الرئيسية » مقالات » حين يغدو التهجم على حزب العمال الكردستاني هواية

حين يغدو التهجم على حزب العمال الكردستاني هواية

يواصل السيد نزار آغري كعادته ممارسة هوايته المفضلة في التهجم على حزب العمال الكردستاني ومجمل الحركة التحررية الكردية إن في تركيا أو في العراق لصالح تلميع صورة حكومة رجب طيب أردوغان وتجميل ارتكاباتها وجرائمها بحق الأكراد على طرفي الحدود التركية – العراقية فهو يستهل مقاله المعنون : “حينما ينتقل شعار الصمود والتصدي إلى كردستان” – “الحياة” 20 / 1 / 2008 وهو المقال الأخير في سلسلة مقالاته المحمومة للدفاع عن السياسة العدوانية الاستئصالية التركية حيال الأكراد يستهله بالتهكم من عدم تحقق تهديدات القائد العسكري لحزب العمال الكردستاني بانتفاض ملايين الأكراد في حال إقدام تركيا على اجتياح بري شامل لكردستان العراق والحال أن ملايين الأكراد لم ينتفضوا لسبب بسيط وهو أن تركيا لم تقدم على حماقة اجتياح عسكري كامل لكردستان العراق كما كانت تهدد وتتوعد ليل نهار فتصريح القائد العسكري للحزب السيد باهوز أردال الذي جاء في سياق حديثه مع “الحياة” – 2 / 11 / 2007 الذي أجراه الزميل هوشنك أوسي كان ردا على سؤال حول طبيعة رد الفعل حيال أي اجتياح عسكري تركي لإقليم كردستان والمؤسف هنا أن السيد آغري قد تلاعب بأقوال الرجل وحورها كما يحلو له بالضد من أبسط قواعد النزاهة والأمانة لدى أي كاتب يحترم عقول قراءه والمؤسف أكثر أنه قد وضع الجملة التي حورها وتلاعب بها بين مزدوجين وكأنها بالفعل وردت على لسان الرجل وهذا هو نصها : “إذا ما عمد الجيش التركي إلى القيام بمثل هذا الهجوم فان الملايين من الأكراد لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه التطورات” في حين أن النص الحقيقي غير المزور هو كالتالي : “هذا الاجتياح سيجابه بمقاومة شعبية شاملة من جانب شعبنا في كردستان العراق وليس من قواتنا فحسب وتعلمون بان الملايين من الأكراد يعيشون في كبرى مدن تركيا ولن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه التطورات” فالرجل إذ يشير إلى عدم بقاء ملايين الأكراد مكتوفي الأيدي حيال أي ترجمة عملية لتهديدات أنقرة بغزو كردستان العراق وتدمير تجربتها الديمقراطية فليس في ذلك أي تهويل أو مبالغة أو استيراد لشعار الصمود والتصدي الغوغائي البعثي إلى كردستان كما يعنون السيد آغري مقاله بل أن هذا التصريح هو تشخيص واقعي لطبيعة رد الفعل الشعبي الكردي في حال تنفيذ تركيا لتهديداتها بشن حرب مفتوحة على إقليم كردستان العراق بحجة ملاحقة حزب العمال الكردستاني أضف إلى ذلك أن التأكيد على عدم بقاء ملايين الأكراد مكتوفي الأيدي عند أي استهداف تركي مباشر لكردستان العراق لم يصدر فقط على لسان قادة حزب العمال بل أن كبار المسؤولين في كردستان العراق وعلى رأسهم رئيس الإقليم السيد مسعود البارزاني ما آنفكوا يشددون على هذه الحقيقة الموضوعية المجردة من أية تهويلات ومبالغات ذاتية و/ أو فئوية فما الذي يتوقعه الكاتب من الأكراد في حال تعرضهم لحرب إبادة تركية شاملة ؟ هل يتوقع منهم نثر الورود على الجيش التركي والتهليل للآليات الحربية التركية وهي تسحق أجسادهم وتدمر مدنهم وقراهم وأملاكهم .
