الرئيسية » مقالات » هل يمكن تحديد فترة ظهور الديانة الأيزيدية بين البشر ؟

هل يمكن تحديد فترة ظهور الديانة الأيزيدية بين البشر ؟

ظهور العقائد بين البشر يتزامن مع تباشير الوجود البشري ، يتنوع حسب مدارك الناس وعقلياتهم في كل زمان ، وليس بالضرورة ضمن تلك المجتمعات وفي جميع الحقب الزمانية أن يبرز من بين مجاميعها الرسول أو النبي الذي يدعو الى عبادة الإله ( الله الذي نعرفه بالخالق الكبير ) ، فهناك حركات قادها مصلحين أو مفكرين أو معلمين أو فلاسفة لم يزعم منهم انه نبي مرسل أو رسول يوحى اليه ، لم يزعم الكثير من المفكرين والمصلحين انه يتصل بالله بشكل مباشر أو غير مباشر ، ولكل من هؤلاء رؤيته وفلسفته الدينية وإطار عقيدته التي يؤسس عليها العلاقة بين الخالق والمخلوق ، ما يدفع الإنسان للانضواء تحت تلك الحركات في بدايات الحياة البشرية ، لحاجته النفسية الماسة للانضواء تحت رؤى تملأ داخله استقرارا ، لتطمئن روحه من خلال تلك العلاقة غير المرئية وغير الملموسة ماديا ، وما يدفعه أيضا وجود تلك الظواهر التي يعجز عن إدراكها حينها العقل البشري ، فيندفع يبحث عن الحلول ، و يدعو للتأمل في ظاهرة معينة من تلك الظواهر الروحية منها أو الكونية ، المادية أو المعنوية ، فقد ظهر بعض الحكماء والمفكرين والمعلمين والفلاسفة والمرشدين والحكماء والمصلحين ، الذين صاروا قدوة ضمن مجتمعاتهم في زمانهم ، وتركوا أثرا إصلاحيا وتربويا ، من خلال تلك الأفكار والعقائد والتعاليم ، وانتشرت تعاليمهم بين البشر ضمن حقب زمنية محددة وفي أماكن محددة أيضا ، لتصبح بالتالي دعواتهم عقائد تلتزم بها الملايين من الناس ، تبقى تلك الدعوات والعقائد متوقدة حتى تحل دعوة أخرى تتناسب مع التطور العقلي والإدراك الكلي للبشر مع الزمن ، تلك العقائد جميعها كانت تدعو لقيم نبيلة وتطويع للنفس البشرية بأتجاه الخير ، وسلوك مادي وتهذيب معنوي للنفس البشرية بما تعتقد إنها الطريق القويم الذي يهذب أرواحها ويضمن لها الخلاص ، ويوصلها الى الاستقرار والسلوك القويم ، كما كانت تدعو لتقديس الكائن الأعلى والرب والروح المسيطرة والإله الذي يرتبط بظاهرة من ظواهر الكون أو الحياة البشرية المتعددة ، مع أن وجود ظواهر حسية عديدة بين البشر تدعو للتأمل والتفكير والحيرة مثل ظاهرة الحياة والموت والشمس والليل والنهار ،ولهذا فأن جميع الديانات البشرية لم تكن تخلو من معالجة تلك الظواهر وعبادتها والخضوع اليها أو اعتبارها جزء من منظومة المقدسات والأشكال الغرائبية التي تحير العقل البشري ، والمعجزات التي لايدركها سوى الإله الكبير .

وكان السؤال الملح دوما بين البشر يبحث عن صانع العالم ، المهيمن والقادر ، وتتشظى الأسئلة عن الخوارق والظواهر التي لايجد لها الإنسان تفسيرا ، تبحث عن المسيطر على مقدرات الكون وشؤونه ، بالإضافة الى عطش الإنسان الفطري لتحقيق العدالة والانتصار على الظلم والباطل لحساب العدل و الحق ، وهي غاية أساسية تسعى لها كل تلك الحركات والديانات التي كانت والتي حلت من بعدها ، مع وجود التفاوت في النظرة للمقدس أو مفاهيم العدالة والطقوس التي تتأصل في عمق النفس البشرية ، وسطوة المعابد ورجل الدين .

وبالتأكيد كان الانقسام بين البشر واضحا وواقعا ، بين من يعتقد مؤمنا بكل تلك الدعوات التي سادت ، وبين من ينكر حقيقتها ، مع أن الجانب الأول هم الأكثر ، بالنظر للميل النفسي للإنسان للاعتقاد بالإله والإيمان بتلك الحركات وتعاليمها النازعة للخير والسلام وتحقيق العدالة .

يقول ويل ديورانت في كتابه (دروس التاريخ) في بحثه حول التاريخ والدين: ( للدين مئة روح، كلُّ شيء إذا قضي عليه في المرة الأولى، فإنّه سوف يموت وإلى الأبد، إلاّ الدين فإنّه لو قضي عليه مئة مرة، فإنّه رغم ذلك سيظهر وتنبعث فيه الحياة بعد ذلك).

لأن الدين عقيدة روحية والتزامات تتعلق بأعماق النفس البشرية ، مهما كانت او أينما توجهت

يخطئ كثيراً من يتصور أنه قادر على معرفة الحقيقة الكاملة لمعتقدات وديانات هذا العالم. لأن أكثر الأساطير والخرافات والشوائب التي امتزجت، وما تزال مع الحقائق، حتى يمكن أن نقول انه كثيرا ما تضيع الفلسفات والأسس والأصول والمثل التي قامت عليها منذ البداية ، ويعتبر الشرق القديم مرتعا ومنبتا للعديد من تلك الديانات والدعوات التي حلت ، بالنظر لبزوغ أفكار ودعوات العديد من المفكرين ضمن حيز تلك المنطقة ، حيث أن الحياة في تلك المناطق تدفع بالإلهام لكثير من المفكرين والفلاسفة الذين كانوا يؤمنون بالمثل العليا، ويكرسون أنفسهم للدفاع عما يؤمنون به حتى لو ضحوا بأنفسهم في هذا السبيل ، وليس اعتباطا أن تتشكل كل الديانات وأكثر الحركات الروحية والفلسفية عمقا ضمن هذه المنطقة ، فقد ظهرت الديانات الأولى ، كما ظهرت الايزيدية والمندائية واليهودية والزرادشتية والبوذية والمسيحية والإسلام ، بالإضافة الى الحركات الدينية المختلفة .

