الرئيسية » مقالات » معطيات مفزعة عن واقع البناء في القدس الشرقية

معطيات مفزعة عن واقع البناء في القدس الشرقية

متابعة: محمود جلبوط

كشف خبير في تخطيط المدن، النقاب عن أن إجمالي المبالغ التي دفعها المقدسيون، كغرامات أبنية فرضتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ووزارة الداخلية، على الفلسطينيين في مدينة القدس خلال الفترة ما بين 2001 و2005، قد بلغت أكثر من 35 مليون دولار، مشيراً في هذا الصدد إلى الارتفاع المطّرد في عدد مخالفات “البناء غير القانوني” المسجلة بحسب سلطات الاحتلال وهو مصطلح يعني مباشرة الهدم، وقد بلغت 5255 مخالفة بناء مسجلة رسمياً ما بين الأعوام 1992 و2001.

وذكر البروفسور راسم خمايسي خلال ندوة نظمها “مركز التعاون والسلام الدولي” في فندق “الأقواس السبعة”، تحت عنوان: “إشكاليات البناء والتخطيط في القدس: منطقة الطور”، أنّ السلطات الإسرائيلية عمدت بعد احتلال المدينة، إلى تخصيص مساحات واسعة من أراضي المدينة، لبناء المستوطنات ومساحات مشابهة تم تصنيفها كمناطق خضراء، يُمنع الفلسطينيون من البناء عليها، من أجل جعل إمكانية التوسع السكاني الفلسطيني الطبيعي معدومة تماماً، وهو ما خلق المعاناة التي تعيشها المدينة اليوم.
وأشار البروفيسور راسم خمايسي إلى الزيادة في هدم المباني بذريعة عدم حصولها على الترخيص، إذ تهدم السلطات الإسرائيلية ما معدله 95 مبنى سنوياً، كان منها 152 منزلاً في العام 2004 وحده، منوهاً إلى أن أوامر هدم صدرت لنحو 6 آلاف منزل في المدينة.
محدداً أنّ عدد الرخص التي منحتها بلدية القدس الغربية (سلطات الاحتلال) للفلسطينيين، لا يتجاوز سنوياً خمسين رخصة وفقاً للمعطيات المتوفرة للعامين 2003 و2004، وقال “إن عدد الرخص التي منحتها البلدية للفلسطينيين بين الأعوام 1967 و2000 لم يتجاوز 3100 رخصة، في حين أن عدد الرخص الممنوحة بين الأعوام 2000 و2004 بلغ 444 رخصة بناء مقابل 5837 مبنى تم تشييدها بدون ترخيص خلال نفس الفترة” وعبارة “دون ترخيص” أي تعرضها للهدم.
وتتعمد سلطات الاحتلال في القدس إلى عدم تنظيم الأراضي والأحياء الفلسطينية، لإعاقة إمكانية البناء والترخيص فيها، وتترك مشاكل التخطيط والتنظيم للأهالي الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف التخطيط الباهظة الثمن.
أحياء فقر
وتناولت الدراسة التكلفة العالية للبناء وتعقيدات التخطيط وغياب المشاركة الجماعية وغياب أجهزة رسمية، لاسيما فلسطينية، ترعى عملية تخطيط وبناء جماعي، أدى إلى تفاقم ظاهرة عشوائية البناء في القدس الشرقية المحتلة، الأمر الذي ضاعف من المعاناة والتضييق على الفلسطينيين نتيجة السياسات والممارسات الإسرائيلية، وعكس نفسه سلباً على الحياة في المدينة عامة، وأوجد مشاكل اجتماعية وبيئية واقتصادية صعبة.
