الرئيسية » مقالات » هل تجاوز اليسار العراقي دور المخاض…؟ ألشعب ينتظر الوليد الجديد

هل تجاوز اليسار العراقي دور المخاض…؟ ألشعب ينتظر الوليد الجديد

الدعوات والنداءات التي تكررت في ألأيام الماضية لجمع شمل اليسار العراقي والبدء فعلآ بوضع المقترحات المطروحة لهذا الجمع موضع التطبيق العملي والخروج بها من طور المكاتب إلى الشارع العراقي الذي ينتظر ذلك منذ أمد ليس بالقصير , تعكس فعلآ ما يشعر به المواطن العراقي الذي ذاق وعاش مآسي أحزاب المحاصصات الطائفية والتكتلات المنطاقية والإنتماءات العشائرية القبلية وأحزاب التعصب القومي الشوفيني العربي والكوردي على حد السواء والتكتلات الرجعية التي سخّرت بقايا البعثفاشية وفسحت لها المجال للإستمرار في جرائمها ضد الشعب والوطن . ولم يخفف من آلام المواطن حتى تلك الكيانات الهزيلة التي إنبثقت عن الإنتخابات التي كان المواطن يأمل بنتائجها خيرآ , فإذا الذين وضعتهم هذه الأحزاب على قوائمها ألإنتخابية والذين شكلوا الغالبية العظمى في البرلمان العراقي ما هم إلا شلة من التجار والسواح والكسالى والمرتشين وحتى المشاركين في أعمال إرهابية ضد الشعب الذي أتى بهم إلى هذا المجلس الذي أصبح موضع النكتة لدى المواطن العراقي . أما المؤسسات الحكومية التي أُبتلي المواطن بإجراءاتها الرسمية الروتينية ألمملة وفي أحيان كثيرة البعثفاشية أيضآ فإنها لا تعكس روح التغيير الذي يريده الشعب العراقي بعد مآسي أربعة عقود من الحكم الدكتاتوري الرهيب البشع . وسوف يطول بنا الحديث لو تتبعنا ” ألجر والعر ” بالطول والعرض والعمق والإرتفاع الذي تخرج به السياسة العراقية اليومية بين هذه ألأحزاب التي تسمي نفسها دينية , لا يتكلم من ينتمي إليها إلا بعد بسملة طويلة وحوقلة أطول ليقذف ما يحلو له من الكلام الذي لا صلة له بالواقع المُعاش والذي يدور جله حول المصالحات والمحاصصات والمقاولات ومؤتمرات ولقاءت الطوائف والملل والنحل والصحوات والقبائل وكأننا نعيش العهد القبلي من جديد بعد أن كنا نتعلم في مدارسنا منذ عشرات السنين بقضاء الإسلام على العصبيات القبلية والنعرات العشائرية , وبعد أن قضت ثورة الرابع عشر من تموز المباركة على شبه ألإقطاع السائد في العهد الملكي المقبور ونظامه المتمثل بقانون دعاوى العشائر ألذي إقترن بتغييب الدولة عن حكم الريف الذي جعله هذا القانون في متناول يد السراكيل وملاكي ألأراضي وشيوخ العشائر والقبائل . ودولة ألأحزاب الدينية المُغيبَة ألآن أيضآ جعلت العراق ككل , وليس الريف فقط , بيد سراق قوت الشعب , وتجهيزات البطاقة التموينية نوعيآ وكميآ تصرخ منذ أمد طويل بهذه السرقات , ومشايخ الحكومة يرددون : عمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء . وليس هناك من كاشف لهذا السوء لحد الآن , لا بل بعض من جازفوا بكشفه على العلن, قد جازفوا بحياتهم أيضآ وأُغلقت ملفاتهم مذيلة بعبارة : لعدم توفر الأدلة . البطاقة التموينية تمثل جانبآ من المأساة المتعددة الوجوه . وستصيب الإنسان السوي الكآبة الدائمة إذا نظر بجد إلى كل وجه من هذه الوجوه سواءً فيما يتعلق بالخدمات التي تُذكر دائمآ ولا تُرى أو بالبطالة المستشرية والتي تنخر في عظام الإنسان العراقي أوالفساد ألإداري الذي جعل وطننا بفضل المحاصصات الدينية والقومية في المقدمة , وهذا هو المركز الوحيد الذي نحتل فيه المقدمة , لم تسبقنا فيه غير دولة الصومال . فمَن الذي سبب ذلك يا ترى إذا كانت الدولة محكومة من أحزاب تدعي التدين حقآ , يحتل فيها المُبسملين والمُحوقلين ذوي أللحى المُحناة والجباه الموسومة والأصابع المرصعة بالخواتم أغلب , إن لم تكن جميع , مواقع السلطة والتسلط …؟ فالدولة العراقية اليوم هي ورقة المرور للثراء والإبتزاز والقهر والتسلط لمنتسبي ألأحزاب الدينية الحاكمة من جهة , ورمزآ للحرمان ولإذلال والبطالة والعوز والمآسي اليومية المتكررة للمواطن من جهة أخرى .