وفي ذلك الشرق نبتت الحضارات المختلفة والمعتقدات المتباينة ونمت وترعرعت بحثاً عن معرفة الخلق والخالق. حيث حاول الإنسان وهو يبني حياته، ويمكن تأمين أمور نفسه لحاضره ومستقبله، أن يجد الأجوبة لكل الأسئلة التي تختلج بها روحه ، وهو يرى الكون المحيط به ، فيقع تحت لجة السؤال في معرفة المجهول منه ، وأن يتعرف على أسرار ذلك الكون الواسع والعميق ، حين لم يكن قد عرف بعد الفروض والمقدمات والبراهين والنتائج. واجتهد هذا الإنسان في أن يبتكر بخياله الخصب أسباباً ومقدمات لما يرى ، وتفسيرات للوجود الذي يحيط به. كذلك ابتكر المعاني ورمّز لها برموز مختلفة ، وخلق لها أبطالاً يقومون بالخوارق من الأعمال، كما ابتكر خياله أعداء لهؤلاء الأبطال، ليتم تشكيل عنصر الصراع الأبدي بين الخير والشر.

يمكن أن نعتبر إن اللحظة السومرية تظل لحظة نادرة لأنها لحظة الانعطاف من عمق التاريخ السحيق إلى التاريخ نفسه ، ولهذا فقد عكس الدين السومري إيقاع بيئته الطبيعية، ومن يتمعن في مفردات الديانات السومرية يجد أثرا للماء والأعشاب والأنهار والسماء الصافية وتلك البيئة المائية المتنوعة والساحرة والزراعية المعطاء المتمثلة بالخصب والنماء والربيع ، والتي كانت تجسيدا للآلهة المتنوعة التي تتوزع على مفردات تلك الطبيعة الضاجة في نسيج تلك الديانات ، ولكن ذلك لم يمنع السومريين من شحذ إحساسهم الروحي العميق واستنبطانهم العقلي المرهق لتصور إله واحد للكون هو (آن)، أو أنها تتصور إله واحد للأرض هو (أنكي)، أو تتصور إله كبير لسومر هو (إنليل) تخضع له كل الإلهة الأخرى .

عكس الدين السومري كل اختلاجات الإنسان الروحية ، وعكست تلك الاختلاجات المتزامنة مع عصور ما قبل التاريخ تلك الأحاسيس البشرية ، ونتيجة لتلك الانعكاسات المتبادلة والمنسجمة بين الديانة السومرية والإنسان ، فقد أنتجت تلك العلاقة أعلى تجليات الروح الإنسانية ونظمت علاقتها وفق سياق متطور وغني ومنظم .

وإذا اعتبرنا آدم وإبراهيم من الأنبياء المرسلين ، المكلفين من الإله الكبير الخالق الأزل ، فأنه يمكن أعتبار الدين السومري بمثابة (الدين الإصلاحي الأول) للبشر ، ونستطيع أن نستدل على تأثير تلك الديانة في المجتمع السومري وما يجاوره ، من خلال ذلك الأرث الحضاري المتنوع الذي وصلنا ، بالإضافة الى ما أنتجته المؤسسة الدينية من تأثير على الإنسان وعلى العلاقات الداخلية والخارجية للمجتمع ، وبعد أن كان المجتمع قبلها يعاني من عدم نضج المؤسسة الدينية ( وفق نظرة روحية تتعلق بالعلاقات الدينية للإنسان ) ، وعدم تبلور ملامح وترابط وانسجام تلك الأفكار الدينية ، تم ترتيب الانسجام والتكامل بينها بالشكل الذي وصلنا وتميز عن غيره من الأنظمة من النواحي المثولوجية أو اللاهوتية أو الطقسية ، ومن خلال المعابد والأمكنة المقدسة أيضا .

يقول الباحث الأنثربولوجي خزعل الماجدي في مقالة له بعنوان المندائية والغنوصية : ((هناك أربع ديانـات غنوصية ظهرت كلها في العراق القديم (وادي الرافدين)، فقد كان العراق القديم بعد سقوط بابل مرجلا هائلا تغلي وتتخمر فيه عقائد وأديان الغنوص والهرمسيات، ولو أن التاريخ قيض للعراق آنذاك مدرسة كبرى (مثل الإسكندرية في مصر) ، لكانت عقائد وأديان العراق والشرق المدفونة في طيات الزمن قد ظهرت وتفاعلت وكونت أعظم تيارات الثقافة والمعرفة. ورغم ذلك .. ورغم تمزق الهوية الدينية والروحية بل والقومية للعراق القديم لكنه أظهر لنا أربع ديانات غنوصية متميزة ثلاثة منه ظهرت قبل المسيحية وواحدة بعدها وهي (المندائية، الحرانية، الإيزيدية، المانوية) .

لم تكن الديانة المندائية وليدة العصر الهيلنستي بل هي ذات جذور أبعد من هذا العصر فهي ترتبط بوشائج عميقة مع ديانة الأسرار السومرية خصوصا بعد أن اختفت الديانة السومرية )) /www.mandaee.com

يصنف الباحث خزعل الماجدي الديانات ذات الجذور القديمة ، في أشارة الى قدم الديانات المندائية والحرانية والأيزيدية التي كانت قبل المسيحية ، لأن المانوية حلت بعد المسيحية ، وتلك الأشارة من باحث متعمق في البحوث عن الحضارات القديمة في العراق ، أشارة وشهادة لسبق الديانة الأيزيدية على المسيحية ، وتفنيد لكل التقولات التي تحاول أن تبرقع تلك الديانة القديمة بديانات حلت بعدها ، بالإضافة الى الاختلافات البينة والواضحة بين الأيزيدية واليهودية .

