الرئيسية » مقالات » معبر رفح بين الكسب الموهوم… والخسارة الإستراتيجية!!!

معبر رفح بين الكسب الموهوم… والخسارة الإستراتيجية!!!

ما جرى أخيرا في معبر رفح الحدودي مع جمهورية مصر العربية ، من تفجير الأسوار في أكثر من منطقة حدودية من قبل المليشيات المسلحة ، وهجوم المواطنين وتدافعهم بأعداد كبيرة للدخول للاراضى المصرية ، ليس ببعيد عن اللعبة السياسية للمخططين، والمنفذين ، ويشكل سابقة خطيرة في العلاقات العربية – العربية ، بعد استباحة لحرمة الاراضى المصرية واستقلالها ، وهو بهذا يثير العديد من التساؤلات وعلامات الاستفهام الكبيرة .!!1

لا شك أن الحصار ليس بجديد على شعبنا الفلسطيني ، وإرهاب الدولة الصهيونية لم يتوقف ، و لكن تصاعدت وتيرته الجنونية أخيرا ، بعد قرارات الحكومة الإسرائيلية باعتبار غزة كيانا معاديا ، فمن تشديد للحصار وإغلاق للمعابر ، واجتياح للاراضى الحدودية الغزية ، والاغتيالات اليومية … الخ التي عكست في جوهرها طبيعة الحركة الصهيونية كحركة استيطانية رجعية إرهابية ، تهدف لتعطيل طموحات شعبنا في الحرية والاستقلال والعودة ، وحرف النضال عن المعركة الحقيقية على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية ، ومحاولاتها المحمومة في تهويد القدس ، وعزلها عن محيطها الفلسطيني ، والتهام الأرض الفلسطينية ، وإقامة المستوطنات ، والاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري .

ومع نجاح خطة شارون الانسحاب الاحادى الجانب ، والتنصل من التزامات الاحتلال الاسرائيلى كونه السلطة المحتلة للاراضى الفلسطينية ، طبقا لاتفاقية جنيف الرابعة ، فقد جاء الانقلاب العسكري في حزيران 2007 ليعمق حالة الانقسام ، ويستدرج الخلافات الداخلية ، ويسهل الأهداف التي وضعها الساسة الإسرائيليون في مراكز أبحاثهم ، خصوصا مركز جافى للدراسات والأبحاث الإستراتيجية الإسرائيلية عام 1989، والتي في مضمونها تجزئة الشعب الفلسطيني ، وتحويله لمجموعات سكانية ، وتفتيت الأرض الفلسطينية ، ومنع إقامة الكيان الفلسطيني الموحد ، وتقويض مشروع الدولة ، من خلال تعميق الخلافات بين منظمة التحرير الفلسطينية وحماس على قاعدة دعهم يتقاتلون ، ويتصارعون وياتى الانقلاب ليضفى شرعية على الفصل السياسي ، والجغرافي ، والنفسي بين مكونات الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية ، وقطاع غزة ، ويظهر زيف وبطلان ادعاءات الانقلابين بحرصهم على المشروع الوطني ، والثوابت الوطنية ، ولهذا لا يمكن فهم ما يجرى في معبر رفح ، وتزامنه مع عقد مؤتمر دمشق بعيدا عن الأهداف السياسية للمنفذين ، التي وان حققت في الشكل مكسبا وهميا ، فإنها تعكس حجم التضليل الاعلامى ، وفي إظهار حرصهم على فك الحصار .

لقد عانى الشعب الفلسطيني في غزة ، من العدوان الاسرائيلى المتواصل، والإرهاب الدموي ، والحصار الخانق ، والإغلاق الكامل، والعقاب الجماعي بكافة أشكاله ، وأخيرا وليس آخرا استخدام الوقود والكهرباء كوسيلة تأديب ، وتأليب ، مما زاد من حجم المعاناة اليومية ، وفاقم من حدة الأزمة الخانقة بكل أبعادها ، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية ، والخوف من المجهول ، وفقدان الثقة بكل المؤتمرات العربية والدولية ، وكافة الوعود الكاذبة ، وفى مقدمتها اجتماع انابوليس ، ومؤتمر باريس ، وزيارة بوش للمنطقة ، وتزايد حدة الانقسام في مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني ، وتراجع وحدة النسيج الاجتماعي ، والمؤسسات الرسمية والمجتمعية ، وفقدان الأمن ، وانتهاك لحقوق المواطنين في التعبير والرأي ، وملاحقة الصحافيين ، وتضييق لحرية الصحافة ، واعتقال رموز الحركة الوطنية ، كلها مجتمعة سهلت عملية رفض الواقع ، والتمرد عليه ، واستغلال اقتحام معبر رفح للهروب إلى الأمام ، و من القطاع ، طلبا للهجرة غير المضمونة إلى الخارج ، وخصوصا في أوساط الشباب .