ويبرر الكاتب الهجمات والاعتداءات الجوية والمدفعية التركية على كردستان العراق بوصفها رد فعل مشروع على “إرهاب” حزب العمال الكردستاني مصورا رئيس الحكومة التركية أردوغان كحمامة سلام تتربص بها صقور الحرب من حزب العمال مضيفا بان حزب العمال على عكس حكومة أردوغان مصر على الاستمرار في العنف وهنا فا الكاتب يقفز عمدا على جملة حقائق ساطعة أولها أن السيد أردوغان هو من قدم ومرر قرار البرلمان التركي بالسماح للجيش بتنفيذ عمليات حربية خارج حدود تركيا وتحديدا في كردستان العراق وثانيها أن أردوغان هو نفسه من أعطى بعد ذلك بأسابيع قليلة الضوء الأخضر للجيش التركي لترجمة قرار البرلمان على الأرض عبر انتهاك سيادة العراق وثالثها أن أردوغان الذي نحمد الله أن السيد نزار آغري لم يطلق عليه بعد لقب “غاندي تركيا” هو من رفض رفضا قاطعا ومطلقا مبادرة حزب العمال السلمية التي قدمها مؤخرا والتي تضمنت بنودا في غاية الاعتدال والاتزان والمعقولية تلك المبادرة التي جوبهت من قبل أردوغان وجيشه بتصعيد لافت في وتيرة حملات التمشيط في كردستان تركيا من جهة والشروع في عمليات قصف جوي ومدفعي لكردستان العراق من جهة أخرى في مسعى واضح لوأد هذه المبادرة الجريئة الخلاقة في طرحها وكنهها السلامي التوفيقي والوسطي والذي بالكاد يلبي الحد الأدنى من الحقوق القومية والوطنية المشروعة للشعب الكردي في تركيا فمن الذي يسعى إلى استمرار دوامة العنف والحرب المدمرة إذا ؟ حزب العمال الذي قدم مبادرة سلام مرنة إلى أبعد الحدود لا يتعدى سقفها المطلبي توسيع هامش صلاحيات الإدارات المحلية في المحافظات الكردية في تركيا في إطار تعزيز اللامركزية أم أردوغان الذي ربما صدق فعلا تلك الكذبة أو بالأحرى الدعابة التي يروج لها البعض ومنهم نزار آغري ومفادها أن بعض النواب من أصل كردي المنضوين تحت لواء حزبه الاخواني هم من يمثلون أكراد تركيا فلو كان السيد أردوغان حقا صاحب مشروع سلمي وليس حربي استئصالي ويحمل رؤية تغييرية تجديدية وليست قروسطية لكان حريا به تلقف هذه المبادرة الكردية للسلام بوصفها مدخلا لحل القضية الكردية وتسويتها حضاريا وديموقراطيا لكن العكس هو ما حصل تماما فقد أصرت حكومة أردوغان على رفض المبادرة الكردية وتجاهلها بل وتصعيد وتيرة القمع والتضييق على الأكراد في تركيا والشروع في عمليات قصف جوي متقطع على كردستان العراق بهدف توتير الأجواء وقطع الطريق أمام المبادرة الكردية للسلام التي أطلقها حزب العمال والتي أيدتها القيادة الكردية في كردستان العراق أيضا فهل ينطلي على أي عاقل بعد ذلك كله اتهام آغري لحزب العمال بتصعيد العنف وتبرئة حكومة أردوغان من ذلك وتصويرها كمجرد ضحية تمارس حقها في الدفاع عن نفسها عبر دك القرى الكردية الآمنة وقتل وتشريد سكانها الأبرياء إن في كردستان تركيا أو في كردستان العراق .
ويتساءل الكاتب ما الذي يجنيه الأكراد من عمليات حزب العمال التي تندرج في واقع الأمر في إطار صد الهجمات التركية والذود عن الذات في وجه آلة الحرب التركية المنفلتة من عقالها ونحن بدورنا نسأل ما الذي يجنيه الناس في تركيا أكرادا وأتراكا من عمليات الجيش التركي العسكرية في كردستان غير إراقة المزيد من الدماء وهدر فرص السلام والتسوية بما يعقد القضية الكردية أكثر فأكثر ويجذر الحقد والكراهية بين الشعبين التركي والكردي ويعرض مستقبل تركيا كدولة وككيان للمجهول والمجهول بات معلوما على ما نشهد في العراق ولبنان وفلسطين وغيرها من مجتمعات مأزومة ومنقسمة على ذاتها وعاجزة عن بلورة توافقات تعاقدية جامعة وقواسم وطنية مشتركة .