فاليهودية معتقد يختلف عن معظم المعتقدات والأديان ، وهي ديانة مغلقة ، فلا يحق لأي إنسان أن يعتنق اليهودية . فاليهود لا يقبلون في صفوفهم إنسانا جديدا يعتنق دينهم. ولكي يكون الإنسان يهودياً يجب أن يكون من أم يهودية .

بينما تتعارض تلك الضوابط كليا مع عقيدة الأيزيدية التي تتمسك بالتزام الأب والأم ، ما يشكل سببا آخر يبعد اليزيدية عن اليهودية ،ويفند تلك التقولات التي تريد اعتبارها حلت بعدها .

فالغنوصية (أو العارفية) هي مدرسة عقائدية أو فلسفية حلولية نشأت حوالي القرن الأول الميلادي ، ويعتقد البعض أن لها جذور وبدايات تعود إلى القرون الثلاث الأخيرة قبل الميلاد ،

أما الحرانية فهي ديانة تقوم على تقديس الكواكب و النجوم كانت منتشرة في منطقة حران شمال سورية و جنوب تركيا. تختلف هذه الديانة عن الديانة الصابئية المندائية الموجودة في العراق

والمانوية نسبة الى ماني المولود في بابل 216 م ، حاول ماني إقامة صلة بين ديانته والديانة المسيحية وكذلك البوذية والزرادشتية، ولذلك فهو يعتبر كلاً من بوذا وزرادشت ويسوع أسلافاً له وسنتطرق له في البحث بشيء من الإيجاز .

ولكن هذه الديانة السومرية تركت أثار ولمسات على مجتمعات وديانات ، ولعل الديانة الأيزيدية من بين أكثر تلك الديانات من تتمسك بتلك الآثار القديمة ، ومن بين الديانات التي تدخل طقوس وتفاصيل عديدة في الميثولوجيا التي تتمسك بها ، ومن يدقق في هذا الجانب يجد العديد من تلك الروابط ما يجمع الديانات القديمة بالأيزيدية ، وأن دل هذا على شيء فأنه يدل على تمسك الأيزيدية بتلك الطقوس والمقدسات الموروثة ،حتى يمكن أن نتلمس تلك الفوارق والفواصل بينها وبين الديانات التي تلتها ، ومن تسليط الضوء على منظومات الدين السومري الرئيسية الثلاث (المعتقد، الأسطورة، الطقوس)، عبر عدة محاور ضمن المعتقدات الدينية السومرية (( النظام اللاهوتي لهذا الدين )) ، من خلال رؤية ومراجعة عن كيفية تشكيل المؤسسة الدينية السومرية ، وأيضا من خلال العقائد المتشابكة داخل جهاز المؤسسة الدينية الفعال والحيوي. ومن خلال الأيمان بعقيدة الخلود والعود الأبدي التي وضع السومريون أول بذورها ثم سادت فيما بعد في بعض الديانات والفلسفات والعقائد الروحية اللاحقة. ومن خلال الاعتقاد بعقيدة ما بعد الموت التي نشطها السومريون وأعطوها فكرتهم الخاصة عن علاقة الجسد بالروح بعد الموت، وشكل العالم الأسفل وقوانينه، ورأيهم في القيامة وبعث الأموات ، والتي نجدها واضحة كما هي لالبس فيها عند الأيزيدية .

يقينا نجد انه من غير المقبول أن تسود ديانات لاتؤمن بالحلول ولاتعتقد بعودة الحياة ، من أن تحل لاحقا ديانة كالأيزيدية تتمسك بتلك النظرة القديمة التي تمسكت بها الديانة السومرية من خلال تلك الديانات التي حلت بعدها ، حيث أن عقيدة الحلول والخلود تعتبر من مظاهر الديانة الأيزيدية ، وبجسد ذلك الأمر ما يعبر عن علاقة الجسد بالروح ، ولهذا فمن غير المعقول أن تتمسك عقيدة معينة بعقائد غابرة ، من غير أن تكون انبعاثا من تلك الديانات الغابرة ، أو امتدادا لتلك الديانات الغارقة في القدم .

بالإضافة الى تميز الأيزيدية عن غيرها من الديانات في تمسكها ببعض الطقوس السومرية التي تنفرد بها ، وهي على سبيل المثال لاالحصر مصاحبة طقس الموت بعزف حزين وأناشيد وتراتيل لسبقات يقوم بها القوال ( رجل الدين الأيزيدي ) حصرا تصاحب عملية الدفن ، أو احتفال الأيزيدية بعيد سرصالي الذي يعني انبعاث الحياة على الأرض من قبل الإلهة والذي كان أهل بابل يحتفلون به .

بالإضافة الى اقتطاع كمية من المنتج الزراعي يتم تخصيصها للمعابد المقدسة كما كان يفعل الفلاح السومري ، ولم يزل الأيزيدي حتى اليوم يرفد المكان المقدس في منطقة لالش بالزيتون وزيت الزيتون الذي يتم تصنيعه لإدامة اشتعال النار التي تضيء أروقة المكان المقدس بالرغم من كل التقنية الحديثة ودخول الكهرباء الى المعبد .

كما أن رقصة ( سما ) الأيزيدية، وهي طقس ديني يؤديه الرجال ، يتصدرهم الناسك الذي يلبس الحلة السوداء المقدسة ، ويمثل الرجال أشارة رمزية الى الملائكة السبعة ، ويدور الجميع مصحوبين بعزف على الناي والدفوف وترتيل لسبقات دينية يؤديها القوالين في تلك اللحظة ، وهذه الرقصة الدينية تتطابق تماما مع ما كان يؤديه كهان المعابد السومرية في أيام معينة من السنة وسط باحة المعابد ، حيث يترأس الكاهن الكبير مجموعة الكهنة وهم يؤدون تلك الرقصة الطقسية .