ومنها تآكل مساحات الأراضي التي كان من الممكن أنْ تُشكل احتياطيا للبناء الفلسطيني. فرغم محدودية هذه الأراضي، إلا أنّ انتشار مبانٍ عشوائية وغير منظمة، أدى إلى استحالة استخدامها لأبنية سكنية ملائمة بكثافة سكانية معقولة، خاصة في المناطق التي اعتبرت مناطق خضراء.
“فارتباط قضية السكن بإثبات مكان الإقامة ومركز الحياة، زاد من هذه المعاناة، فأصبح هدف كل مقدسي إثبات علاقته بالسكن للحفاظ على وجوده”، “فانتشار أنماط سكن واكتظاظ سكاني أشبه بأحياء الفقر وانعدام البنية التحتية والحد الأدنى لشروط السكن الملائم، حولت كثيراً من أحياء القدس إلى أحياء فقر، حيث انتشرت الآفات الاجتماعية والمشاكل والخلافات المتعلقة بالحيازات وملكيتها.. وقد انتشرت أيضاً ظاهرة تزييف إثبات الملكية، والاستيلاء على أملاك الغير بالقوة”.
“بالإضافة إلى تآكل الأراضي للتطوير والبناء المستقبلي، فإن المباني والفعاليات العامة من مدارس وحضانات وحدائق عامة ونوادٍ وملاعب، أصبح من الاستحالة إقامتها، بسبب عدم توفير حيازات عامة من الأراضي والأحواض للأحياء والمناطق المختلفة بموجب ما تقتضيه قوانين التنظيم والبناء”.
إشكاليات التخطيط
إن السياسات الإسرائيلية الموجهة ضد التطوير والتوسع الفلسطيني هي العامل الرئيس في الإشكاليات المرتبطة بالتخطيط والبناء في القدس الشرقية، إلاّ أنّ النظام التخطيطي نفسه لا يمكن أن يكون مناسباً للفلسطينيين نتيجة لعدة معضلات”، ومنها “طبيعة الملكية على الأرض وانحصارها بالملكية العائلية الفردية الخاصة، ورفض المشاركة والتعاون لتنظيم استخدامات الأرض وتحديد قيمتها، بناء على حقوق البناء وزيادة هذه الحقوق من خلال تقديم مشاريع تخطيط تفصيلية توزع عبء الأراضي المخصصة للاستخدام العام على مجمل أصحاب الأراضي للحوض أو المنطقة، وتحديد قيمتها من جديد بعد إقرار مشروع التخطيط وتوزيع ذلك بشكل مباشر”.
و”فيما يتعلق بالتوزيع غير العادل للملكية، فإنه عادة لا يتم التفريق بين الأراضي الواقعة داخل المخطط التنظيمي، أو الأراضي الممكن إدخالها ضمن المخطط التنظيمي، والأراضي الواقعة خارج هذا المخطط، والتي تعتبر أراضي خضراء، خاصة في قرى القدس الواقعة داخل حدود البلدية، وعملياً فإن أكثر من 60% من أبناء القرى الواقعة داخل القدس لا يملكون فعلياً أراضي، كونها واقعة خارج مناطق التنظيم”.
وغياب تسجيل للملكية ورفض أصحاب الأراضي القيام بالإجراءات التي تثبت حقوق المالكين لعدة أسباب، منها خوفهم من المصادرة كون بعض المالكين من الغائبين، أو لخوفهم من دفع الضرائب أو الرسوم التي تفرض عند التسجيل الأرض، وعلى كلتا الحالتين فإن رفض القيام بعملية التسجيل وإبقاء الملكية مشتتة وغير مسجلة، يزيدان من فرص تعرض الأرض لأعمال التزوير والاستيلاء على أملاك الغير”.