ويمضي الكاتب في ترديد مزاعم أنقرة الهادفة إلى إقحام كردستان العراق في صراعها مع حزب العمال عبر تساؤله البعيد طبعا عن البراءة : لماذا تقتصر قواعد حزب العمال في جبال قنديل في كردستان العراق ؟ وواقع الحال أن الكاتب يعلم جيدا بان قواعد الحزب الرئيسية تقع في جبال كردستان تركيا وأن الساحة الأساسية لنشاطات الحزب وقاعدته الشعبية هما في المناطق الكردية في تركيا فقواعد الحزب في جبال قنديل هي أشبه بقواعد خلفية غير ثابتة بل هي متنقلة ومتحركة عبر سلسلة جبال قنديل في منطقة المثلث الحدودي التركي – الإيراني – العراقي فادعاء آغري بان وجود قواعد حزب العمال مقتصر على مناطق جبلية وعرة في كردستان العراق ما هو سوى محاولة مكشوفة من الكاتب لتسويق الادعاءات التركية وإسباغ المصداقية عليها لجهة اتهام حكومة إقليم كردستان بالتورط في دعم حزب العمال وإيواءه وتحريضه الأمر الذي تبرر من خلاله تركيا لنفسها اعتداءاتها السافرة على سيادة العراق واستهداف إقليم كردستان عبر القصف الجوي والمدفعي .
ويشبه الكاتب حزب العمال الكردستاني بحزب الله اللبناني في محاولة متهافتة لتشويه صورة حزب العمال أكثر فأكثر في حين أن الواقع يشير إلى أن حزب العدالة والتنمية الذي يغدق عليه الكاتب المدائح ويكتب المعلقات الممجدة له والمتغنية بسلميته وعقلانيته وديموقراطيته وحضاريته دفعة واحدة هو الأقرب شكلا ومضمونا إلى حزب الله إذ أنهما وبغض النظر عن اختلافهما المذهبي يصدران عن آيديولوجية دينية اسلاموية تتوسل العنف لفرض رؤيتها الأحادية وتحقيق مشروعها الظلامي سواء أتمثل ذلك في عنف الميليشيا التي أقامت دولة داخل الدولة كما هي حال حزب الله في لبنان أو تمثل في عنف الدولة كما هي حال حزب العدالة والتنمية الذي يمسك الآن بمفاصل الدولة التركية عبر رئاستي الجمهورية والوزراء والذي يزايد على الجيش التركي لجهة اعتماد الخيارات العسكرية الدموية للتعامل مع حزب العمال والقضية الكردية بصورة عامة فلا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة حزب العمال بحزب الله ذلك أن حزب العمال وهو حزب قومي يساري يمثل قضية وطنية عادلة لقرابة ثلاثين مليون كردي في تركيا وهو ما فتئ يطلق مبادرات السلام والحوار مع أنقرة بغية حل القضية الكردية ديموقراطيا فضلا عن إعلاناته المتكررة لوقف النار مع تركيا وآخرها لا زال قائما من جانب الحزب منذ أواخر 2006 رغم إصرار تركيا حكومة وجيشا على عدم التجاوب مع كل هذه المبادرات والعروض السلمية الكردية إلا أن الحزب مع ذلك ظل مصرا على المضي في نهجه السلمي الديموقراطي مع احتفاظه بحقه في الدفاع عن النفس في وجه الحملات العسكرية التركية الشرسة الهادفة إلى وأد طروحات الحزب الحوارية ومبادراته السلمية ودفعه نحو التطرف والتخلي عن خياره السلمي الديموقراطي لحل القضية الكردية وعليه فحزب العمال ليس كحزب الله مجرد أداة لنشر الحرب والفوضى والدمار بما يخدم أجندة المحور الإيراني – السوري في جعل لبنان ساحة للتوتير وتصفية الحسابات مع المجتمع الدولي بل هو حركة سياسية براغماتية مسؤولة أمام شعبها وتسعى جاهدة لحل سلمي وعادل للقضية الكردية في إطار تركيا ديموقراطية تعددية وهذا ما يدحض البروباغندا التركية الكاذبة الساعية إلى أبلسة الحركة الكردية وفي مقدمها حزب العمال وتصويره كحركة إرهابية تطوع صاحبنا السيد آغري ليزايد في مقاله هذا على الأتراك ليشبه هذه المرة حزب العمال بحزب الله .