كما أن التقسيم الطبقي الديني في المجتمع الأيزيدي لم يكن معتمدا عند الديانات الكثيرة التي حلت بين البشر ، واقتصر على تلك المجتمعات والديانات القديمة ، وتلك التراتيبية الدينية لم تزل اليوم تحكم بطوق حديدي أسس المجتمع الأيزيدي .

ولعل من اللافت للنظر أن الأيزيدية امتدادا لتلك الديانات القديمة ليس لها نبي مرسل ، وإنما تعتقد بالعلاقة المباشرة بين الإله وبين المخلوق ، وأن التعليمات الدينية حلت عليهم منذ زمن آدم ونوح وإبراهيم ، وتناقلها رجال الدين في صدورهم بالنظر لحملات القتل والإبادة التي تعرضوا لها ، وشملت كل مقدساتهم .

كما تشير مسألة اعتقاد الأيزيدية بتقسيم شؤون الدنيا بين الملائكة السبعة عود ة الى تلك العقائد القديمة التي تنيط واجبا لكل آلهة من الصغار الذين يتلقون الأوامر من الاله الكبير .

بالإضافة الى ملامح التقشف والانقطاع عن أبسط متطلبات الحياة الاعتيادية عند الفقير الأيزيدي ، تتجاوز حتى على ماعند الزاهد والصوفي عند المسلمين والرهبان عند المسيحيين ورجل الدين المتفرغ للمعبد عند اليهود ، غير إن حالة الفقير وتقشفة عن الدنيا يتشابه مع حال المنقطع في المعابد السومرية والبابلية حين يضع نفسه في خدمة المعبد طوال حياته .


وكنا سابقا قد كتبنا عن الاختلاف بين الزرادشتية وبين الأيزيدية ، ولعل من بين أبرز تلك الاختلافات قضية الصوم التي تفرضها الأيزيدية وترفضها الزرادشتية ، إضافة الى تقديس النار في الزرادشتية وعدم اعتمادها في العبادة الأيزيدية ، والاعتقاد بقدرة طاؤوس ملك كجزء من الذات الإلهية وكملك من ملائكة الله وعدم اعتماده في الزرادشتية ، والعديد من الأمور التي تدلل على قدم الأيزيدية على الزرادشتية التي جاء بها زرادشت .

من الأمور الأساسية التي تشترك الديانات في معالجتها مسألة التكوين والخلق. حيث تتبلور المفاهيم المتعلقة بأصل الكون ونشوء الحياة وفي خلق الإنسان. وهذه تشكل الأساس الذي تستند عليه أي ديانة، العقائد التي تحدد صلة الإنسان بالخالق وبالكون وضمان ديمومة تلك الحياة ، وضوابط السلوك الإنساني. ويجري ذلك كله في إطار صلة العبد بالأله ، غير إن الايزيدية وهي اذ تختلف مع بقية العقائد والديانات التي حلت وسادت في المنطقة ، ووضوح تلك الأختلافات بالإضافة الى الاعتقاد بالحلول والتناسخ ، فثمة اشارة لاتقبل الجدل والتأويل من أنها تعبير فلسفي شامل أخذت منه كل الديانات التي حلت من عمق التاريخ ،غير أن هذا التطابق الجزئي لايراد له إن يظهر أو يتم بحثه ، مثل كل المعاني الفلسفية في الديانة الأيزيدية والتي اريد لها إلنسيان والموت والاندثار .

وحين يقول كتبة التاريخ أن الديانات التوحيدية الثلاث ابتدأت بسفر التكوين ، واشتركت في الإيمان بخلق الإله الواحد الأحد للكون في ستة أيام ، وفراغه من التكوين في اليوم السابع. فأن الحضارات القديمة اعتبرت قصة الخليقة البابلية المدونة بالخط المسماري على سبعة ألواح طينية، خير ماتم التعبير عن التكوين والخلق. وحوادثها تتسلسل من بدء الوجود بالمياه الهيولية الأولى حتى تفريد الإله مردوخ ونعته بالأسماء الخمسين التي تنقل إليه وحده سلطات الآلهة الكبار. وقد يرى الباحثون فيها نذر انتقال البشرية الى التوحيد ، بينما نجد كل تلك المعتقدات البدائية في الخلق وعدد أيام الخليقة والماء والتكوين ضمن نصوص الديانة الأيزيدية وسبقاتها الدينية ، حينها نتلمس سبب تمسك الايزيدية بتلك الأوقات والقصص المقدسة ، ولعل تشابه تلك القصص يدفع بمن يقول إن الايزيدية تعتمد مبدا النقل والتطابق في المبادئ الأساسية للدين ، غير انه يتناسى أو يغض النظر عن تمسك الأيزيدية في تعارضه مع ماجائت به الديانات من بعد من التناسخ والطبقات الدينية والعزف في المآتم وتقديس الشمس ورمزيتها وطقوس الوفاة .

كما نلاحظ أن أسلوب الوصف الأنتروبولوجي في دراسة الأنظمة والمؤسسات الدينية والعلاقات الاجتماعية للأيزيدية ، يعبر عن تمسكها بالقدم بوجود طقوس ومناسبات وأشارت بحاجة لتمحيص وتدقيق ، بالإضافة الى الافتقار البحثي العلمي والهادف ، والتنقيب الذي يبحث في ثنايا التأريخ المخفي والمطمور ، لكشف الحقيقة ولإظهار طبيعة المؤسسات الحضارية والدينية لهذه الديانة، ووصف أصحابها كأهل دين وكتاب ، بالرغم من عزوف جمعي عن متابعة الكتابات الدينية واللوائح المقدسة التي نال منها من لاحق أهل هذه الديانة بأقسى الأساليب من اجل ضياعها وأتلافها ، والتي يكتنف الصمت مرجعيات عديدة حول المصير الحقيقي لتلك الصحائف ، وعما أذا تم الاحتفاظ بشيء منها ، أو أمكانية استعادة ما بقي محفوظا ومتنقلا في صدور رجال الدين الأيزيدي .