إنطلاقآ من كل ذلك ومن الكثير ما خفى أصبح الصراخ للتفتيش عن البديل عاليآ جدآ , تزداد حدته كل يوم يمر ولا تُتخذ فيه الخطوات العملية الواضحة لإيقاف هذه الحالة المزرية التي يمر بها الوطن وأهله . إن النداءات التي تكررت لإيجاد البديل يجب أن تقترن الآن بولادة هذا البديل والإنطلاق به على الشارع العراقي كي يراه المواطن فعلآ ويشعر به وبوجوده وليعيد الثقة إليه بنفسه وبالعملية الديمقراطية برمتها. لا يمكن ألإنتظار لأكثر من هذا الوقت , ولتنطلق الدعوات داخل وخارج الوطن بأوراق عمل واضحة ومواعيد ثابتة لعقد اللقاءات التي تجمع قوى اليسار العراقي الديمقراطي العلماني المتحرر من كل الأفكار التي عملت ولا زالت تعمل على ترسيخها قوى ألإسلام السياسي الحاكم الآن في العراق وقوى المحاصصات بكل أنواعها . وهناك شرط مهم آخر يجب أن يتوفر في التجمع العراقي اليساري التقدمي الجديد ألا وهو خُلّوه من أي إتجاه تّشم منه رائحة البعثفاشية التي تحاول الآن الرقص على جراحات الشعب العراقي لتعيد فكرها الشوفيني ألأسود إلى الحياة . أللقاءات والمؤتمرات اليسارية العلمانية القادمة يجب أن تضع نصب عينها أهدافها المشتركة للمرحلة القادمة فقط , وذلك لأن إستمرار المآسي في العراق على هذه الشاكلة ستجر المواطن إلى خيبات أمل ويأس قد يطول الوقت لتجاوزها أو التخلص منها نهائيآ . لذلك فإن العمل على تحقيق خطط عمل مرحلية عامة هدفها الديمقراطية والفدرالية والعلمانية هي الوسيلة الناجعة والطريق السليم الذي ينبغي أن يدركه اليسار العراقي الآن ويعمل على تحقيقه فعلآ . أما ألأهداف الحزبية الخاصة فهي مصونة ومحترمة يمكن أن يمارسها أي حزب في ظروف الدولة الديمقراطية , دولة القانون وحقوق الإنسان , التي يجب أن تكون الخيمة التي يستظل بها كل من يسكن هذه الأرض الطيبة المعطاء ويعمل لها مهما كان لونه أو دينه أو قوميته أو أصله وفصله . فمتى سيُعقد ألإجتماع التنظيمي ألأول لقوى اليسار العراقي الذي يرغب أن يشارك به , بدون شك, كل من يؤمن بالبديل الديمقراطي العلماني الفدرالي للعراق الجديد , عراق دولة القانون وحقوق ألإنسان . إلا أن مثل هذه المؤتمرات لا تستوعب هذا العدد الضخم من الذين يرغبون خدمة وطنهم وأهلهم من خلالها , لذلك لابد من التفكير بلجان نتسيق تُنظم هذه أللقاءات على ألأصعدة والمستويات المختلفة داخل وخارج الوطن وتنطيم المقترحات وإعداد أوراق العمل لتصب هذه الجهود المشتركة أخيرآ في برنامج يساري تقدمي علماني فيدرالي متكامل يشكل السمة ألأساسية لنظام الحكم القادم في وطننا .