ويمضي الكاتب في قلب الحقائق عبر تصوير تركيا وإيران وسورية كدول مسالمة مستقرة لا يعكر صفوها سوى الهوس الكردي بمعاداتها وتهديدها فيا لها من نكتة سمجة أن يصور ذلك الشعب الكردي المقهور في الدول المقتسمة لكردستان والذي كان ولا زال ضحية سياسات الإنكار والإبادة والأرض المحروقة والصهر القومي أن يصور كخطر وكتهديد يزعزع استقرار هذه الدول الديموقراطية الراشدة التي ابتليت بحسب آغري بالوباء الكردي ما يعرقل مسيرة هذه الدول في ترسيخ ديموقراطياتها ونهضاتها الحداثية ويهدد ودائما حسب آغري وحدة هذه الدول وسلامة أراضيها .
أما بالنسبة لقول الكاتب بان مضي الأكراد في معاداة كل من تركيا وإيران وسورية يعني الانتحار لكردستان العراق فواقع الحال أن هذه الدول الثلاث هي التي لا تتوانى عن العمل على نحر التجربة الديموقراطية الكردية في العراق بشتى الوسائل والسبل أو أقله عرقلتها واستهدافها بحجج واهية كما هي حال تركيا التي تستهدف منذ أسابيع الإقليم الكردي العراقي بغاراتها الجوية العشوائية وقصفها المدفعي الطائش بحجة وجود معاقل لحزب العمال في جبال كردستان العراق والكاتب يبرر لتركيا شروعها في هذا القصف الجوي لإقليم كردستان بدعوى أن حكومة العدالة والتنمية قد طرقت كل الأبواب دون جدوى ما آضطرها رغم حسها السلمي الديموقراطي المرهف والعالي طبعا لإعطاء الضوء الأخضر مكرهة للعسكر التركي للقيام بغارات جوية على معاقل “الإرهاب” الكردي عبر قصف القرى الكردية النائية واستهداف المدنيين الأبرياء من سكان تلك القرى المنكوبة وتدمير بيوتهم ومدارسهم ومستوصفاتهم ودور عبادتهم والكاتب لا يرى في كل هذه الارتكابات التي ترقى إلى سوية جرائم حرب لا يرى فيها السيد آغري سوى حوادث عارضة غير مقصودة تحدث خلال أي حرب مشابهة مع أن سجل الجيش التركي يقول عكس ذلك تماما وحسبنا الإشارة إلى قيام هذا الجيش بحرق وتدمير آلاف مؤلفة من القرى الكردية في كردستان تركيا بيد أن الضحايا الأكراد هم في النهاية وفق هذا “المنطق” مجرد أرقام لا تنال من قداسة المهمة التركية النبيلة في مكافحة الشر الكردي واجتثاثه .
وفي محاولة من الكاتب للتغطية والتمويه على حقيقة السياسات التركية المتربصة بكردستان العراق والساعية إلى إفشال التجربة الديموقراطية هناك يرى آغري بان حزب العمال هو الذي يسمم علاقات تركيا مع إقليم كردستان العراق ويؤلب الرأي العام التركي على الإقليم متناسيا سلسلة التحرشات والتدخلات التركية السافرة في شؤون الإقليم الكردي العراقي وسعي أنقرة الدؤوب إلى عرقلة تنفيذ المادة 140من الدستور العراقي الخاصة بتطبيع الأوضاع في المناطق الكردستانية المعربة والمقتطعة من الإقليم وفي مقدمها محافظة كركوك الغنية بالنفط التي لا تخفي تركيا مطامعها التوسعية فيها تحت يافطة حماية الأقلية التركمانية وليس سرا أن افتعال تركيا للأزمة الأخيرة مع الأكراد مؤخرا كان على وقع اقتراب موعد تنفيذ المادة 140 في نهاية العام المنصرم والتي تم تمديد المهلة الزمنية لتطبيقها لمدة ستة أشهر فأنقرة والحال هذه هي التي تناصب التجربة الكردية في العراق العداء وتعتبرها خطرا وجوديا يتهدد الجمهورية التركية خاصة وأنها قد اكتست الشرعية الدستورية والقانونية بوصف كردستان إقليما فيدراليا في إطار العراق الديموقراطي التعددي الذي اعتمد صيغة الاتحاد الاختياري الفيدرالي حلا للقضية الكردية في العراق وها هنا يكمن سر قلق أنقرة وتوجسها من تجربة إقليم كردستان العراق التي تقدم نموذجا ناجحا للحل الديموقراطي الفيدرالي للقضية الكردية وتشكل مثالا جاذبا للأكراد في الأجزاء الأخرى من كردستان بما يحفزهم للمضي في سعيهم المشروع لانتزاع الاعتراف بوجودهم ونيل حقوقهم على قدم المساواة مع القوميات الحاكمة في الدول المقتسمة لبلادهم كردستان .