وهناك من راسلني معتقدا أن الأيزيدية من الأحناف ، حيث عدّهم بعض الباحثين المعاصرين بحق، الحلقة المفقودة في سياق تطور الفكر الديني العربي قبل الإسلام. ولكن من هم الحنفاء؟ هل كان هؤلاء مجرّد أفراد موحدين بالله ، أو مجموعة تدعو إلى نبذ العبادات الجاهلية والابتعاد عن الأصنام، مثلما يرى العديد من المؤرخين والباحثين? أم أنهم كانوا فرقة دينية لها طقوسها العباديّة، وعمقها التوحيدي الخاص، كتبها، ورموزها أو أنبياؤها؟ وهل الحنفاء فرقة واحدة أم أكثر؟ وفي كل الحالات ما هي المصادر الفكرية الدينية التي استقى منها هؤلاء عقائدهم وصاغوا طقوسهم؟ هل الحنفاء هم نصارى الجزيرة العربية؟ أم أنهم فرقة من فرق اليهودية؟ أم أن هؤلاء ليسوا من اليهود ولا النصارى، وإنما كانوا تياراً دينياً وليداً استقى معارفه من محيطه الغني بالمذاهب والعبادات التوحيدية وصاغ مشروعه التوحيدي الخاص، الذي ينمو باتجاه استبدال التوحيد بالتعدد، على المستويين الديني والسياسي؟

جاء في سورة النساء 4: 125 وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَا تَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَا تَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً . وجاء في سورة آل عمران 3: 95 قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ . وجاء في سورة الأنعام 6: 161 قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً . وكلمة حنيف في اللغة العبرية والسريانية تعني نجساً أو مرتداً وُصِم بها العرب الذين هجروا عبادة الأصنام وارتدوا عن دين أسلافهم. وكان هؤلاء الزاهدون في آلهة العرب هم الذين أضاءوا الأفق .

وهناك من ينسب الأيزيدية الى ماني ، ماني هو أمير فرثي عاش في حوالي عام 200 بعد الميلاد في مدينة همذان الإيرانية. ومنذ نعومة أظفاره تركزت اهتماماته على الدين بشكل مطلق. وقد نشأ ماني في جنوبي بلاد بابل وفي وسط طائفة غنطوسية معمدانية هي الطائفة المندائية، وتلقى مؤثرات كانت حاسمة بالنسبة لمستقبله. لكنه سرعان ما هجر هذه الطائفة بعد أن أتاه الوحي كما أخبر .

وعندما وصل التفويض ببث الرسالة إلى العالم في سنة 240-241م. أعلن ماني نبوته، وقد اتخذ ماني فيما بعد الثنوية الإيرانية القديمة منطلقاً له، وهي تقوم على أساس فكرة الصراع المستمر بين الخير (أهرمزد) والشر (أهرمان) وقد واصلت الديانة المانوية انتشارها في عدة أماكن من العالم حيث وصلت إلى الأردن في حدود سنة 274م، وفي مصر قبل 261م، وقد أطلق المسلحون في العصر العباسي أتباع ماني تسمية الزنادقة، كما وجهت تهمة الزندقة إلى شخصيات كثيرة آنذاك.

كل الأديان السابقة سماوية في أصلها وفي بعدها ، متحدة في أهدافها، متكاملة في وظائفها، متصلة في مقاصدها، جاءت جميعاً بالهدى لبنى الإنسان. ولا يخالف أي دين في جوهره المبادئ الروحانية الخالدة التي أنزلت على الأنبياء والرسل السابقين، كل الديانات تدعو للخير والمحبة والتقرب الى الاله الكبير الخالق العظيم ، ولم تختلف عن بعض كثيرا وإنما تباينت تعاليمها وأحكامها وفقاً لمقتضيات عصرها ومتطلبات الرقي والحضارة والتطور الأنساني . وأتت بما يجدد الحياة في هياكل الأديان ، بمعنى تعزيز علاقة الإنسان بالدين ، وهيأت ما يزيل أسباب الخلاف والشقاق داخل المجتمع ، وأتت بما يقضي على بواعث ذلك التباعد على أسس روحية من خلال إيجاد سيطرة خفية وعميقة لطبقة رجال الدين تعيش وسط المجتمع ، وأظهرت ما يوفق بين العلم والدين وفق مفهوم سيطرة المرجعية السياسية منها والدينية المنسجمة والمتطابقة المواقف ، وباتت تنظم حياة الناس وفق مفاهيمها وفلسفتها وما يتناسب مع نظرتها للدين ، فأصدرت الفتاوى ونظمت الحقوق ، فساوت حقوق الرجال ولكنها غبنت حقوق النساء بزعم توطيد أركان المجتمع.

والأيزيدية من الديانات القديمة جداً وهي من بقايا الديانات الطبيعية ,التي ترجع أصولها إلى مراحل تاريخية سحيقة تمتد إلى مايسبق العصر السومري حينما بدأت المعتقدات الدينية تنحو نحو الظواهر الطبيعية , واعتبرت الشمس والقمر والنجوم والضوء والنار وكل ماله علاقة بالضياء من التجليات المقدسة , وللشمس منزلة خاصة ومتميزة حيث تعتبر إحدى أشكال تجليات الله وبهذا فإن الديانة الأيزيدية هي من الديانات الشمسانية التي انتشرت في بلاد الرافدين وسوريا وآسيا الصغرى والأناضول حيث انتشرت معابد الشمس في حمص وبعلبك وحلب والحضر وبابل وآشور والوركاء وماردين مرورًا بالمناطق التي تشمل أفغانستان والهند وحوض القفقاس ، ونلاحظ طراز القباب للمعابد والأضرحة الأيزيدية المتميز بأشكاله المنخرطة مع شعاع الشمس ، والتي لاتماثلها في شكل البناء أضرحة أو أماكن مقدسة ، وقد اكتشف الآثاريون العاملون في العراق معبد إيزيدا في منطقة الحلة بالعراق وهو ليس الوحيد حيث سبق وان اكتشف معبد مماثل بنفس الاسم في مناطق الموصل (نينوى).

