الرئيسية » مقالات » يوم يكون العض فيه في الجلال

يوم يكون العض فيه في الجلال

التشوش في التسمية الرسمية للمجموعات المسلحة “الضالة”، التي اشتبكت مع القوات الأمنية والجيش في مدينتي البصرة والناصرية يوم الجمعة 18 كانون الثاني، صورة من صور الارتباك في عمل أجهزة الحكومة الأمنية و المعلوماتية، وهو جانب من ضعف الأداء الحكومي العام، فمرة هي (جند السماء) وأخرى ( جماعة أحمد ابن الحسن اليماني)، ثم (أنصار المهدي).. لكن هذا التشوش لا يغم واقع انتشار هذه المجاميع في خمس من محافظات الوسط والجنوب، ولا قوتها التسليحية وحيازتها المادية، ولا الحصيلة الدموية للمعارك التي خلفت المئات من العراقيين قتلى وجرحى ومعتقلين وهاربين، جلهم من أبناء الطائفة الشيعية. وقد سبق وان تجاوزت أرقام أحداث منطقة الزركة في مدينة النجف أثناء أيام عاشوراء العام الماضي أعداد هؤلاء الضحايا في كلتا المدينتين، ووُصِف المقموعون حينها من قبل الأجهزة الرسمية، بذات التسمية ” فئات ضالة أو منحرفة”. مع ان هناك رأيا هاما يقر بصعوبة التسليم بمن يفرق بين الضال والمهتدي في ظل التشتت العقائدي الحالي.

ان أحداث عاشوراء الدامية تلك، تؤشر الى المسؤولية الجسيمة التي تلقى على عاتق المراجع الدينية والحكومية العديدة، خصوصا من تعمد منها من دوافع أنانية وضيقة، ودون اعتبار للعواقب الاجتماعية الضارة، الى تسييس الطوائف والمشاعر الدينية وخلق الميليشيات المسلحة، لتكون جسرا الى السلطة السياسية والاقتصادية. وهذا ما سهل لهذه المجاميع المسلحة ولغيرها الانتشار وكسب قطاعات تتباين في وعيها وانتمائها الاجتماعي، تحت غطاء التدين ومحبة أهل البيت.

وقد يكون مفيدا التذكير بان الطوائف السنية الخليجية المتزمة المتطرفة، لا تزال تتجرع سموم العقارب التي آوتها و ربتها فكرا ورعتها مالا طوال العقود الأربعة الماضية، بعد ان عادت إليها من حظائرها في الباكستان وأفغانستان، أجسادا مفخخة بالموت، ممسوخة الإيمان و الضمير. وكانت تلك الطوائف ولتخفيف وطء مسؤوليتها عن انحراف وضلالة الشباب المسلم المغرر بهم، قد منت نفسها بالإدعاء بأن هؤلاء الشباب قد تلقوا شحنة إيمانية زائدة، فوقعوا في محظور الضلالة!.. فهل ستكون هناك عودة بعد حين، تقول فيها التكوينات الشيعية والمراجع الدينية العليا؛ لقد أعطيناهم شحنة إيمانية عاشورية زائدة أيضا؟. وعند ذاك سيكون “العض في الجلال”.

ان خواء الوعي، والتدني المعرفي الذي خلفه النظام الدكتاتوري السابق بين أوساط واسعة من أبناء شعبنا، استثمرا بمستويات غير مسبوقة لتسعير حدة المشاعر المذهبية، والنفخ والغلو في مظاهر الاحتفاء في أيام عاشوراء وغيرها من المناسبات الدينية التي ازدحم بها التقويم العراقي، كارتداء الأكفان، وجرح فروة الرأس وتحفيز نزيف الدم منها، وجلد الظهور بالسلاسل، وسلخ الصدور باللطم، والاتشاح المبالغ به بالسواد، والزحف على الركب، وكرنفالات حمل الهودج الآسيوي المزوق. كما أن واقعا غريبا كهذا لابد وان يمتد بساطا احمر خارج الحدود للمتربصين بالسخاء الحاتمي لإعمال مزيد من محاولات تمزيق لحمة العراقيين وتعميق تخلفهم. وبذلك “تتضافر” الجهود الخارجية والداخلية لتوفر البيئة الحاضنة للميليشيات المسلحة و المجاميع التي باتت تفصل المنقذ المهدوي المنتظر وفق مقاس ومصالح قادتها.

إن من المسيء للمشاعر الإنسانية والدينية، ان تتحول المراسيم الإحتفائية في المناسبات الدينية المقدسة، الى التظاهر بالإيمان والتعبد وسط الشوارع والساحات العامة و استعراض للقوة، وان تتحول أيامها ولياليها الى مسارح اقتتال دموي ومناسبات بذخ فاحش، وكل ذلك في الوقت الذي ينوء فيه البلد بملايين الأيتام والأرامل، وملايين اخرى من الأميات والأميين والمهجرين والمهاجرين، ومن نكد البطالة والفاقة و شحة العيش المقبول، ولا نقول الكريم.