهده لا يمكنك أن تطالب الناس بأن يفهموا الديمقراطية على أنها تبرير لقهر جديد يقع على الإنسان أو مساواة ذلك بتبرير تهميشه و سحقه و قتله من قوة أخلاقية بنظرها أو بنظرك , لا تقع قضية حرية الإنسان بين قوتين غاشمتين كما كان الحال في الحرب الباردة قوتان تتنافسان على ابتكار أسلحة دمار أشد و أكثر فتكا حيث كان تفوق قوة على الأخرى في عدد الرؤوس النووية و عدد الصواريخ المعدة لإطلاقها يعتبر تفوقا لهذه الإيديولوجية أو تلك , إنها تقع بين الحاكم و المحكوم , و هي تعني دوما حرية هذا المحكوم و ليست أبدا “حرية” الحاكم أي حاكم..ربما كان هؤلاء الديمقراطيين الجدد في حقيقة الأمر أسرى لعبادة القوة الغاشمة ذاتها التي يعني وجودها بالضرورة قهر الإنسان و سحل إنسانيته أمام أولوية مصلحتها و وجودها , لكن هذه المرة باسم الديمقراطية , للأسف , أي وفقا لذات الرؤية الإيديولوجية السابقة لكن في لبوس و شكل جديدين , ربما غاب عنهم أن الحرية , أو الديمقراطية ليس الخلاف هنا على المصطلحات , تعني القوة للناس أساسا , لكل الناس و ليست لأية “قوة ديمقراطية” في مواجهة الناس..من الغريب أن العالم يرفض أن يصبح ديمقراطيا بالقوة الأمريكية على طريقة الهوم ديليفري أي التوصيل إلى المنزل كما يدعي السيد بوش , من الغريب أن الأمريكيين و الأوروبيين أنفسهم لا يصدقون هذا الكلام..بإمكان أمريكا فعلا أن تدخل في جدل ديمقراطي مع الآخرين كل الآخرين عن ضرورة أو تقدمية أو ديمقراطية وجود أقلية متحكمة بالوضع السياسي و الاقتصادي العالمي و المحلي ( كما يمكن للنظام السوري أن يفعل نفس الشيء معنا نحن السوريين العاديين يقتصر فيه على وسائل إقناع لا تتعلق بأجهزة مخابراته أو أقبيتها المرعبة ) و أن يقوم سائر الناس , أمثالي غالبا , بخدمتها باسم الديمقراطية أو الوطنية أو النيو ديمقراطية أو النيو لوك أو أي شيء تريده بدلا عن أن تفرض هذه الحقيقة عليهم بالدبابات و الطائرات , بقوة النيران الماحقة كما يصفها العسكريون و السياسيون الأمريكيون “الديمقراطيون” جدا , هنا لتحقيق المساواة في كل شيء يتعلق بحوار ديمقراطي كهذا يجب أن يكون لدى الإسلاميين و أنصار الطبقة العاملة و خصوم العولمة و سواهم هوليود الخاصة بهم و النيو يورك تايمز الخاصة بهم و الفوكس نيوز الخاصة بهم و هكذا..في الجدل الديمقراطي لا تحتاج إلا إلى قوة الإقناع لأنك هنا تفترض أنك تتعامل مع بشر أي مع عقولهم أما القوة “الماحقة” فتحتاجها فقط في التعامل مع بشر تريد إخضاعهم عندها يجب أن يكون لديك ما يكفي لسجنهم جميعا بل حتى لقتلهم حتى آخر لا ديمقراطي أو لا وطني في حال “فشلت في إقناعهم”..إن مجرد أن إعلامنا الرسمي يستطيع , وحيدا من بين كل التلفزيونات الرسمية العربية , أن يشتم بوش و تشيني و رايس لا يعني أننا كسوريين أحرار , أو أننا خونة إذا فكرنا بحريتنا كبشر كأفراد و بلقمة خبزنا التي يلتهمها أزلام النظام في حين يهدد بوش بشار الأسد و يطالبه بالطاعة الكاملة , الحرية الوحيدة الممكنة في سوريا هي فقط حريتنا نحن أي السوريين البسطاء , و ليست حرية النظام في أن ينتقد أمريكا , إنها حريتنا من قوى القهر جميعا , من دبابات بوش و احتكارات العم سام و من سجون بشار و قبضات أجهزته القمعية..أي وطن نخونه بالدفاع عن حريتنا كسوريين عاديين و لا يخونه بشار بسرقتنا و قهرنا و قمعنا و نهبنا و تجويعنا , أية حرية تتطلب أن يجوع السوريين و يخرس صوتهم و يغلق عليهم باب السجن الكبير كل مساء من قبل جلادي النظام..قد تكون أكبر غلطة ارتكبها البشر العاديون أنهم انتظروا قوة ما تأتيهم بالحرية على طبق من ذهب , ربما كان الأجدى أن نفكر جميعا كبشر عاديين كيف ننتزع حريتنا انتزاعا دون انتظار تحقق أي من تلك الوعود التي تأتي من فوق , ربما سنتوقف يومها عن انتظار هذه الحرية التي لا تأتي..يمكنك أن ترى بشيء من الوضوح الآن أن العالم ليس غبيا إذا رفض أن يخضع للقوة الأمريكية , أن يرفض هذه الديمقراطية التي تتعلق بحرية بيع الهمبرغر و البيبسي الأمريكي أكثر منه بحرية الناس العاديين و بحياتهم , و الذي تصور فيه الانتخابات , المساهمة الوحيدة المطلوبة منهم , على أنها حملة هوليودية صاخبة تقودها أوركسترا أكثر تعقيدا و تطورا و إقناعا بلا شك من مجموعات الطبول التي تستخدم في انتخابات ال 99 % في سوريا , الأغبياء وحدهم يرفضون حريتهم , في الواقع قد يطأطئ البشر للقوة التي تستطيع سحقهم , هذه ممارسة إنسانية قديمة جدا ساهمت للأسف فقط في أن نبقى حتى اليوم مجرد عبيد , لكن الأغبياء فقط هم من يقبلون الاستبداد عن طيب خاطر…….