وليس دون أساس أن يذكر المؤرخ اليوناني ( توفانيس ) في مدونته بأن الإمبراطور هرقليوس خيم بالقرب من مدينة ( يزدم ) وهي بالقرب من مدينة ( حدياب ) ويعتقد بأن ديانة القوم الذي يسكنونها في تلك الفترة كانت الأيزيدية .

وبالرغم من أن الأيزيدية ووفقا لسياقاتها التاريخية غارقة في القدم ومتمسكة في توحيد الله ، إلا إن هناك من يقول أن اليهودية أول ديانة توحيدية في التاريخ، غير أنه يعيد تأويلها بعكس منطوقها الظاهري. ويستثير فينا بالتالي ضرورة إعادة النظر من جديد في كل تاريخ البشرية، بل وفي اعتقاداتها واعتقاداتنا أيضاً. غير أن هناك دعوات صريحة تنفي صدقية النصوص الواردة في التوراة أو تكذيباً لها، هذا المنحى أو التوجه سيبحث في خباياها التي أودعها إياها كتبتها، (( ليستنتج أن التوراة ليست سوى مدونة للشعب المصري، الذي كانت قد وقعت بلاده تحت نير الغزاة البابليين، وللديانة الفرعونية التي كانت أول ديانة توحيدية في التاريخ ، وهي وجهة نظر قد يعوزها الكثير من الدلائل والأسانيد للإثبات .

غير انه وبإصرار واضح يبين لنا أن العبرانيين ليسوا سوى شعب خيالي وليس لهم أي حقيقة تاريخية. فهم أنفسهم المصريون بعد أن خسروا حضارتهم تحت وقع الغزاة، وليس موسى غير رعمسيس الأول، وليس هارون غير الفرعون حورمحب. بل إن إله التوراة ليس غير إله الفراعنة نفسه. ))

ولهذا نشير الى الغمط والشطب الذي حل بزوايا التاريخ ، ومن خلال هذا نتوجه بالدعوة لإعادة استقراء مفاصل التاريخ بتجرد ، ولعل ما يشير الى شيء من الأنصاف حين يكتب باحث عن الهرطقات وحركات الارتداد والزندقة في العصر الإسلامي فلا يشمل الأيزيدية الذين طالما ابتلوا بعقول حاقدة لاتحاول أن تتأني قبل أن تطلق عليهم كل أسلحة الدمار الشامل .

جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي ((574 -626هـ / 1178 -1229م)) أن دَاسِنُ: بالنون اسم جبل عظيم في شمالي الموصل من جانب دجلة الشرقي فيه خلق كثير من طوائف الأكراد يقال لهم: الداسنية.

وإذا كانت الداسنية هي الأيزيدية بعينها ، فما الذي يمنع ياقوت الحموي من قول الحقيقة ؟ ومتى كانت هذه الداسنية موجودة في تلك المناطق ؟

وتلك صحف إبراهيم الأولى التي نشرها وبشر بها ويتمسك الأيزيديون بتقديسها والزعم بانهم ورثتها والذين كرسوا حياتهم للحفاظ عليها .

فهل هي التي وردت في القرآن المجيد في سورة النجم (أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى*) .

أم إنها غير تلك المبادئ والحقائق التي يؤمن بها الايزيدية ؟ أم أنها مفقودة كما يقال من الشراح والفقهاء لم تصل إلينا ؟

يقول ابن كثير في تفسيره الصحف الأولى لإبراهيم (قَوْله تَعَالَى ” أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُف مُوسَى وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وَفَّى ” قَالَ سَعْد بْن جُبَيْر وَالثَّوْرِيّ أَيْ بَلَّغَ جَمِيع مَا أُمِرَ بِهِ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس ” وَفَّى ” لِلَّهِ بِالْبَلَاغِ وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر” وَفَّى ” مَا أُمِرَ بِهِ وَقَالَ قَتَادَة ” وَفَّى ” طَاعَة اللَّه وَأَدَّى رِسَالَته الى خَلْقه وَهَذَا الْقَوْل هُوَ اِخْتِيَار اِبْن جَرِير وَهُوَ يَشْمَل الَّذِي قَبْله وَيَشْهَد لَهُ قَوْله تَعَالَى” وَإِذْ اِبْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنَى جَاعِلُك لِلنَّاسِ إِمَامًا ” فَقَامَ بِجَمِيعِ الْأَوَامِر وَتَرَكَ جَمِيع النَّوَاهِي وَبَلَّغَ الرِّسَالَة عَلَى التَّمَام وَالْكَمَال فَاسْتَحَقَّ بِهَذَا أَنْ يَكُون لِلنَّاسِ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله وَأَقْوَاله وَأَفْعَاله قَالَ اللَّه تَعَالَى” ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْك أَنْ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . ) .

امافي تفسير الجلالين فيقول (” صُحُف “إبْرَاهِيم الَّذِي وَفَّى” تَمَّمَ مَا أُمِرَ بِهِ نَحْو “وَإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيم رَبّه بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهنَّ”) .

أما القرطبي فيقول : (” صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى ” [ الأعْلَى : 19 ] أَيْ لا تُؤْخَذ نَفْس بَدَلًا عَنْ أُخْرَى ; كَمَا قَالَ ” أَنْ لَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى ” وَخَصَّ صُحُف إِبْرَاهِيم وَمُوسَى بِالذِّكْرِ ; لأَنَّهُ كَانَ مَا بَيْن نُوح وَإِبْرَاهِيم يُؤْخَذ الرَّجُل بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ وَابْنه وَأَبِيهِ ) .

ويقول الطبري : ({ وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وَفَّى } يَقُول : وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وَفَّى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَا أُرْسِلَ بِهِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الَّذِي وَفَّى , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَفَاؤُهُ بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ رَبّه مِنْ تَبْلِيغ رِسَالَاته , وَهُوَ { ألا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }) .


