الرئيسية » مقالات » في فضائل مقاومة الأنظمة القمعية و الإمبراطورية….

في فضائل مقاومة الأنظمة القمعية و الإمبراطورية….

يجب أن ننصف الرجل , فتماما كما كان القذافي في أيام صبيانيته قادرا على قول نصف الحقيقة عندما يتعلق الأمر بالآخرين فإن بشار أيضا يملك ذات الميزة خاصة عندما يشاكس النظام العربي الرسمي الذي يبتعد عنه شيئا فشيئا , وصف الرجل سلوك بقية الحكام العرب في حرب الصيف الماضي الإسرائيلية الأمريكية على لبنان بشكل أزعجهم , خاصة كمنحدرين من مجتمعات قبلية تمجد الذكورة , لكنه و لأنه في نهاية المطاف واحدا منهم , يفعل بنا كما يفعلون بشعوبهم , ما عدا اللهم بعض “القصف الإعلامي” , فإنه قد قال نصف الحقيقة , لكن الحقيقة أن الحكام العرب , بمن فيهم بشار نفسه , ليسو أنصاف رجال , إنهم رجال مصابون تماما بالعجز حتى درجة العنانة الكاملة العقلية و الجسدية , و لا أقول الجنسية , أمام أمريكا و إسرائيل , إنهم يستحقون علامة الصفر تماما كرجال عندما يتعلق الموضوع بمعابر غزة أو كهرباء أو ماء غزة..إننا اليوم ندخل عصر الإمبراطورية , و هذه الحالة من العنانة “الواقعية” ضرورية جدا للبقاء أو ربما للدخول في عصر الإمبراطورية..نقطة أخرى شاكس فيها الرئيس المهمش اليوم و الذي يبدو بامتياز خارج عصر الإمبراطورية هذا النظام العربي الذي يبحث عن أولوية البقاء في عصر الإمبراطورية , كانت حديثه ذات مرة عن معنى “الواقعية” في السياسة , حتى أنه عرفها “تعريفا ثورجيا” بأنها تغييرية و ليس فقط مجرد قبول بالواقع ( رغم أنه و إعلامه يروج لذات “الواقعية” عندما يتعلق الموضوع بالمواطنين السوريين في مواجهة قهر نظامه و نفس فضائل القبول بالواقع كما هو , كما يريده بشار ) , بالفعل فعندما يكون الواقع مأساويا تبدو السياسة باعتبارها انحناء واقعيا أمام الواقع , كتبرير للواقع و من ثم تكريسا له و أخيرا كتمجيد للقوة السائدة , تبدو مثل القبول بحقيقة أننا جميعا كبشر محكومون بالموت , إن هذا المستوى من القدرية , التي تقوم على التكيف مع واقع بائس يحتاج بالفعل إلى منح هذا الواقع , تماما كحالة الموت , صفة قاطعة من الحتمية , هكذا تتحول عقيدة النيو ليبرالية إلى دين جديد , حتمي كالموت تماما , لأنه بالنسبة للملايين من الناس لا يعني حتى حياة مقبولة بمقاييس معقولة..بالفعل فالنخبة تبحث لها عن مكان في عصر الإمبراطورية , حتى بشار نفسه لا تقل رغبته عن الخدمة تحت راية الإمبراطورية الظافرة عن من ينتقده من اليمين النيو ليبرالي , حتى أنه أكثر ليبرالية منهم في مجال الاقتصاد , لكنه , ليس كرجل , بل كنظام ينتمي إلى عصر قضى و انتهى , إنه محكوم أولا بتنامي ضعفه في مواجهة تقدم الإمبراطورية قبل أن يلحق به مصير صدام , هذا ببساطة لأن بشار لا يمكنه , تماما كما في حالة صدام , أن يتنازل عن جلده , سيبقى حتى لحظة سقوطه المحتوم يعتقد أن شيئا ما سيحدث لينقذ جلده هذا , يبدو أن هذا النوع من خداع الذات جزء من المرض الروحي الذي يصيب كل ديكتاتور , إنه سيبقى حتى تلك اللحظة الأخيرة مجرد ديكتاتور فاسد طفيلي , أثبتت تجربة صدام أن هذه الطبقة من البشر تشعر بضعفها أمام الغزو القادم من وراء الحدود بقدرية أيضا و بعجز طبيعيين بسبب وضعيتها الخاصة و أنه في نفس الوقت لم يخطر ببالها عن جد أن تنظر قليلا إلى الوراء حيث يقبع شعب بأكمله وراء القضبان التي أقاموها بجد عبر عقود من القمع المنهجي المنظم , إنهم عاجزون عن ملاحظة وجود الناس..