الرئيسية » مقالات » الأنفال صفحة مظلمة من التاريخ العراقي ( لا ) لتكرارها

الأنفال صفحة مظلمة من التاريخ العراقي ( لا ) لتكرارها

اوسلو

أصدقائي وأقراني من الجيل العراقي الذي تعدى عمره النصف قرن من السنين تتراكم في مخيلتهم مشاهد اليمة قاسية تبدو عصية على النسيان ، مهما توالت السنون ، وتباعدت المسافات فستظل تلك الحقبة تمثل أكثر مراحل التاريخ المعاصر إيلاماً . لكن بغية صياغة الماضي المؤلم الى الحاضر القائم لا بد من اعادة تشكيل منظومة المفاهيم السابقة برمتها ، وإعطاء المفردات معاني لكي تصبح مفهومة في الزمن الراهن .
إن خيوط الحدث الواحد تتشابك في عدة عقد وليس من اليسير التطرق اليها ووضعها في إطار موحد ،
لكن يمكن الركون الى حقيقة مفادها ان المحطات الكئيبة او النقاط السوداء التي تراكمت على صفحات التاريخ العراقي المعاصر ، كانت إفراز تراكمي للفكر الأديولوجي القومي الذي طغى على المشهد العراقي ودون منافسة من قوى موازية ، وتتجلى هذه المرحلة اكثر وضوحاً بعد انهيار حكم عبد الكريم قاسم تحت سطوة الضباط الأحرار ذوي الفكر القومي وحزب البعث العربي الأشتراكي في عام 1963 م .
وشكلت الأنفال إحدى جرائم العصر وتتكشف خيوط هذه الجريمة يوماً بعد آخر كلما اكتشفت مقابر جماعية طمر في ثناياها ضحايا وهم أحياء ، وجريرتهم انهم أكراد وأغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ . واليوم يمضي عقدين من الزمن على تلك الجريمة ، ويشاهد العالم من الفضائيات الكردية نقل رفات المجموعات المؤنفلة من الضحايا الى مثواهم الأخير في موكب مهيب لكي توارى الثرى في أديم أرض كردستان .

إن الكتابة عن تلك الذكريات الأليمة ليس من اجل نكأ الجروح القديمة ، لكن كل ما نصبو اليه هو ألا تتكرر تلك المآسي .
يقول الأستاذ مسعود البارزاني : ما زالت هناك أطراف تريد تكرار عمليات أنفال الكورد فيما لو سنحت لها الفرصة .. لكن حلمهم هذا قد ولى زمانه لا يمكن لأي طرف ولا لأي أحد ان يعيد هذه الجريمة بحق شعبنا ..
بنظري ، إن الذهنية العسكرية في علاج المعضلات العراقية بقيت متلازمة منذ انبثاق العهد الوطني الملكي ، وظلت المؤسسة العسكرية التي تتحين الفرص للأستحواذ على مقاليد الحكم لتحقق أجندتها التي كانت تتمحور حول الفكر القومي العروبي ، والذي تأثر جوانب فكرية منها بالفكر النازي لاسيما في مسألة حل مسألة الأقليات العرقية ومسألة الأكراد على وجه الخصوص . لقد افلح الضباط الأحرار في ثورة 14 تموز 1958 في السيطرة على مقاليد الحكم ، وقد حاول المرحوم عبد الكريم قاسم بترجيح كفة الهوية العراقية قبل الهوية العربية ، ولكنه أخطأ في في نهاية المطاف في التعامل مع الشأن الكردي ، فجرد حملات عسكرية على الأكراد ، وكانت هذه المحطة الرئيسية التي قوضت حكمه وأدخلت العراق في دوامة الأنقلابات العسكرية ، وآخرها كان هيمنة حزب البعث على مقاليد الأمور في تموز 1968 وبعد عشرين سنة من حكم البعث وقعت مآسي الأنفال والتي أطلق عليها في حينها مصطلح (عمليات الأنفال البطولية ) لكنها كانت في جوهرها عمليات للأبادة الجماعية ، وظاهرة جلية للتطهير العرقي .
إن المراقب للأحداث العراقية في خمسين سنة او اكثر الماضية ، يرى ان الحملات العسكرية التي جردت على الشعب الكردي ، كان يجمعها عامل مشترك واحد وهو : ان الأكراد يتمادون في مطاليبهم وإنهم يطلبون اكثر مما يستحقون . إن هذه الجدلية قد تكررت ، وكل الحروب التي شنت على الأكراد كانت تحت هذه المقولة .
إن الشعب الكردي كبقية شعوب الأرض من حقه تقرير مصيره ، واليوم وهو يتمتع بحكم ذاتي واسع في اقليم كردستان يبرهن هذا الشعب على انه شعب مجد ومثابر يحب الحياة ومواكب على العمل بغية تطوير الأقليم وإضفاء معالم التقدم المدني والحضاري لهذه البقعة من الأرض . لكن يبدو ان حكومتنا المركزية في بغداد ، واياً كانت التأويلات ، تحاول تصور الأمور كالسابق بأن الأكراد يطلبون أكثر مما يستحقون . إن كان ذلك بمحاولات تعطيل عقود النفط التي ابرمتها الشركات مع حكومة اقليم كردستان ، او عبر عرقلة تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي حول قضية كركوك او ما يخص رواتب قوات البيشمركة .
لقد حفل المشهد العراقي باستقطابات واصطفافات قومية ودينية ومذهبية ، وكلها سببت للعراقيين الماسي تلو المآسي ولم يجن منها الشعب العراقي سوى الحروب والويلات وكان آخرها الأستقطاب المذهبي الذي سحب كثير من مدن العراق الى مستنقع لنموذج من الحرب الأهلية القذرة .
واليوم بعد تلك الصفحات المظلمة نتطلع الى صفحة عراقية ناصعة نظيفة نقية من تلك التخندقات المغيبة للهوية العراقية والتي تعتبر المنارة الوضاءة لارشاد العراق للخروج من محنته ، لكننا اليوم نسمع أيضاً بالجهود الرامية الى تبني استقطاب قومي مهمته كبح المطاليب الكردية . أقول : لقد آن الأوان للتفكير ملياً بعقيلة عراقية جامعة بعيدة عن الأفكار الشمولية في الأحتواء او التصدي لكل ما يعارض الفكر الأيديولوجي إن كان قومياً او ديننياً او مذهبياً ، إن الفكر العراقي العلماني الديمقراطي المنير المتفتح على كل التكوينات العراقية الأثنية والدينية والمذهبية ، هو الكفيل بتجنب شعبنا من الويلات التي مرت وتمر عليه وإن شعبنا العراقي بكل أطيافه يقول كلمته اليوم : لا لأنفال ثانيـــة .
حبيب تومي / اوسلو