سئل آباذرالغفاري الرسول الكريم (ص)عن صحف إبراهيم (ع) ؟ قال : كانت أمثالا كلها ومنها :- أيها الملك المسلط المبتلى إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض لكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم ، فأني لاأردها وان كانت من كافر او فاجر فجوره على نفسه .
– على العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ثلاث ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ،وساعة يفكر فيها في صنع الله تعالى ، وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وآخر ، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال من المطعم والمشرب .
– وعلى العاقل أن يكون ظاعنا إلا في ثلاث : تزود لمعاد ، أو مرقة لمعاش ، أو لذة في غير محرم .
– وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه ،مقبلا على شأنه ،حافظا للسانه ، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه .

ويقال أنها أمثال وحكم ومواعظ وتذكير بالمعاد والتوحيد والعبادات والذكر . غير أن هناك من يقول بأن القرآن والتوراة والزبور والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى ، جميعها منزلة من الله بعض منها كتباً أنزلها على أنبيائه ، لا يعرف أسماءها وعددها إلا الذي أنزلها سبحانه وتعالى .

وهذه الكتب كلها جاءت لتحقيق توحيد الله بإفراده بالعبادة وعمل الصالحات والنهي عن الشرك والإفساد في الأرض ، فأصل دعوة الأنبياء واحد وإن اختلفوا في الشرائع والأحكام ، وهناك من يقول أن هذه الصحف مفقودة ولا يعرف منها شيء.

وحيث إن آدم هو أول نبي ، ومن بعده النبي نوح عليهما السلام ، فيكون إبراهيم نبيا من بعدهما لأنه من سلالة نوح وعاش الفترة الزمنية التي تلي الطوفان .

غير انه لايدخل الشراح في تأويل أو تفصيل تلك الصحف الأولى ، ولانجد أحدا منهم يشير أشارة واضحة ووافية الى تلك الصحف التي جاء بها إبراهيم ، ومامن رسول جاء إلا بلغة قومه ، فما كانت لغة إبراهيم في تلك الفترة ؟ وكيف تم له التفاهم بلغات متعددة في مناطق متعددة ؟ حيث تنقل ما بين أرض كوردستان الى أور الكلدانية مرورا بالصحراء باتجاه ارض الفراعنة ومن ثم الى ارض الجزيرة العربية في مكة المكرمة ، وماهي اللغة التي جائت بها الصحف ألأولى ؟ هل هي الآرامية أو الكلدانية أو الفرعونية أو العربية القديمة أم الكوردية ؟

وفي مقدمة كتاب ( صحف إبراهيم ) الصادر عن الدار العربية للموسوعات 2006 يتحدث الباحث فالح العجمي عن جذور البراهيمية من خلال نصوص الفيدا ومقارنتها بالتطبيقات والروايات التاريخية فيقول :

(( أن شخصية براهما التي ارتبطت بصحف الفيدا، بل بكثير من المصطلحات الدالة على الديانة المرتبطة بالفيدا، هي الشخصية المشار لها في النصوص السنسكريتية ، والتي عرفت في الشرق الأدنى باسم (( إبراهيم )) سيوجد بالتأكيد من يعترض على ربط هاتين الشخصيتين في شخص واحد، سيرد الاعتراض من أتباع الديانة نفسها، التي يفضل إطلاق مصطلح (( البراهيمية )) عليها بدلاً من مصطلح )) الهندوسية (( ، لأن الأول يدل على الأصل، وهو الذي يرد في النصوص المقدسة، فليس هناك أي ذكر لهندي أو هندوسي، ولأن الأخير يشمل كل مافي الهند الحديثة والقديمة من أديان، بعضها ناشئ عن البراهيمية، وبعضها الآخر وافد من ثقافات أخرى. كما سيعترض أيضاً أصحاب الديانات الأخرى، خاصة اليهودية والإسلام على ذلك بسبب ادعاء كل من هاتين الديانتين ملكية (( إبراهيم)) بوصفه السلف الأول من الشعبين (الإسرائيلي والعربي) ومعتقدهما (اليهودية والإسلام). فلا يرضون بأن يكون أصله هندياً أو آرياً أو حيثياً. )) .

يذكر أبن الأثير في الصفحة 72 من كتابه الكامل في التاريخ : (( أن إبراهيم عليه السلام هو بن تارخ بن ناخور بن ساغور بن أرخو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن ارفخشذ بن سام بن نوح عليهم السلام )) ، وأن إبراهيم بن آزر ولد في أور الكلدان ، وقصة تكسيره الأصنام حدثت وقت حكم النمرود الذي كان يحكم قوم إبراهيم ، والنمرود كان ملكا في نينوى ويقال في الزمن البابلي ،وذكر المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار، أن هذا الملك هو ملك بابل، واسمه النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح .

وتتعدد القصص وتختلف حول الأماكن التي انطلق منها إبراهيم وأستوطن فيها ، فقد عاش في أور ثم عبر منها الى بابل ومنها الى نينوى ومن ثم الى فلسطين والتي غادرها الى مكة ومن ثم الى مصر ثم عاد عبر فلسطين الى مكة مرة أخرى .

وللأيزيدية كتابين مقدسين هما مصحف رش والجلوة ، وكلاهما لم يتم العثور عليه لحد اليوم ، وكلاهما لم يقطع بصحة النصوص الواردة فيه بشكل جازم ومتفق عليه ، فلم يجزم الأيزيدية دينيا ثبات هذه النصوص واعتمادها ككتب مقدسة ، وبقيت المسألة تحتمل وجهات نظر متعددة ، تزامنا مع قدم الأيزيدية ووجود فاصل زمني ليس بالقصير ضاعت فيه ليس الكتب المقدسة ، إنما كتابات عديدة ومهمة يمكن أن تكون أبجدية الكتابة الأيزيدية من بينها ، كما لم يفصل في اللغة التي كتبت بها تلك الكتب المقدسة هل هي بلغة الأيزيدية القديمة؟ ام هي باللغة الكوردية السائدة في المنطقة ؟ فالمجلس الروحاني لم يزل يعتمد على ما حفظه رجال الدين في الصدور ولم يصدر أي وجهة نظر بخصوص الكتابات المقدسة .