و “رفض المشاركة بين أصحاب الأراضي والإصرار على طريقة البناء الفردي الخاص، التي عادة ما تكون تكلفتها عالية جدا ولا يمكن أن تقدم حلولا حتى لأفراد العائلة ذاتها”، حيث تصل التكلفة تصل إلى ما بين 30 ـ 50 ألف دولار للحوض الواحد.
وبسبب من منهجية الاحتلال لإفراغ المدينة من سكانها بسبب تعقيدات لا نهاية لها لتراخيص البناء، كما إلى “رفض مفهوم التخطيط كمبادرة لزيادة الفرص وإمكانيات البناء والتوسع، واقتصار هذه المفاهيم على معالجة قضايا عينية، مثل هدم البيوت، حيث أن معظم مشاريع إعادة التنظيم المقدمة من قبل الأهالي هي لمنطقة محددة لا تتعدى بضعة دونمات، والهدف من تقديمها منع هدم بيوت بنيت بدون ترخيص، فيما عادة ما تكون التكلفة باهظة جداً بسبب غرامات البناء، بالإضافة إلى تكلفة إعداد الخطط والاستعانة بمهندسين ومحامين للقيام بذلك”.
التخطيط جزء من عملية مقاومة
وفي هذا الصدد، اعتبر خمايسي أنّ التخطيط في القدس هو جزء من عملية مقاومة، وقال “التخطيط هو جزء من عملية مقاومة من اجل دعم صراع البقاء بمفهوم الرباط وكيفية تطوير مجتمعنا وتلبية احتياجاته”، مضيفاً أن “القدس الشرقية مدينة محتلة، ويجب إزالة الاحتلال ولكن حتى تحقيق ذلك، فإن علينا أن نفكّر كيف نتعامل مع الواقع المستمر منذ 40 عاماً، فمع مواجهة الاحتلال يجب تعميق الوجود الفلسطيني في المدينة وتنميته وتطويره بالأدوات والمساحة الممكنة”.
وتابع “علينا استخدام التخطيط كأداة مقاومة لتنمية وجودنا وتعزيز مكانتنا وتوفير احتياجاتنا الحياتية.. هذا الأمر لا يحل محل أمور أخرى ولكن يكون بالإضافة لها”.
وقدم خمايسي عدة نصائح للمواطنين، بالقول: “إن إحدى القضايا المركزية التي تحول دون الحصول على تراخيص بناء هي ملكية الأرض، حيث يجب التأكد من الحصول على تواقيع جميع الورثة إذا كانوا مواطنين في القدس، أما في حالة كون احد الورثة الغائبين شريكا فإن هذا الأمر يتطلب الحصول على توقيعه إذا كانت الحصة مصادرة، وفي معظم الحالات يرفض حارس أملاك الغائبين القيام بذلك”.
وأضاف “أحد الحلول التي يجب فحصها من خلال محامٍ متمرس في قضايا الأراضي وتسجيلها هو التوجه إلى لجنة خاصة لتحرير الأراضي، وطلب شراء حصة أملاك الغائبين بشكل رسمي (هذا الشراء لا يلغي حق صاحب الحصة الغائب لأسباب وطنية وأخلاقية، ويجب التوصل إلى تسوية معه بخصوص ثمن حصته)، وعادة ما يتوجه المستوطنون إلى سجل أملاك الغائبين لشراء هذه الحصص للسيطرة على مباني وأراضي الفلسطينيين”.
وتابع “حل آخر لمجابهة خطر المصادرة هو استخدام حصة أملاك الغائبين للاستخدام العام عند إعادة تنظيم الأرض، وهذه قضية يجب فحصها من خلال محامٍ متخصص في قضايا أراضي دائرة إسرائيل، وكل حالة لها ظروفها وخصوصيتها”.
وشدد خمايسي على “التأكد من أن الوثائق المتعلقة بالأرض غير مزيفة، حيث أن حالات عديدة لتزييف إخراج القيد وتواقيع المالكين، حدثت من قبل وجرى بيعها لعدة أشخاص، ويجب الاحتفاظ دائما بالمستندات الأصلية واستخدام نسخ عند التوجه إلى المحامين والمهندسين”.
وقال “يجب فحص الوضع التنظيمي للأرض وإمكانية البناء عليها، ويمكن التوجه إلى قسم المعلومات في البلدية للاطلاع على الوضع التخطيطي القائم، وفحص إمكانيات تعديل هذا الوضع بالتشاور مع مهندسين ومخططين أصحاب تجربة ومعرفة بالجهاز التخطيطي الإسرائيلي”.
وأكد على أنه “يجب التوجه دائما إلى أصحاب الاختصاص ومرافقتهم في كل مراحل طلب الترخيص ومتابعة التنفيذ حتى الحصول على النموذج النهائي، وهو إتمام البناء وربط المبنى بخدمات البلدية من مجاري ومياه وكهرباء.
يُذكر أن حديث خمايسي جاء في اللقاء الخامس ضمن سلسلة لقاءات ينظمها “مركز التعاون والسلام الدولي”، وتهدف بالأساس إلى دعم الوجود الفلسطيني في القدس، وذلك من خلال العمل على زيادة الوعي الجماهيري حول السياسات والمخططات الإسرائيلية، وطرح آراء مهنية، حول كيفية التعامل مع ما تسببه هذه السياسات من إشكاليات في إصدار تراخيص البناء وأوامر هدم البيوت الفلسطينية في المدينة المقدسة •