إن الاحتلال الاسرائيلى يتحمل كامل ألمسؤوليته القانونية والأخلاقية لنتائج الحصار الكارثى ، ولا يمكن إعفائه من الآثار السلبية والكارثية على الشعب الفلسطيني ، منها حاول تقديم التبريرات ، والادعاءات ، كما جاء الانقلاب ، وسلوك حماس ليعمق حالة الانقسام ، ويساهم في تكريس حالة الفصل عن الوطن ،وفى إجهاض مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وغزة ، التي دفع الشعب الفلسطيني منذ أكثر من قرن الآلاف من الشهداء والضحايا والمعتقلين والتشرد ، وتوجيه ضربة لأحد الثوابت الوطنية ، الحق في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس ، وفى رأينا فان ما جرى في معبر رفح يشكل نصرا للقوى اليمنية الإسرائيلية المتطرفة التي تحاول تنفيذ مخطط الترانسفير لشعبنا ، كلما سنحت الظروف بذلك نحو العالم العربي ، تأكيدا لمزاعم يهودية الدولة العبرية ، وتطبيقا لقرار اعتبار غزة كيانا معاديا .، ولو شكل ما يجرى في معبر رفح خطرا على السياسية الإسرائيلية لما وقفت مكتوفة الايادى والأرجل !!!

ومن الوجهة الأخرى فان تفجير الأسوار على معبر رفح لم ينجح في كسر الحصار على المواطنين في غزة ، وراجت تجارة السجائر والمعسل ، وبعض الأشياء الممنوعة كالسلاح والمخدرات ، ولم يحقق حلا للحصار الحقيقي وفشل في توفير المواد التموينية والضرورية للصمود، وبقى المرضى والمحتاجين للرعاية الصحية ، وللعلاج المستمر للمسنين والعجزة ، وتفاقمت قضايا العالقين من الطلاب ولم تحل قضاياهم ، وأصحاب الاقامات ،وفاقدي عقود العمل ، والوظائف في بلدان الشتات ، ولم تتدفق إمدادات الوقود ، والتيار الكهربائي ولا مواد البناء والاسمنت ، لتشغيل المرافق العامة ، وبقيت مشاكل العمال والمزارعين والطلبة والجنود بلا حلول . وإذا كانت أجهزة الأمن المصرية قد سمحت باجتياز معبر رفح الحدودي لاعتبارات إنسانية ، ودون تصادم ، وتفهم لمعاناة المقتحمين ، فإنها لا يمكن أن تتساهل في استباحة أمنها القومي ، واستراتيجيها الأمنية ، حتى مع أولئك الذين يتجاوزون محافظة العريش بطريقة غير شرعية ، حيث يجرى القبض عليهم تمهيدا لاتخاذ إجراءات مناسبة بحقهم ، وإعادتهم حيث أتوا.

إن من الملفت للاهتمام أن مجموعة الإجراءات ، والتصريحات الأخيرة لقادة حركة حماس ، جاءت عشية مبادرة الرئيس أبو مازن ، وحكومته استعدادها الإشراف على المعابر ، وتسهيل عملية الحركة للأفراد والبضائع تمهيدا للضغط من أجل رفع الحصار عن غزة ، وفى ظل تفهم بعض الإطراف الدولية ، وفى مقدمتها الرباعية الدولية ، وممثلو الأمم المتحدة ، وعشية انعقاد مجلس الأمن الدولي ،وتأكيد المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية تمسكه بالثوابت الوطنية ، وأن القضية الفلسطينية هي قضية تحرر وطني في الأساس وليست قضية إنسانية فقط. ، ورفضها الدعوات المتكررة من القوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني للحوار الشامل على قاعدة استعدادها للتراجع عن الانقلاب ، وعلى أساس وثيقة الوفاق الوطني ، واتفاقية القاهرة ، وعملوا على إجهاضها في مهدها ، لاعتبارات خاصة بعيدة عن البعد الوطني ، وإبقاء المواطنين رهائن يجرى المساومة عليهم ، مما يزيد من حالة الانقسام ، ويشكل خطورة حقيقية على المشروع الوطني ، بل وعلى الوجود الفلسطيني على أرضه ، وتمارس حملة تضليل اعلامى ، وتغييب للعقل ، وتزوير للوقائع التي اكتشفها المواطنون في اليوميين الماضيين ، وعلى قاعدة راحت السكرة وجاءت الفكرة!!!

إن ما يجرى في معبر رفح ، هو اغتصاب حقيقي لغزة ، وسلخها من حضن الوطن ، وامتهان لكرامة الفلسطيني ونضالا ته الطويلة ، وهو يقع في خانة الحل الاقليمى الموهوم عبر البوابة المصرية أو الأردنية ، وتحميل مصر مسؤولية اختراق الحدود المصرية الفلسطينية ، ومطالبتها التكفل باحتياجات غزة الإنسانية ، وإعفاء الاحتلال كليا من مسؤولياته التاريخية عن عذابات الفلسطينيين ، كل هذا نظير ثمن الإبقاء على غزة رهينة بيد حركة حماس ، والعودة لمنطق الوصاية على الشعب الفلسطيني ، وجره لمستنقع التبعية لهذا النظام أو ذاك ، وإنهاء المشروع الوطني الفلسطيني ، والتملص من الثوابت الوطنية ،.. أليس هذا المكسب الموهوم يشكل خطرا استراتيجيا على القضية الفلسطينية؟؟؟ 

غزة – فلسطين