وينفي الباحث الدكتور خليل رشو وصول تلك الكتب المقدسة أو اطلاع أحد الباحثين عليها بسبب : (عدم تسجيل نصوصها الدينية وطقوسها وأصولها وعدم إطلاع الغالبية العظمى من الكتاب على ماهية هذا الدين. ) مقالة منشورة في موقعه الشخصي .

أما الباحث هوشنك بروكا فيقول (( الإيزيدية، ليست ديانةً “صعبةً” وإشكاليةً، على صعيد دراسة ومتابعة التاريخ الطقوسي، الميثي(تاريخ الله) فيها، فحسب، وإنما هي، تبدو في ذات الوقت وذات “الله الصعب”، بذات “الصعوبة” وذات الإشكال، على صعيد البحث عن تاريخ اجتماعها/ جماعتها(تاريخ اجتماع الإيزيدي)، في كرّها وفرّها، وحلّها وترحالها، أيضاً. )) مقالة بعنوان الإيزيديون : نزلاء الذات اللامتفقة أبداً كتبها بتاريخ 19/9/2007 الحوار المتمدن

وهناك من يعتقد أن نصوص مصحف رش ماهي الا جزء من كتاب مقدس آخر فيقول :

( وإنني إذ اعتقد بان مصحف ( (roj) المقدس الذى يعتبر فصلاً من فصول ( مصحف الاسرار الشمسانى ) والذى يعود تاريخه الى عهد نبينا نوح (ع) , وقد استحدث بعض الأسفار فى العصور المتأخرة عندما تناقل هذا المصحف من جيل الى آخر , وتم إجراء بعض التحريفات والإضافات حسب الظروف ف ومصلحة أبناء ذلك الزمان. ) أنظر مقالة خيري شنكالي في موقع شؤون اليزيدية .

أما الباحث الدكتور ممو عثمان فيقول في مقاله له بعنوان – الأيزيدية والعصرنة حتمية التغيير للخروج من الأزمة نشره في موقع صوت الشعب الأيزيدي بتاريخ 28/6/2007 :

((المعتقدات الدينية التي ورثها ألأيزيديون من أجدادهم مضافا” اليها المعتقدات الصوفية التي جاء بها الشيخ عادي وهنا كذلك بدأت فكرة تبني ميثولوجيا ألديانات السماوية عن طريق الشيخ عادي وأتباعه مضافة اليها التحويرات الخاصة باستبدال الأشخاص والأسماء اللاهوتية كقصص الأديان مثلا” بما يتفق ومبادئ الديانة الأيزيدية القديمة )) .

مهمة البحث والتقصي التي لم تبدأ بعد من مهمات المثقف الأيزيدي بعد أن يأس المتابع من رجال الدين ، بعد كل هذا الزمن وبعد كل ما جرى من ويلات للأيزيدية ،لم تتحرك جهة منهم لتثبيت تلك المدونات التي يتبجح بعض أنها محفوظة في الصدور وكأنها ملك عضوض الى الأبد ، ودون أن تنسجم تلك المقولات مع الزمن والتطور الحاصل حتى بين المجتمع الأيزيدي نفسه .

على أن اشارات ظهرت في الفترة الأخيرة تدعو للانتباه وتلفت النظر تتسم ليس فقط بالجرأة في الكتابة والطرح ، وإنما تدعو الى اعتماد المنهجية والموضوعية والدعوة الى الحوار من بين الأيزيدية انفسهم ،في محاولة استنطاق حقائق التاريخ واستخلاص ما يفيد أدلة قدم الديانة الأيزيدية ، مع أن تلك الطروحات والكتابات تجد العديد من المواجهات القمعية من الأيزيدية أنفسهم ، ونجد إن الأمر لايعدو الا حالة معقولة أزاء مواجهة القديم والخارج عن أطار العقيدة ، وبسبب القمع الفكري والأنساني الذي شمل المجتمع الأيزيدي فترات ليست بالقصيرة ، ولانستطيع غير أن نشد على تلك الأيادي والإفكار من أن تستمر في الطرق الذي سيفكك العديد من الحالات الطارئة والمترتبة بحكم الظروف على تلك الديانة العريقة والغارقة في القدم ، وسيساهم في فتح آفاق وعقول كثيرة تعالج حقيقة تلك النصوص خصوصا وقدم الديانة الأيزيدية عموما .

ولعل من بين المهم في تلك القضايا الدعوة الى تدوين الكتب المقدسة أو الأقوال الدينية المقدسة ، وتجميع نصوصها والبحث عن جذورها وتشذيبها مما لحقها من شوائب ، فالاعتماد الشفاهي يحتمل التأويل والاختلاف ، مثلما يتخلله العديد من الطعون بسبب النسيان والسهو عند الإنسان ، وإزاء حملات التشويه والملاحقة المستمرة على الأيزيدية ، يستوجب الأمر الاستعداد الدائم للمواجهة والدفاع ليس فقط عن النفس ، إنما عن العقيدة والنصوص المقدسة والحقائق الدينية التي كرستها تلك الديانة التي اعتقدت بها مجموعة كبيرة من بلاد ميسوبوتاميا في الأزمان الغابرة ، ولم تنته ولم تباد رغم كل عاديات الزمن .

ويصبح أمر تثبيت حقيقة قدم الديانة الأيزيدية من خلال التحريات البايلوجية في المنطقة والمعبد المقدس ، بأشراف المتخصصين في هذا المجال ، بالإضافة الى التكاتف من أجل إبراز أية وثائق أو كتابات قديمة تخص تلك الديانة ، سواء ما أحتفظ به الأفراد لأي سبب ، أو ما تم نقله الى المتاحف العالمية فيما يتعلق بالايزيدية ،أو ما تناثر في مراكز البحوث والدراسات في العالم ، وتلك مهمة تتطلب التعاون من الجميع بما فيها المؤسسة الدينية ممثلة بالأمير والمجلس الروحاني والمهتمين بالديانة الأيزيدية من المثقفين والباحثين الأيزيديين ، بالإضافة الى مساهمة فعالة وجادة من المؤسسات الثقافية والأنسانية الدولية المعنية بهذا الأمر .