الإمبراطورية التي تستشعر بقوتها القائمة أصلا على غياب كلمة لا حازمة من ضحاياها الفعليين و غياب الإحساس بالخطر لدى ضحاياها القادمين لا تقبل بأقل من الاستسلام غير المشروط , يومها طالب بوش صدام بمغادرة العراق , لا يمكن في عهد الإمبراطورية القبول بأقل من العنانة الكاملة إذا تعلق الموضوع بمقاومتها , ليس فقط فعل اللسان الخالي من الخطر يبدو ثقيلا على كبار جنرالات البنتاغون و موظفي وزارة الخارجية في واشنطن , حتى مجرد وجود من لا يمجد الإمبراطورية لا يحتمل هناك , هذا لا يعني ألا نستمر بالصراع مع نظام بشار محاولين إسقاطه بضربة من تحت , بيد الجماهير قالبين الطاولة على استبداده و فساده أولا و على سادة الإمبراطورية في نفس الوقت و مختصرين الكثير من الآلام و المعاناة و ربما الدماء..تعترف النخبة أنها تتكيف مع عصر الإمبراطورية , لا داعي للخجل , و تتحول بسرعة للتعبد بدينها الجديد و لتتلو علينا بخشوع وصاياه العشرة , خصخصة كل شيء في حياتنا و الامتثال لأوامر رأس المال الخارجي , سياسيا قبول إسرائيل كوجود كمدخل لقبولها كشرطي أساسي ينوب عن السيد القابع وراء البحار..هذا الدخول المظفر نسبيا للنخبة , أو الاستعداد للانضواء في خدمة الإمبراطورية , لا يعني الناس العاديين , تماما كما لم يعن وجودهم أي شيء لا لصدام و لا لبشار , إن هذا الدخول في عصر الإمبراطورية يقوم على القبول بالأمر الواقع , على تكريسه و على ضمان القبول السلبي الصامت المروض للناس تجاهه لكن هذه المرة خارج إطار البيروقراطية الحاكمة المحلية , إنها ستلعب نفس دور هذه البيروقراطية و لو أنها تدعي أنها ستكون أكثر “شفافية” و ذلك بعد أن تعيد بناء مقاربتها لقضايا الوجود و لخياراتها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية , موقفها من “عملية السلام” , باختصار كل شيء هذه المرة وفقا لمركزية مهمة الانضواء تحت الإمبراطورية , يا له من موقف “نقدي” جذري للواقع السائد , و للقوى المهيمنة ! سيزداد ضعف بشار حتى يدخل تماما عصر الإمبراطورية وفقا لشروط مركزها أو يسقط غير مأسوف على شبابه , هذه الأنظمة مهترئة و بالتالي أضعف من أن تستمر في الوجود تحت ضغوط هائلة , و ستستمر عملية إحلال قوى مخلصة للإمبراطورية في كل مكان , لكن الناس أمثالي الذين يتلقون من جديد وعودا بالمن و السلوى سيحصلون على رواتب أقل و حماية اجتماعية أقل و رعاية صحية “مخصخصة” أي عمليا لا شيء و في النهاية سيقال له أنه يحيا على نحو أفضل و سيطلب إليه أن يذهب لينتخب من يحكمه بين ملاك التلفزيونات الأرضية و الفضائية و أصحاب الصحف الكبرى , و هم في نفس الوقت بالمناسبة أصحاب التوكيلات الأجنبية و الفنادق و بعض المصانع و غالبا حتى الأرض التي نمشي عليها أو من زعماء الطوائف و العشائر المتوجين كأباطرة أو قياصرة في “نطاق نفوذهم” الطائفي أو العشائري , إن عصر الإمبراطورية قادم , لن يوقفه شيء سوى لا عالية حازمة أكثر منها صاخبة , لها و لكل من يريد أن يغيب صوتنا , لتلك الأنظمة المتهالكة التي أدمنت قهرنا و قمعنا و نهبنا , لكل من يريد أن يقنعنا بفضائل السمع و الطاعة لقوى الأمر الواقع و طأطأة الرؤوس أمامها , ليس أمامنا إلا أن نقاوم , إن اللا صعبة و سهلة في نفس الوقت , لكنها تصبح حاسمة فقط إذا كانت جماعية , و لكنها في نهاية المطاف الوسيلة الوحيدة فعلا لعالم مختلف , لعالمنا بالفعل…….